انضم إلينا
اغلاق
ادفع طفلك للشعور بالذنب.. هذا يجعله مسؤولا

ادفع طفلك للشعور بالذنب.. هذا يجعله مسؤولا

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
كم مرة انتابك شعور بالأسى والذنب تجاه العديد من الأمور في عالمك الصغير؟  وكم يؤثر الذنب فينا إن لاقى ضميرًا مُفعمًا بالأخلاق؟ أيأخذنا إلى ناصية الإصلاح وعدم تكرار الأخطاء؟ أم إلى تعاطُفٍ يتجاوز الخطأ ثم ما يلبث أن يُكرّره؟ هذا ما نستعرضه ونطلع عليه في تقريرنا.      

 

نص التقرير
منذ بضع سنوات، شرع باحثون في ألمانيا في دراسة الضمائر الأخلاقية لدى الأطفال الصغار. دعوا مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و3 سنوات للعب بالكرات الزجاجية الصغيرة في المختبر. على مقربة من المسار المستخدَم في اللعب، كان هناك برج من المكعبات ادعت إحدى الباحثات أنها بذلت جهدًا كبيرًا في بنائه. وقبل أن تدير ظهرها، طلبت منهم عدم هدمه.

 

ولكن الذي لم يتم إبرازه أو إظهاره للأطفال أن نتائج اللعبة تم التلاعب بها مسبقًا، بحيث تتسبب إحدى الكرات الزجاجية الصغيرة بعد بضعة أشواط، في هدم أجزاء من البرج، لتستجيب الباحثة لذلك بما وصفه البحث النهائي بأنها نبرة "حزينة نوعًا ما"، معبرةً عن اندهاشها ثم التساؤل عما حدث.

 

في بعض نسخ التجربة، بدا أن اللوم يقع على الطفل، وفي حالات أخرى، قام شخص بالغ كان يساعد في التجربة بهدم البرج. وقد كشفت ردود أفعال الأطفال عن مدى تقدم التطور الاجتماعي العاطفي خلال هذه السنوات الهامة. ففي حين بدا العديد من الأطفال في سن الثانية متعاطفين مع محنة الباحث، لكن الأطفال في سن 3 سنوات تجاوزوا مجرد التعاطف. فعندما اعتقدوا أنهم هم من تسببوا في الحادث، كانوا أكثر تعبيرًا عن أسفهم من الأطفال في عمر السنتين وأكثر محاولةً لإصلاح البرج. وبعبارة أخرى، اختلف سلوك الأطفال في سن 3 سنوات اعتمادًا على شعورهم بالمسؤولية تجاه الحادث، وكأن السن اتخذ مسارًا مؤثرًا في وضع الشعور بالذنب لدى الأطفال المشاركين في التجرُبة، مهما كانت درجة ضآلته أو مدته.  

   

بعض الأطفال الذين يعانون من ضعف التعاطف قد يعوضون هذا النقص من خلال المزيد من الشعور بالذنب

مواقع التواصل 
 

وتبين أعمالهم، وفقًا لأمريشا فايش، باحثة علم النفس بجامعة فيرجينيا التي قادت الدراسة، "بدايات الشعور بالذنب الحقيقي والضمير الحقيقي". فايش هي واحدة من العلماء الذين يدرسون كيف ومتى ولماذا يظهر الشعور بالذنب عند الأطفال. فعلى العكس مما يسمى بالعواطف الأساسية مثل الحزن والخوف والغضب، يظهر الشعور بالذنب بعد ذلك بقليل، مرافقًا لفهم الطفل المتزايد للمعايير الاجتماعية و القيم الأخلاقية. لا يُولَد الأطفال وهم يعرفون كيف يقولون "أنا آسف"؛ بدلًا من ذلك، يتعلمون مع مرور الوقت أن مثل هذه التصريحات تهدئ الآباء والأصدقاء -وضمائرهم أيضًا. ولهذا السبب، ينظر الباحثون عمومًا إلى ما يُسمَى بالشعور بالذنب الأخلاقي، بالقدر المناسب، على أنه شيء جيد: فالطفل الذي يُقر يمسؤوليته عن هدم البرج ويحاول إعادة بنائه، ينخرط في سلوكٍ اجتماعيّ، وليس تعويضيًا وحسب، أي أنه تحول من ميدان لميدان آخر مُختلِف بالكُلية، ميدان تتكون فيه قيم جديدة ترتكز في منظومته المعيارية الأخلاقية والأخلاقية. 

 

في الخيال الشعبي، بطبيعة الحال، لا يزال الشعور بالذنب ذو سمعة سيئة. إنه يستحضر أفكار فرويد والشعارات الدينية. والأهم من ذلك، أن الشعور بالذنب غير مريح للغاية -إنه وكأنه المعادل العاطفي لارتداء سُترةٍ مثقلةً بالحجارة. من سيتسبب في إلحاق هذا الشعور بنفسية طفل؟، إلا أن هذا الفهم عفا عليه الزمن. تقول فايش: "هناك نوع من الإحياء أو إعادة التفكير في ماهية الشعور بالذنب، وما هو الدور الذي يمكن أن يؤديه الشعور بالذنب"، مضيفةً أن هذا الإحياء هو جزء من إدراك أكبر بأن العواطف ليست ثنائية -فالمشاعر التي قد تكون مفيدة في سياقٍ ما قد تكون ضارة في سياقٍ آخر. قد تنبهنا مشاعر مثل الغيرة والغضب، على سبيل المثال، إلى انعدام المساواة. بينما قد تكون الكثير من السعادة (إلى حد الهوس) مدمرة، أي أنها معيارية خاضعةً للقياس والظرف.

 

يمكن للشعور بالذنب، من خلال حثنا على التفكير بعمق أكبر في صلاحنا، أن يشجع البشر على التكفير عن الأخطاء وإصلاح العلاقات. بعبارةٍ أخرى، يمكن أن يساعد الشعور بالذنب على إبقاء الأنواع التعاونية من الكائنات معًا. إنه نوع من الرابط الاجتماعي.

 

الشعور بالذنب: فرصة إحياء شُعورية أُخرى؟

في ضوء هذا، يمكن اعتبار الشعور بالذنب فرصة. تشير أعمال تينا مالتي، أستاذة علم النفس بجامعة تورنتو، إلى أن الشعور بالذنب قد يعوض عن النقص العاطفي.

 

ففي عدد من الدراسات، أظهرت مالتي وآخرون أن الشعور بالذنب والتعاطف قد يمثلان مساراتٍ مختلفة للتعاون والمشاركة. بعض الأطفال الذين يعانون من ضعف التعاطف قد يعوضون هذا النقص من خلال المزيد من الشعور بالذنب، الأمر الذي قد يؤدي إلى كبح نزعاتهم الأكثر شرًا. والعكس صحيح: التعاطف المرتفع يمكن أن يحل محل انخفاض الشعور بالذنب.

  

 

فقد أجرت مالتي وزميل لها دراسة عام 2014، على سبيل المثال، ضمت 244 طفلًا ، أعمارهم 4 و8 سنوات و12 عامًا. بالاستعانة بتقييم مقدمي الرعاية والملاحظات الذاتية للأطفال، قيّموا مستوى التعاطف الكلي لكل طفل وميله إلى الشعور بالعواطف السلبية (مثل الشعور بالذنب والحزن) بعد التجاوزات الأخلاقية.

 

ثم أعقب ذلك تسليم الأطفال بعض الملصقات والقطع النقدية المصنوعة من الشوكولاتة، ومنحهم فرصة لمشاركتها مع طفل مجهول. بالنسبة للأطفال ذوي التعاطف المنخفض، يبدو أن مقدار ما شاركوه يتناسب مع شعورهم بالذنب. شاركت المجموعة الأكثر شعورًا بالذنب المزيد مما امتلكته، على الرغم من أنها لم تتعاطف بطريقةٍ سحرية مع حرمان الطفل الآخر.

تقول مالتي: "هذه أخبار جيدة. يمكننا أن نكون اجتماعيين بسبب نزعة التعاطف لدينا، أو لأننا تسببنا في الضرر ونشعر بالأسف".

 

تصف مالتي الذنب بأنه شعور موجه نحو الذات، يُستحثّ داخل المرء عند التصرف بطريقةٍ لا تتوافق مع الضمير. التعاطف والتقمص العاطفي (أو المشاركة الوجدانية) هما شعوران موجهان نحو الآخر. الطفلة التي لم تشعر بالسوء حيال زميلها الذي سرقت منه سيارته اللعبة قد تشعر على أي حال بعدم الارتياح تجاه فكرة أن تكون سارقة، ومن ثم تعيد اللعبة. بعبارة أخرى يمكننا القول أن الشعور بالذنب قد يصاحبه شعور بالتعاطف، إلا أن ذلك ليس حتميًا. والأمر سيان بالنسبة لمالتي أي الطريقين يسلكه الأطفال طالما عاملوا بعضهم البعض بالحسنى.

  

 

هذه فكرةٌ مثيرةٌ ومستفزةٌ  في آن واحد، وتأتي تمامًا في الوقت الذي بلغ فيه الأهل والمعلمون حد الوله بالمشاركة الوجدانية والتقمص العاطفي، إذ أصبحت مقدرة الطفل على وضع نفسه مكان الآخر هي  ذروة سنام الخير. يشجع الآباء أطفالهم على التفكير في كيفية شعور أقرانهم عندما لا يشاركونهم ألعابهم. ويحث مدرسو الحضانة الأطفال على معاملة الآخرين كأصدقاء، مشيرين إلى أن السلوك الجيد في الحقيقة ينطوي على الشعور بالغير. وتؤسس المدارس الإبتدائية مناهج منع التنمر استنادًا إلى مفاهيم مثل الغيرية، والإيثار مثل الحب والعطف.

 

تقول مالتي إنه عندما يتعلق الأمر بمساعدة الأطفال في إدارة علاقاتهم وكبح عدوانيتهم "تركز المدارس والمناهج بأكملها بشكلٍ شبه حصري على تعزيز التقمص العاطفي. بالتأكيد أعتقد أنه من المهم جدًا تنمية التعاطف لكني أرى أن تعزيز الإحساس بالذنب له نفس الأهمية".

 

إن كنت لازلت تجد فكرة دفع طفلك للإحساس بالذنب فكرة بغيضة، خذ في حسبانك أننا نتكلم عن نوع محدد جدًا من الذنب. بالتأكيد لا نتحدث عن إخبار طفلتك بأن عصيانها لأوامرك يعني انعدام قيمتها أو غخبارها بمدى الألم الذي شعرت به حين ولادتها. ولا يعني هذا الضغط على أبنائك وبناتك للإسراع في الإنجاب قبل وفاتك. بعبارة أخرى نحن لا نتحدث عن رحلة الذنب الخاصة بجدتك.

  

 يشجع الآباء أطفالهم على التفكير في كيفية شعور أقرانهم عندما لا يشاركونهم ألعابهم

مواقع التواصل 
 

لا تريد لطفلك أن يشعر بالسوء لما هو عليه (يسمى هذا بالخزي)، أو أنها مسؤولة عن أشياء خارج سيطرتها (وهو ما قد يودي بها إلى الإحساس بالذنب العصابي، أو عدم القدرة على التكيف مع المجتمع؛ انظر إلى الأطفال الذين يشعرون بالذنب لطلاق والديهم). تشير مالتي إلى أن سن الطفل وميوله ونزعاته هي عوامل مهمة يجب أخذها في الاعتبار؛ بعضهم قد يكون ذا مزاج يدفعه سريعًا للإحساس بالذنب وهذا النوع يتطلب ضغطًا أقل. المراد هو تشجيع الخيرية والمرونة على حد سواء. كلنا نخطئ، وفي الوضع المثالي نستخدم هذه الأخطاء لحث أنفسنا باتجاه سلوك أفضل.

 

الطريقة المناسبة لإشعار طفلتك بالذنب هي عبر الربط بين أفعالها ونتائجها ــ دون الإشارة إلى أي سوء أو خطأ فيها ـــ والتركيز على أفضل الطرق لإصلاح الضرر الذي أحدثته. يستحث هذا الأسلوب الشعور بالذنب والتعاطف بضربة واحدة أو ما يسميه مارتن هوفمان "التقمص العاطفي المبني على الذنب"، ومارتن هوفمان هو أستاذ متفرغ بجامعة نيويورك عُرِف بعمله الطويل والمستفيض حول التقمص العاطفي. قد تكون بالفعل تستحث طفلتك على الشعور بالذنب (بطريقة صحية) دون أن تدرك ذلك. على سبيل المثال حين تقول لها "انظر، أخوك يبكي لأنك ألقيت لعبته في دورة المياه" على أمل أن ترغب الطفلة في التعويض عن فعلتها ثم يمكن والدتها مساعدتها على التفكير في كيفية فعل ذلك.

 

يظهر بحث أجراه رينيه باتريك، أستاذ علم النفس بجامعة تامبا، أنه من المهم للآباء التعبير عن أنفسهم بطريقةِ حميمية ومحبة: الوالد الذي يظهر بمظهر الرفض أو الغضب قد يستحث القلق في طفله ولن يساعده ذلك في تشجيع السلوك الجيد. ويظهر عمل باتريك أيضًا أن الأطفال الذين اعتاد آبائهم على استخدام استراتيجيات مخصصة للحث على "التقمص العاطفي المبني على الذنب". كانوا أكثر ميلًا خلال سنوات المراهقة على اعتبار مفاهيم أخلاقية مثل الإنصاف والأمانة مفاهيمَ مركزية في نظرتهم وإحساسهم بذواتهم. (إحدى التقنيات المرتبطة بهذا الأمر والتي أثبتت فاعليتها لدى المراهقين تضم ما يسميه باتريك "التعبير الأبوي عن التوقعات المخذولة". ــ وهي بنفس السوء التي تبدو عليه). 

     

 

تقول جوان غروسيك، العالمة النفسية والباحثة في الأمومة ونمو الأطفال، وزميلة مالتي في جامعة تورنتو، إنه من المهم جعل جزء "ما الذي يمكنك فعله بشأن هذا الأمر" على شكل نقاش بين الوالد والطفل بدلًا من تحويله إلى خطبة وعظية.  كما أن إجبار الطفلة على التصرف بطريقةٍ أخلاقية قد يمنعها من استبطان الدرس الذي تحاول تعليمها إياه واستيعابه. وقالت إن مثل هذا الحوار يثمر نتائج أفضل "إن خيض بعض أن يهدأ الجميع" بدلًا من أن يكون في ذروة الغضب والخلاف. وأشارت إلى بحث عن ما يسميه الأكاديميون بـ "التذكر أو اجترار الماضي"، يرى أن مناقشة الواقعة بعد انتهائها قد يساعد الطفل بشكل أفضل على فهم الخطأ الذي ارتكبه.

 

بالطبع بإمكاننا جميعًا أن نستفيد من معرفة متى يجب الشعور بالذنب وما الذي يجب فعله إزاء ذلك. قد ينصب تركيز بحث مالتي على الأطفال لكن الشعور بالذنب شعور جوهري لدى الإنسان، وحتمي على البشر في كل الفئات العمرية. وتعتقد أنه قد يكون مفيدًا بشكل خاص في هذه الآونة التي يزداد العالم فيها انقسامًا وتشظيًا.

 

ترى مالتي أن الشعور بالذنب لديه القدرة على لم شملنا، ليس رغم أنه مُنصّب على الذات، بل لهذا السبب تحديدًا. هذا اقتراح جذري. ماذا إن كان السر المعاملة الحسنة لبعضنا البعض ليس في أن نتجنب التفكير في أنفسنا، بل أن نفعل ذلك أكثر؟

---------------------------------------------------------------------------------------------------

 

مترجم عن (ذا أتلانتيك)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار