انضم إلينا
اغلاق
التناقض بين أفكارك وأفعالك مصدر إبداع لا ينقطع

التناقض بين أفكارك وأفعالك مصدر إبداع لا ينقطع

  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

 تناقضاتٌ.. تناقضاتٌ.. تناقضات، قد تتردد هذه الكلمة في رأسك لثوانٍ، لساعات، وحتى لأيامٍ؛ حيث تلتف في دوامة لا بداية لها ولا نهاية، معتصرةً عقلك ووجدانك. تحاول الإجابة على هذه التناقضات وإيجاد حل لها، كثيراً ما تنكرها فيأتي من يشير إليها ليعيد زعزعة ذاتك ويعيدك للسؤال من جديد حول هذه التناقضات وكأن من أشار بها قديساً غير بشري لا تناقضات له. في عبارة أخرى، أنت لست لوحدك من يعيش في دوامة التناقضات. 

    

نص التقرير

هل سبق لك أن تساءلت عن عدد الأفكار المتناقضة التي تراودك خلال اليوم الواحد؟ كم مرة تناقضت أفكارك مع أفعالك؟ كم مرة تعارضت مشاعرك مع مبادئك ومعتقداتك فغلب أحدهما الآخر؟ في معظم الأوقات، لا نرى تناقضاتنا الخاصة فغالباً ما يكون من الأسهل ملاحظة أوجه التضارب لدى الآخرين. لكنك مليء بالتناقضات بقدر ما أنا كذلك، نحن البشر مصنوعون من التناقضات، نعيش مع ذاتنا المتناقضة أحياناً بسلام وأحياناً أخرى بألم. كان الشاعر والت وايتمان محقاً في أبيات قصيدته "أغنية نفسي" Song of Myself التي كتبها عام 1855:

أتراني أناقض نفسي؟

حسناً، أُقرّ أني أناقض نفسي

(أنا شاسع، وفي داخلي ذوات كثيرة)

     

لأعطيك أمثلة تظهر جانباً من هذه التناقضات، فكر في شرائك للأجهزة التكنولوجية بينما تعارض عمالة الأطفال (هنالك عمالة أطفال في صناعة الأجهزة الإلكترونية وغالباً ما يكون ذلك بعملهم في المناجم لاستخراج المعادن اللازمة) وتعارض تفاقم مشكلة النفايات البيئية؛ أو فكر بالتناقض الذي تعيشه عندما تدين السرقة وتقوم بتنزيل الملفات الموسيقية والأفلام بشكل غير قانوني؛ فكر في أولئك الذين يرغبون في احترام حياتهم الخاصة (وعدم التدخل بها) واللحظة التي تليها ينشرون صورهم الشخصية على الفيسبوك؛ أو فكر في مناصري حماية البيئة الذي يستقلون الطائرات باستمرار؛ أو في أولئك التجار جامعي الأموال الذين يهتمون بالفقراء؛ أو الكهنة الواعظين الذين فقدوا إيمانهم. يتذكر سيباستيان ماروكين والده وهو يغني التهويدات بينما كان يغطّ في النوم، وكان والده زعيم المخدرات بابلو أسكوبار أعظم قاتل في التاريخ الكولومبي. في نهاية الأمر، قد يكون عيش حياة متناقضة عبارة عن سمة إنسانية في عمقها.

       

   

تجادل المؤرخة الأمريكية جوان والاش سكوت بأن ما يميز المفكر الناقد هو القدرة على "الإشارة إلى التناقضات"، ولكن المفكرين الناقدين لا يفلتون من براثن التناقض أيضاً. في كتاب "عبقرية الأكاذيب" Le génie du mensonge، يقوم الفيلسوف الفرنسي فرانسوا نوديلمان بتصوير ميشيل فوكو -فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين- وهو يستحضر "شجاعة الحقيقة" بينما يخفي مرضه،  كما وصوّر كتاب جان بول سارتر-هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي كاتب سيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي- "نقد العقل الجدلي" وهو يلعب دوراً غامضاً جداً في عصر فرنسا الفيشية (واستمر الحكم الفيشي في فرنسا بين 1940 و1944،حيث سقطت فرنسا بيد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية).

   

في الراهن، تقوم بعض الأوساط الأكاديمية المعولمة بعمل مربحٍ عن طريق نقد الرأسمالية. ربما تكون التناقضات عنصراً ضرورياً لتحفيز الإبداع الفكري. في حين أن معظم البشر يكافحون من أجل الحفاظ على الشعور بوحدة الذات النفسية، فإن التناقضات تنتج خللاً يزعزع الاستقرار في الذات. سواء كان ذلك بشكل واعٍ وغير واعٍ/ فإن هذه الصدوع في النفس تغذي الإلهام الإبداعي، والذي يمكن تفسيره كوسيلة لحل الصراعات الداخلية أو تصعيدها. أعتقد أنه يمكن أن يُقال ذلك عن جميع المجالات الخلّاقة؛ ربما لا يمكن للفن او الأدب أو العلم أو الفلسفة أن يكونوا ممكنين دون التناقضات الداخلية (داخل الذات) والرغبة في حلّها.

   

هل من أحد يعيش وفق المبدأ الرواقي* للفيلسوف اليوناني فلوطرخس في "اتفاق كامل بين مبادئ المرء وسلوكه"؟ كلا، لكن هذا ليس دائماً سبباً لحدوث أزمة. نحن نقسّم المعرفة وسلوكياتنا وعواطفنا عن بعضها البعض ونجزئها؛ في بعض مجالات الحياة، هنالك أفكار وسلوكيات مقبولة بينما لا تكون كذلك في مواقف أخرى.  على سبيل المثال، قد ينظر للكذب على أنه عمل بطولي عند ارتكابه لحماية ضحايا من نظام وحشي، ولكنه يكون رذيلة عند وجوده في العلاقات الشخصية. مثال آخر على ذلك هو قدرة العلماء على إنتاج بحث قائم على الأدلة في سياق حياتهم المهنية، ولكن قد تجد بعضهم يتوجّه للصلاة  والدعاء فور عودته لمنزله متوجهاً لكيان غير مرئي.

       

   

يعيش البشر بسلام مع التناقضات بسبب قدرتهم على فصل الأمور عن بعضها البعض. عندما تخرج التصريحات والأفعال والعواطف المتناقضة من صندوقها السياقي فحينها نكون بخير، ربما بشكل جيد جداً في إيجاد مسوغات لتهدئة التنافر المعرفي**. فمثلاً، عند إشارتي لصديقي 'المناصر لحماية البيئة‘  بأن التدخين مضر بالبيئة وليس بالفعل الإيكولوجي، كان رده: "أنا أعلم يا ديفيد، لكنني أدخن السجائر الملفوفة!" كما لو كانت السجائر الملفوفة أقل سمية من تلك الصناعية ولا تعتمد على الصناعة المدمرة لسوء استخدام التبغ واستغلاله، وهي الصناعة التي يدينها صديقي بالطبع!

     

التناقضات موجودة كلياً في حياتنا الذاتية، وهي ظاهرة بشكل خاص في المعتقدات القوية مثل الإيمان والأخلاق والتشدّد وما إلى ذلك. في دولتي غينيا ولاوس حيث قمت ببحثي الإثنوغرافي*** (وصف الأعراق البشرية)، يؤمن بوجود كيانات روحية يمكنها أن تحول نفسها إلى أشكال متعددة غير متوافقة، وأن لها القدرة على تحويل نفسها أنثولوجياً (لكيان موجود في الطبيعة وفقاً لفلسفة علم الوجود 'الأنطولوجيا‘) إلى حيوانات أو نباتات أو أشياء أو حتى تكون غير مرئية، وكل ذلك دون أدنى قلق للتناقض.

  

تتميز الثقافة الأميركية بالزومبي الأحياء الأموات في آنٍ واحد، والروبوتات ذات المشاعر الإنسانية للغاية. إن عقولنا مليئة بالفعل بهذه الكيانات المشربة بصفات متناقضة تتحدى "مبدأ عدم التناقض". في الواقع، يعشق البشر الكيانات ذات الخصائص غير المتوافقة؛ كما أظهر علماء نفس الإدراك أن مثل هذه التناقضات جذابة للعقل البشري بشكل خاص. تتحدى هذه التناقضات بعض التوقعات الوجودية الأساسية التي لدينا حول الحيوانات أو التحف أو الأشخاص، ونتيجةً لذلك، تتمتع بمكانة معرفية وذكريات بارزة.

     

تصبح الأمور أكثر تعقيداً عندما ينتقل المرء إلى ما وراء حدود الذات؛ يتألف التواصل البشري من مناورات خفية بين التناقضات، على سبيل المثال بين ما يقال وما يتم التعبير عنه من خلال إيماءات ونبرة الفرد ، يسعى المرء باستمرار إلى تفسير الرسائل المتناقضة للشخص الذي يتحدث معه وفك رموز السلوك غير المتسق الذي يلاحظه المرء في الحياة الاجتماعية. (يجدر الإشارة إلى أن عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي غريغوري باتيسون وزملاؤه في مجموعة بالو ألتو -لعلم النفس- في كاليفورنيا كتبوا بإفاضة عن هذه الظواهر).

    

  

هناك مواقف اجتماعية يكون فيها المرء عالقاً في أوامر زجرية أو تعاليم متناقضة، فمثلاً: عندما تأمر المعلمة طلابها بأن يكونوا "عفويين!"، فإن أسوأ السيناريوهات -التي قد تحدث جراء هذا الأمر- تنطوي على 'ربط مزدوج‘ حيث يتحكم بالأطفال مشاعر متناقضة بين أمر المعلمة وأوامر والداهم.  من ناحية أخرى، هناك سياقات غير مرضية كما وصفها علماء الأنثروبولوجيا، مثل الطقوس التي يتم فيها تبني السلوكيات المتناقضة وتقديرها كأسلوب للاتصال والتواصل. خذ مثالاً على ذلك طقوس (شعائر) يهودية قديمة يتم القيام بها عند حدوث الحيض الأول للفتاة؛ اعتاد الأمهات اليهوديات في أوروبا الشرقية في الماضي على صفع بناتهن عند حدوث أول حيض لبناتهن، وفي الوقت ذاته يهتفن "مازال توف (تهانينا)". في هذا المشهد تجد الطبيعة المتناقضة للرسائل حيث أنها تشكّل أشاساص لأحد الطقوس وكونا ضرورياً لنجاعة هذا الطقس.

  

استناداً إلى الشاعر جون كيتس، يقوم المحلل النفسي آدم فيليبس في كتابه "وعود، وعود" -الذي صدر عام 2000- بوصف ثلاث قدرات سلبية يحتاجها الإنسان لينمو وينضج: تجربة كونه مصدر إزعاج وتجربة الضياع وتجربة أن يكون عاجزاً بلا حول ولا قوة. وأود أن أضيف على هذه القدرات الثلاث: القدرة على اكتشاف تناقضاتنا وتقبّلها حتى لو حاولنا في بعض الأحيان التخلّص منها.

 

الهوامش:

* المبدأ الرواقي هو مبدأ فلسفي ينص على "أن العالم كلٌّ عضويّ، تتخلله قوة الله الفاعلة، وإن رأس الحكمة معرفة هذا الكل، مع التأكيد أن الإنسان لا يستطيع أن يلتمس هذه المعرفة، إلاّ إذا كبح جماح عواطفه وتحرر من الانفعال".

** التنافر المعرفي هو مصطلح يستخدم في علم النفس ليعبر عن حالة من التوتر أو الإجهاد العقلي أو عدم الراحة التي يعاني منها الفرد الذي يحمل اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في نفس الوقت، أو يقوم بسلوك يتعارض مع معتقداته وأفكاره وقيمه، أو يواجَه بمعلومات جديدة تتعارض مع المعتقدات والأفكار والقيم الموجودة لديه.

*** الإثنوغرافي هو عمل ميداني تطبيقي لوصف الأعراق البشرية وأحوال الناس.

    

---------------------------------

مترجم عن (أيون)

آخر الأخبار