انضم إلينا
اغلاق
وداعا للترافيك.. الانتقال من عصر "المعلومات" لعصر المصادر الموثوقة

وداعا للترافيك.. الانتقال من عصر "المعلومات" لعصر المصادر الموثوقة

  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

 كثيراً ما نسمع أخباراً في محيطنا الاجتماعي، فنباشر بالسؤال "من أخبرك بذلك؟" ويكون تعليقنا "إني أثق بهذا الشخص" أو "لا أثق بتاتاً بأيٍ مما يقول". يعني ذلك أنك تبني حكمك على مدى مصداقية المعلومة وفقاً لمصدرها. ولكن متى كانت آخر مرة سمعت أو قرأت بها معلومة جديدة وفكرت في نفسك "إنها غريبة أو لا أظن ان ذلك حقيقةً...لحظة أريد التأكد من مصدر تلك المعلومة". تمهّل! فلتودّع عصر المعلومات السريع، ولترحّب بعصر السمعة الذي يحتاج منك التمهّل والتفكّر.

 

نص التقرير

 هناك مفارقة مهمشة في المعرفة تلعب دوراً محورياً في ديمقراطيتنا الليبرالية المتقدمة؛ فكلما ازدادت المعلومات المتداولة يزداد اعتمادنا على أجهزة السمعة في تقييمها. ينشأ هذا التناقض عن الوصول المتزايد إلى المعلومات والمعرفة التي نمتلكها اليوم والذي لم  يؤد بدوره إلى تمكيننا أو زيادة استقلاليتنا المعرفية وإنما جعلنا أكثر اعتماداً على أحكام وتقييمات الآخرين للمعلومات التي نتعرض لها.

 

إنّا نشهد نقلةً نوعيةً جوهريةً في علاقتنا بالمعرفة؛ نتحرك من "عصر المعلومات" نحو "عصر السمعة" حيث تكون المعلومات قيّمةً فقط إذا قام الآخرون بفلترتها وتقييمها والتعليق عليها. وفي ضوء ذلك، أصبحت السمعة دعامة مركزية للذكاء الجماعي؛ وتعتبر حارساً للبوابة التي يحتفظ بمفاتيحها الآخرون. تجعلنا الطريقة التي يتم بها بناء سلطة المعرفة نعتمد على أحكام الآخرين -الذين غالباً ما لا نعرفهم- المنحازة.

  

كلما ازدادت المعلومات المتداولة يزداد اعتمادنا على أجهزة السمعة في تقييمها

مواقع التواصل 
 

لنرَ بعض الأمثلة على هذا التناقض: إذا ما سُئِلت لماذا تعتقد أن هنالك تغيّرات كبيرة في المناخ التي تؤذي بشكل كبير مستقبل الحياة على الأرض، فإن الإجابة الأكثر منطقية التي من المحتمل أن تقدمها هي أنك تثق في سمعة مصادر المعلومات التي عادةً ما تلجأ إليها للحصول على معلومات حول حالة كوكبنا. في أفضل السيناريوهات، أنت تثق في سمعة البحث العلمي وتعتقد أن مراجعة الزملاء هي طريقة معقولة لفحص "الحقائق" من الفرضيات الخاطئة و "الهراء" الكامل حول الطبيعة. في أفضل الحالات المتصورة، تضع ثقتك بالصحف أو المجلات أو القنوات التلفزيونية التي تؤيد وجهة النظر السياسية التي تدعم البحث العلمي لتلخيص النتائج التي توصلت إليها من أجلك. في هذه الحالة الأخيرة، تتم إزالتك مرتين من المصادر؛ إذ أنك تثق في ثقة أشخاصٍ آخرين في مجال علوم حسن السمعة.

 

خذ مثالاً آخر على ذلك والذي يتمثّل في حقيقة لا خلاف عليها كنت قد ناقشتها مطوّلاً في مكانٍ آخر، ألا وهي إحدى أكثر نظريات المؤامرة سيئة السمعة: لم يخطُ أي إنسان على القمر في عام 1969 وأن برنامج أبولو Apollo بأكمله -بما في ذلك ست رحلات هبوط على سطح القمر بين عامي 1969 و 1972- كانت تزييفاً مدبّراً. كان بيل كيسينج هو من أطلق نظرية المؤامرة هذه، وكان يعمل في منشورات في شركة روكيتداين Rocketdyne حيث تم بناء محركات صاروخ أبولو ساتورن 5 Saturn V. في عام 1976، نشر كيسينج -على نفقته الخاصة- كتاب We Never Went to the Moon: America's $30 Billion Swindle "لم نذهب للقمر قط: احتيال أمريكا بقيمة 30 مليار دولار". وبعد نشر هذا الكتاب، نمت حركة المتشككين وبدأت بجمع الأدلة حول الخدعة المزعومة.

 

وفقاً لجمعية الأرض المسطحة -وهي إحدى المجموعات التي لا تزال تنكر الحقائق- تم إعداد الهبوط على القمر من قِبَل هوليوود بدعم من والت ديزني وتحت الإخراج الفني لستانلي كوبريك. وتستند معظم "الأدلة" التي تقدمها إلى تحليل دقيق لصور مختلف عمليات الهبوط؛ إذ تمت الإشارة إلى أن زوايا الظلال تتعارض مع الضوء، ورفرفة علم الولايات المتحدة حتى بعدم وجود رياح على القمر، فإن آثار الخطوات شديدة الدقة ومحفوظة جيداً بالنسبة لتربةٍ لا توجد فيها رطوبة، وأليس من المشبوه أن يتم إغلاق برنامج قد شارك فيه أربعمئة شخصٍ لمدة ستة أعوامٍ بشكل مفاجئ؟ وما إلى ذلك من الإدعاءات.

  

 

إن غالبية الأشخاص الذين قد نعتبرهم منطقيين ومسؤولين -بما فيهم أنا- سوف يرفضون هذه المزاعم عن طريق الضحك على عبثية الفرضية، على الرغم من وجود ردود جادة وموثّقة من قبل وكالة ناسا ضد هذه المزاعم. ومع ذلك، إذا سألت نفسي ما هي الأدلة التي يستند إليها اعتقادي بأن الهبوط على سطح القمر قد حدث، عندها يتعيّن على الاعتراف بأن أدلتي سيئة للغاية، وأنني لم أستثمر ثانية من وقتي في محاولة دحض الأدلة المضادة التي جمعها أصحاب نظرية المؤامرة. إن ما أعرفه شخصياً عن الحقائق يخلط بين ذكريات الطفولة، وأخبار التلفاز الأبيض والأسود ولإقراراً لما قاله لي والداي عن الهبوط في السنوات اللاحقة. لاتزال حقيقة أن جودة الأدلة الثانوية وغير المثبتة شخصياً لهذه الأدلة برمتها لا تجعلني أتردد في حقيقة إيماني حول هذه المسألة.

 

إن الأسباب الكامنة وراء اعتقادي بأن الهبوط على سطح القمر قد حدث تتجاوز الأدلة التي يمكنني جمعها والتحقق منها، لتصل إلى ثقتي بالولايات المتحدة؛ ففي تلك السنوات كنا نثق بأن ديمقراطية مثل الولايات المتحدة لديها سمعة جيدة مُبرَّرة عن صدقها وإخلاصها. وبدون حكم تقييمي حول موثوقية مصدر معين للمعلومات تكون هذه المعلومات -لجميع الأغراض العملية- عديمة الجدوى.

 

يجب أن يُؤخذ في الاعتبار النقلة النوعية من عصر المعلومات إلى عصر السمعة عندما نحاول حماية أنفسنا من "الأخبار المزيفة" وغيرها من تقنيات التضليل ونشر المعلومات المغلوطة الآخذة في الانتشار عبر المجتمعات المعاصرة. ما على المواطن الناضج أن يتمتّع به تأكيد صحة الأخبار، وإنما إعادة بناء مسار سمعة المعلومة في موضع السؤال وتقييم نوايا أولئك الذين قاموا بتعميمها واكتشاف برامج وخطط هذه السلطات التي أكسبتها مصداقيتها.

  

 

عندما نكون على وشك قبول أو رفض معلومات جديدة، يجب أن نسأل أنفسنا: من أين تأتي؟ هل يتمتع المصدر بسمعة جيدة؟ من هي السلطات التي تصدق ذلك؟ ما هي أسباب إذعاني وتوجهي لهذه السلطات؟ ستساعدنا هذه الأسئلة في الاتصال بالواقع بدلاً من محاولة التحقق مباشرة من موثوقية المعلومات المطروحة. في نظام متخصص في إنتاج المعرفة بإفراط، ليس من المنطقي محاولة إجراء تحقيقات من تلقاء أنفسنا؛ فمثلاً سيشكّل التأكد من صحة العلاقة المحتملة بين اللقاحات ومرض التوحد مضيعةً للوقت وربما لن تكون استنتاجاتنا دقيقةً. في عصر السمعة، لا يجب أن يتم توجيه رؤيتنا الانتقادية إلى محتوى المعلومات بل إلى الشبكة الاجتماعية التي شكّلت هذا المحتوى وأعطته "مرتبةً" مستحقةً أو غير مستحقةٍ في نظام المعرفة لدينا.

 

تشكّل هذه الكفاءات الجديدة نوعًا من نظرية المعرفة من الدرجة الثانية.إذ تُعِدّنا للتساؤل عن سمعة مصدر المعلومات وتقييمه، وهو أمر ينبغي على الفلاسفة والمدرسين أن يصوغوه للأجيال القادمة. وفقاً لكتاب فريدريش هايك "القانون والتشريع والحرية" الذي صدر عام 1973: "ترتكز الحضارة على حقيقة أننا جميعنا نستفيد من المعرفة التي لا نمتلكها". سيكون عالم الانترنت متحضّراً إذا عرف فيه الناس كيفية تقييم سمعة مصادر المعلومات بعين ناقدة، ويمكنهم تعزيز معرفتهم من خلال تعلّم كيفية قياس "الرتبة" الاجتماعية لكل معلومة من المعلومات التي تدخل مجال معرفتهم.

 _________________________________

 

مترجم عن "أيون"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار