انضم إلينا
اغلاق
التقلب الحاد بين الاكتئاب والفرح مؤشر لاصابتك بثنائي القطب

التقلب الحاد بين الاكتئاب والفرح مؤشر لاصابتك بثنائي القطب

  • ض
  • ض
"يوم مشمس رائع، استيقظ لنحتفل!" هكذا قالتها أم سالم بحماس، بيوم من المفترض أن يحتفل فيه سالم بعيد ميلاد أخته الصغرى التي أتمت العام. الأسبوع الماضي كان متحمسًا جدًا لحد جاوز الغرابة، فقد اشترى لها عشر هدايا بالرغم من قلة ماله، إلا أن ما يثير الغرابة بشدة، هو أنه حينما استيقظ ذلك اليوم، اكتشف أن الهدايا لا تناسب عمرها. الآن يشعر سالم بتعاسة شديدة، أمه تحاول تهدئته قائلة: "يمكن لسمر أن تلعب بهم عندما تكبر، هيا قم من السرير." لا أمل! سالم لا يجد القوة أو الحافز ليغادر سريره.

          

ما حدث لسالم لم يكن تقلب مزاج طبيعي.  حيث يعاني سالم من "اضطراب ثنائي القطب" وهو حالة انتقال من نوبات هوس "Mania"  لنوبات اكتئاب. دعنا نوضح الصورة أكثر، نحن نمر بحالة تهبط فيها طاقتنا، وتسيطر حينها مشاعر الملل على أحاسيسنا، لنفقد حينها الرغبة بالاستمرار على ذات الروتينية التي كانت تحكم حياتنا. كذلك الحال حين الفرح، تتسلل المشاعر نحونا غامرةً إيانا بطاقة ونشاط كبيرين، لننفعل فرحا. هذا لا يعني أننا مصابون باضطراب نفسي. يبدو مشهد سالم في الظاهر قريبا من حالة التقلب التي يمر به الشخص العادي، لكن، وبنظرة أدق، فإننا سنتمكن من الفروقات الجوهرية بينهما. هنا، نسلط الضوء على ملامح هذا المرض لنمتلك الأدوات التي تتيح لنا التعرف على أعراضه بدقة.

    

تختلف حالة تقلب مزاجنا العادي واضطراب ثنائي القطب، حيث أن "اضطراب ثنائي القطب، المعروف أيضا باسم اضطراب الهوس الاكتئابي؛ هو اضطراب في الدماغ يسبب تحولات غير عادية في المزاج والطاقة ومستويات النشاط، والقدرة على تنفيذ المهام اليومية.(1) " إذ يعاني المصابون به من نوبات هوس ونوبات اكتئاب، قد تستمر لفترات طويلة. تتسم نوبات الهوس بارتفاع في منسوب الطاقة ليشعر الشخص المصاب حينها بالعظمة، على عكس نوبات الاكتئاب، التي تصيبه بالخمول وكره الذات هناك نوبات مختلطة، تمزج بين التقلبين.

      

   

وفي مقابلة لميدان مع  الدكتور عبد الحميد عفانة أستشاري العلاج النفسي في مؤسسة حمد الطبية في قطر، والرئيس السابق للمجلس الدولي لتأهيل ضحايا التعذيب  فإنه قدم هذا الاضطراب(2) باعتباره : "ثنائي القطب هو عبارة عن اضطراب شائع، وغالبًا ما يعيش المصابين به حياة جيدة ويحققون أهدافهم دون أن يكون عقبة في طريقهم. لا يوجد سبب محدد لاضطراب لثنائي القطب وكذلك لجميع الاضطرابات النفسية لكن هناك عوامل مهيئة لحدوث الاضطراب مثل افتقار الشخص القدرة على مواجهة التحديات وتحليل المواقف ومهارات التعامل. هناك عوامل مساعدة مثل التعرض للصدمات وضغوطات الحياة والمواقف المؤلمة. وهناك طرق للتعامل مع كل هذه العوامل." وأضاف عفانة (صاحب قائمة الدراسات النفسية الأكثر تداولاً حسب موقع (ريسيرش جيت) (3): "الصحة النفسية أعم وأشمل من كلمة مرض والعلاج النفسي هو عملية مستمرة لتحقيق التوازن والتحكم بالمشاعر الداخلية والمواقف التي يمر فيها الشخص ليصل للسعادة ويحقق أهدافه".
     

ناجحون تحدوا الاضطراب

"لم أتخيل أن أرى الحزن و الجنون في عيني نفسهما" هكذا وصفت كاي ردفيلد جاميسون النوبات التي كانت تصيبها في كتابها "عقل غير هادئ" (4) وقالت: " المزاج المعتدل عند الناس الأصحاء من المسلمات" إلا أن أي شخص معرض لاضطرابات المزاج. كانت جاميسون تعاين المرضى، ترى الحزن في عيونهم، ولم تتخيل أن تمر بما يمرون به، وقد بدى ذلك في تنويهها مرة أخرى عندما قالت "لو قلتم لي في تلك الأيام التي بدت بسيطة.....أنني سوف أكون مضطربة كنت سأضحك كثيرا بكل تأكيد"  وتروي جاميسون في كتابها، قصة عن ظنها أنها تفهم مشاكل طالبها الأعمى. لم تدرك مدى صعوبة الحياة بدون نعمة البصر إلا بعد أن غير مكان الدرس الخصوصي إلى المكتبة، دخلت المكتبة وكانت مظلمة تماما" شعرت بدايةً بالرهبة. "لا أحد يستطيع تخيل ما يشعر به الشخص الآخر تماما"، تقول جاميسون التي اختارتها مجلة"تايم" الأميركية "بطلة في حقل الطب" في النهاية المهم هو أن نكون متعاطفين حتى لو لم نستطع فهم الموضوع كليًا.

  

جاميسون ليست الوحيدة التي شاركت معانتها، وشرحة الكيفية التي تعاملت بها مع الاضطراب. هناك أشخاص كثر تخطوا تحدي الاضطراب، كالمغنية ديمي لفاتو "demi Lovato"  التي نجحت في تحديها وشاركت تجربتها مع جمهورها من خلال مقابلاتها،  وعبر فلم وثائقي على اليوتيوبز (5) تتحدث فيه عن تكيفها مع الاضطراب وكيف تمكنت مع تغيير نمط حياتها المتسارع، أن تسعى لحياة هادئة ومريحة، حيث اهتمت بصحتها. من حسن حظهم أنهم ولدوا في وقت يوجد فيه علاجات ناجحة على عكس فان جوخ الذي لم يكن هناك علاجات ناجحة في وقته وأنهى حياته.

        

     

أما في وقتنا الحالي هناك أمل للجميع، وهناك علاجات ناجحة لثنائي القطب؛ إلا أن الصعوبة تكمن في تشخيص ثنائي القطب، ومن هنا تكمن أهمية المعرفة بأعراضه. فقد يأتي شخص مصاب بأعراض اكتئاب ولم تصل نوبات الهوس عنده إلى درجة سيئة جدًا "الذروة" فلا يشعر بأنها عرض مرضي، وبالتالي لا يخبر طبيبه، فيتم تشخيصه بالاكتئاب وهو ما يحصل لدى 69% من الحالات تقريبا. والتشخيص الخاطئ هو العامل الرئيس لتلقي العلاج الخاظئ، وعليه فإننا ندور في دائرة مفرغة، لا تقدم في العلاج!

   

وليتم التشخيص المناسب، يلاحظ الطبيب أعراض نوبات الهوس التي تختلف من شخص لآخر. منها التحدث بسرعة عن مواضيع غير مترابطة، تزاحم بالأفكار وعدم القدرة على النوم، والشعور بأنه سيغير العالم. شراء أشياء بشكل غير منطقي، مما قد يؤدي إلى دخوله في أزمة مالية. التصرفات في نوبة الهوس غير متزنة، وهناك أعراض كثيرة يمكن الانتباه لها، وهذا التشخيص بمقدوره أن ينفي عنهم تهمة شعبية قد تطالهم باعتبارهم ممسوسين من الجن. في المقابل، ثمة أعراض غريبة، فقد يتمكن المصاب بالاضطراب من حل مسائل فيزيائية لا يتمكن من حلها في الوضع الطبيبعي.

   

 ثمة حالات مختلطة أيضا في الاضطراب، فعندما يمتزج الهوس بالاكتئاب في ذات التوقيت، فإنه يُشعر المرضى بتدفق هائل من الطاقة إلى جانب ارتفاع منسوب الشعور بالحزن واليأس، وتزاحم الأفكار بصورة مربكة.

       

نصائح علاجية      

    

نمط الحياة من الرياضة والأكل الصحي والحصول على عدد ساعات نوم كافية مهم للمصابين بالاضطراب. فالرياضة مهمة جدًا في حالة الاكتئاب لأنها تفرز هرمون السعادة "Dopamine"(7) الذي يساعد على خفض التوتر وكذالك الأكل الصحي المتوازن مهم أيضًا لكثير من الأسباب مثل أن المعظم يشعرون بالانزعاج عندما يصبح عندهم سمنة.  أما الحصول على القدر الكافي من النوم فهو غاية في الأهمية لأن النوم يريح الدماغ ويؤثر على المزاج فعندما ننام عدد ساعات قليلة يتعكر مزاجنا حتى لو لم نكن نعاني من أي شيء. هناك الكثير من الكلام المغلوط حول علاج ثنائي القطب. فهو ليس مَس من الجن ولا يعالج بالسحر! ولا يعني أن الشخص "مجنون".  

   

كثيرا ما تربط الأمراض النفسية بالبعد عن الدين، فلماذا لا يقال عندما تكسر رجلك هل تقرأ القرآن عليها أم تجبرها ؟ الانكسارات النفسية أشد وطأة وأصعب علاجًا. ومما أثبت نجاحه فهو العلاج المكون من جزأين: جلسات العلاج النفسية عند طبيب أو أخصائي، والأدوية التي هي مجال الطبيب فقط وأصبحت أكثر أمنًا وفاعلية. إضافة إلى ذلك يحتاج الشخص الدعم من الأصدقاء و العائلة وهو ما يمكن أن يغير حياة الشخص 180 درجة.

       

في الوقت الحالي زادت شعبية العلاج السلوكي المعرفي بشكل كبير لسبب بسيط هو أنه له تأثير إيجابي على نفسية مراجعين الأخصائيين. فالجلسات العلاجية عند الأخصائيين النفسيين لم تعد كالماضي فلا يذهب الشخص الآن للأخصائي ليتحدث عن حياته وطفولته بشكل عام وهو أمر لا يحبذه كثيرون، بل أصبح هناك آلية لمعالجة المشاكل التي يعاني منها أي شخص، سواءٌ كان مصاب باضطراب أو كان يعاني من مشاكل أخرى. يساعد الأخصائي الشخص عن طريق "العلاج السلوكي المعرفي" الذي يركز على فكرة أن أفكارنا تتحول إلى مشاعر.
        

  

 كما ذكر ديفيد برونز في كتابه "شعور أفضل" (8): "غالبًا ما تكون مشاعرنا لها تأثير على مشاعرنا أكثر من تأثير ما يمر علينا في حياتنا" كتطبيق على الواقع، نصف الموقف أولا: زهرة تعتقد أنها لا يوجد عندها وقت لتحضير الطعام لأسرتها، الفكرة المباشرة التي تخطر على بالها هو أنها فاشلة ولا تستطيع مواجهت التحديات التي تمر بها و تتحول أفكارها لمشاعر الحزن واليأس. ثم تدون هذا الموقف والمشاعر، وتتعامل مع هذه الأفكار وتقيمها ما إذا كانت مجرد افتراضات وتعميمات غير واقعية وترد عليها ردود منطقية مثل، الأمر خارج عن ارادتها لأن ظروفها لا تسمح بذلك. وتقوم بمعالجة جميع المواقف والأفكار حتى لا "تتكوم" وتصبح تفكر بها طوال الوقت.

    

تتنوع العلاجات الآن لتناسب كل حالة أما في الماضي، خلال فترة حياة فان جوخ مثلا، فإنه لم يتوفر له العلاج المناسب. فعندما تتأمل لوحاته المبهجة والتي تعد من أثمن اللوحات عالميًا، تتذكر أنه يمكن تحويل مأساة العابرة إلى لوحات خالدة. يذكرنا هذا بأن ثنائي القطب لا يعني أن الشخص غير مبدع وفاشل الإصابة بأي اضطراب تعني أن على الشخص مراجعة أخصائي والاهتمام بصحته النفسية. كل شيء يعوض، لكن الصحة لا تعوض.

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


آخر الأخبار