انضم إلينا
اغلاق
نفسيتك تدمر نجاحاتك.. نصائح تجعلك تتوقف عن ذلك

نفسيتك تدمر نجاحاتك.. نصائح تجعلك تتوقف عن ذلك

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
إن الحياة مليئة بالتحدّيات. قد نكون في قمة الهرم بين جميع المخلوقات الحيّة، لكن كلمة الإنسان غالبا ما تُستخدم مرادفا لكلمة فانٍ، وخطّاء، ومهمل. قد تكون أكبر عقبة في طريقنا هي طبيعتنا نفسها، ففي حين أننا يجب أن نتصرّف بناء على رؤية العالم كما هو، فإننا عوضا عن ذلك عادة ما نقوم بإسقاط وجهات نظرنا ومشاعرنا الخاصة عليه، مهما كانت محدودة أو منحرفة. بالطبع، إذا كنا نولي اهتماما بمعنى تجاربنا أو نعيش طويلا بما فيه الكفاية (أو كليهما)، سوف يتعلّم معظمنا درسا أو اثنين للتغلّب على بعض عيوبنا الموروثة والمكتسبة على حد سواء. في هذا السياق، نقدّم بعض النصائح للعيش بشكل أكثر نجاحا مبنية على حقائق نفسية عميقة.

  

ليس كل ما يحدث لك يتمركز حولك

نحن جميعا الشخصية الرئيسية في قصة حياتنا، وكل شيء في العالم ليس سوى خلفية لها: حين يتقلّب مزاج شريك حياتك، أو ترتفع القيمة السوقية لشركتك، أو تعلق في أزمة مرور، من الطبيعي أن ترى كل ذلك من خلال كيفية تأثيره عليك شخصيا. هذا الإحساس الملتوي بالواقع له اسم: إنه "التحيز الأناني".

    

يقول علماء النفس الاجتماعي إن ميلنا إلى المنظور الأناني هذا للأشياء متأصل فينا بعمق لأنه يساعدنا في الحفاظ على سرد متماسك للأحداث في حياتنا. فكلما ملنا إلى شخصنة تجاربنا الشخصية، أصبحت أكثر معنى بالنسبة لنا، وفقط الذكريات ذات المعنى تبقى في أدمغتنا على المدى الطويل. هذه الذكريات هي كل ما لدينا وهي كل ما نحن عليه؛ أي إنها أساس هويتنا.

    

  

لكنه من الضروري أن ندرك طبيعة التحيز الأناني ونفهم حقيقته على أنه "وهم متكيف". بالتأكيد سوف يأتي يوم مديرك في العمل وسوف بالكاد يقر بوجودك. أو أنت لن تحصل على الوظيفة التي كنت تعتقد أنها مضمونة وفي جيبك. سوف تأخذ ذلك على أنه إهانة شخصية وتشعر بالدهشة، وربما الغضب. سوف تتراجع إلى عالم عاطفي خاص بك لتضميد جراحك المتخيّلة، وربما حتى فعل شيء ما بناء عليها. على أقل تقدير، يؤدي التحيز الأناني إلى إساءة فهم الآخرين ويضعف التعاطف والتسامح. كما أنه يحبسنا في فقاعة حيث نهدر كميات هائلة من الطاقة النفسية للتعافي من الإهانات التي لم تكن تستهدفنا في المقام الأول!

   

لكي لا تعيش دائما في حالة ردّ فعل ولا تفقد السيطرة، من الضروري وضع "الأنا" لديك في مكانها الصحيح. يمكننا أن ندرّب أنفسنا على إدراك أن وجهة نظرنا ليست هي الوحيدة الموجودة، وقد لا تكون هي وجهة النظر الأفضل حتى. يمكننا بعد ذلك رؤية الظروف بوضوح ومقاربتها بفعالية. حتى إنه قد نرى الحكمة في وجهات نظر الآخرين، ونتعلّم منها.

  

هناك بعض الحالات حيث يحدث "تحول المنظار بعيدا عن الأنا" بشكل طبيعي، مع القليل من الجهد، عادة ما يأتي ذلك نتيجة لتجارب سامية تعصى على الفهم أو تثير العجب، مثل الاستماع لكونشيرتو برامز، وعملية الولادة، والمعادلات الرياضية، والتأمل في خلق الكون. يقول العلماء إن ما يحدث في هذه الحالات هو أن "الأنا" يتم إخضاعها فيما يتسع المنظور لدى المرء. وتجد بعض الدراسات أيضا أن تذكّر الموت يقوم أيضا بإزاحة الذات من التركيز على نفسها (ويزيد من السعادة).

     

التركيز على أشخاص آخرين دون الهوس في كيفية رؤيتهم لك

النتيجة الطبيعية للتحيز الأناني هي ما يسمّى بتأثير دائرة الضوء: إذا كنت تعيش كنجم فيلم قصّة حياتك، فسوف تفترض بشكل تلقائي تقريبا أن الجميع يراقبك عن كثب. بصفتك مركز الكون المحيط بك، فأنت ستعتقد بطبيعة الحال أنك أيضا مركز كون كل شخص آخر فيه. والنتيجة هي أنه في تفاعلك مع الآخرين قد تجد نفسك تفكّر أقل بهم وأكثر بصورتك في أعينهم وما يفكرون به عنك. هل تظهر بمظهر الواثق والكفء، أم المرتبك والمنفعل؟

      

  

على الأرجح فإن ذلك غير مهم، إذ تظهر الأدلة أن الأضواء ليست بهذه الأهمية لأن الناس لا يلاحظوننا بقدر ما نعتقد أنهم يفعلون. ففي إحدى الدراسات، طُلب من المشاركين الذين ارتدوا قميصا محرجا -مزركشا ويحمل صورة المغني المبتذل باري مانيلو- تخمين عدد الأشخاص الآخرين الذين سوف يلاحظون ذلك. تبيّن أن أقل من نصف العدد المقدر قد لاحظوا القميص. وبالمثل، وجدت دراسة حول تفاعل مجموعات من الناس أنهم يفترضون أن مساهماتهم -بالإضافة إلى زلاتهم اللفظية الصغيرة- يلاحظها الآخرون أكثر من ما هم يفعلونه حقّا في الواقع.

   

يتجاوز تأثير دائرة الضوء هذا الأحداث الخارجية. يعتقد الناس بشكل روتيني أن مشاعرهم الداخلية مفهومة تلقائيا لدى الآخرين. عندما طُلب من بعض الأشخاص ممارسة الخداع في إحدى الدراسات، بالغوا بشكل كبير في مقدار "كشف" نيّاتهم الخادعة من قِبَل الآخرين.

   

عندما نهتم بمقدار أقل بصورتنا الذاتية، فإننا نفتح الباب للتفاعل مع الآخرين بشكل أكثر واقعية ويمكننا أن نخفف من درجة حذرنا وعدم ثقتنا بالناس. قد يستجيب الآخرون بالمثل، أي بالتركيز بشكل أقل على صورتهم الذاتية والانفتاح علينا. بهذه الطريقة، يمكن للإفصاح الذاتي بشكل معتدل أن يلهم التبادلية العاطفية فيتم التشارك في دائرة الضوء عوضا عن الاستحواذ عليها من قِبَل أي واحد منا.

   

ليس عليك التصرف طبقا للطريقة التي تشعر بها

لا أحد يشعر بالارتياح طوال الوقت، فنحن قد نعاني من خيبات الأمل أو نلاقي معارضة صريحة لرغباتنا. تتطلب بعض الأيام الجهد والطاقة مما هو أكبر من طاقتنا. قد نخذل أنفسنا بشأن شيء يهمنا، أو قد يحدث شيء يغرقنا في الحزن أو القلق.

    

  

لكننا لسنا شفافين. إن إدراك أننا نسيء تقدير الدرجة التي يلاحظنا بها الناس والمدى الذي تظهر به حالتنا الذهنية بشكل واضح لهم، يمنحنا الفرصة للحفاظ على كرامتنا، وخصوصيتنا، واحترامنا لذاتنا عندما لا نكون في أفضل حالاتنا. أي إنه لا يتعين علينا تلويث التفاعلات الاجتماعية مع الآخرين بحالتنا الذهنية. ولكن كيف يمكننا أن نظل راقين حتى عندما نشعر بالقلق والغضب؟ كيف يمكننا أن نتعالى على مشاعر مثل الحساسية والعدوانية والغضب بعد أن نتلقى ضربة موجعة إلى الإيغو (الأنا)؟

  

في السنوات الأخيرة، اكتسبت التقنية النفسية لـ "الإبعاد الذاتي" شعبية قوية كوسيلة فعالة للتنظيم الذاتي. يشرح إيثان كروس، مدير مختبر العاطفة والتحكم الذاتي في جامعة ميتشيغان، أن الفكرة وراءها تتمحور حول معالجة المرء مشاعره من وجهة نظر خارجية.

   

أولا، تخيل أن عقلك يحتوي على أكثرمن نفس واحدة. إذا كانت النفس التي تستعمل المنطق للتعامل مع التجارب السلبية -على الورق، بصوت عالٍ أو بصمت في رأسك- لديها صوت مختلف عن تلك التي عايشت هذه التجارب، فإن الشعور البغيض قد لا يأتي على الفور. فالنفس التي تبقى على مسافة عن الذات يمكنها أن تعطي النفس التي تعاني المجال الذهني للتفاعل مع التجربة السيئة بشكل أقل عاطفية. عندما نفكر بشكل أكثر وضوحا سوف نملك قدرا أكبر من السيطرة على الطريقة التي نتصرف بها.

    

يحدد كروس عدة طرق لاستخدام هذا "الجمباز اللغوي" للتحكم بالمزاج (والسلوك) حسب الرغبة. قد يكون الكلام التشجيعي فعالا إذا صيغ باللغة نفسها التي قد تستخدمها لمساعدة أشخاص آخرين، باستخدام اسمك الأول أو ضمير الشخص الثاني لك، بدلا من التحدث بصيغة الـ "أنا" مع نفسك. إن استخدامك لضمير "أنت" أو "هو/هي" مفيد أيضا، كما يشير كروس، ونحن نستخدم هذا أحيانا دون وعي كطريقة لإضفاء معنى على تجربة معيّنة وجعلها تجربة عادية ومتوقعة. وكلما زاد الشعور العاطفي في هذه اللحظة، يقول كروس، زاد "الإبعاد الذاتي" فعالية.

     

القدرة على تغيير زاوية النظر إلى خيبات الأمل والشدائد

إن الفشل في مقابلة وظيفية حتى بعد أن تكون قد وضعت كل جهدك فيها هو خيبة أمل، وليس أزمة. أن تفشل حفلة أقمتها هو خيبة أمل، وليس مناسبة للاكتئاب. أن يتم تأنيبك بسبب للتأخير في العمل هو مهين، لكنه ليس سببا وجيها للاستقالة.

      

  

الناس الأكثر مرونة يعطون أنفسهم مساحة عقلية لرؤية انتكاساتهم كفرص للتعلم والنمو، أي إنهم يعتقدون أن الفشل حدث وليس هوية. هنا يدرك علماء النفس الاجتماعي أنه على الرغم من أن الناس قد يختلفون في قدرتهم الفطريّة على تحمل الإجهاد، فإنّه يمكن تمرينهم على الثبات العقلي. يعرف كل بوذي أن العواطف ليست انعكاسا دقيقا للواقع. فالمشاعر والتقلبات والأزمات العاطفية ليست أكثر من حالات عابرة. الأشخاص المرنون لا يعرّفون أنفسهم عن طريق محنهم، فهم يفهمون أن الأوقات السيئة هي أمور مؤقتة.

     

ويمكن استخدام الأدوات نفسها التي تعمل على "الإبعاد الذاتي" والتي تعمل على تحسين المزاج والتنظيم الذاتي لتعزيز القدرة على التكيف والمرونة والثبات. ينصح كروس باستدعاء نفسك "الثانية" لطرح الأسئلة والإجابة عنها حول الفشل أو خيبة الأمل التي تزعجك. مثلا يمكنك أن تسأل نفسك: ما الذي كان تحت سيطرتك، وماذا كنت ستفعل بشكل أفضل؟ إذا حدث الشيء نفسه لصديق، فماذا سوف تكون نصيحتك؟ كيف سيؤثر هذا الحادث عليك في شهر أو سنة؟

    

من خلال فعل ذلك، يمكنك أن تعيد صياغة المصيبة على أنها تجربة مفيدة، وهذا شكل من أشكال إعادة التقييم المعرفي، أو تغيير زاوية المنظور. قد ندرك حتى إننا نميل إلى إثقال أنفسنا بالأخطاء المعرفية المعتادة: التضخيم، والتعميم، والشخصنة، الانخراط في التفكير الأسود والأبيض، والقفز إلى الاستنتاجات. باستخدام تقنيات التصوير، درس الباحثون أدمغة المشاركين خلال قيامهم بإعادة تقييم حالتهم العاطفية، فلاحظوا أن قشرة الدماغ القبلية الإنسية تنشط بشكل خاص خلال هذه العملية، فيما تهدأ اللوزة المخية المسؤولة عن العاطفة. هذا ما يفعله الثبات العقلي!

    

معرفة كيفية طلب النصح الصادق

هناك نوعان من الناس في العالم، تقول عالمة النفس التنظيمي تاشا يوريتش: "هناك من يعتقدون أنهم مدركون لذاتهم، لكن هناك عدد قليل ممن هم كذلك في الواقع". ما يعقّد الأمور أكثر هو أنه هناك نوعان من الوعي الذاتي: الوعي الذاتي الداخلي (كيف نرى أنفسنا وقيمنا وعواطفنا الخاصة) والوعي الذاتي الخارجي (كيف ينظر إلينا الآخرون). فقط هذا الأخير يمكنه أن يخبرنا مثلا أن القصة التي نقولها قد تكون مملة أو أنه لا أحد يثق بنا لأننا نتملّق المدير. يسمح لنا الوعي الذاتي الخارجي بالانسجام أكثر مع الآخرين. يجعلنا قادة أكثر فعالية لأنه لدينا المزيد من التعاطف، والذي يأتي من فهم وجهات نظر الآخرين.

     

   

إذا عرفنا كيف ينظر إلينا الآخرون، فلن نتفاجأ من النقد أو التفاعلات التي تنحو منحى سيئا دون أي سبب واضح. تقول يوريتش: "إن الأشخاص الآخرين، بمن فيهم أولئك الذين لا يعرفوننا جيدا، غالبا ما يكونون قادرين على التنبؤ بشكل أفضل منا بسلوكنا المستقبلي". قد يكون هذا الأمر مستغربا، تضيف، لكن الأشخاص الذين يقومون بالنقد الذاتي كثيرا ليس بالضرورة أن يكون لديهم وعي ذاتي خارجي كبير. في الواقع، غالبا ما يكون هناك ارتباط عكسي بين الاثنين، لأنه عندما نتساءل "لماذا" قد تسوء تفاعلاتنا، نحن غالبا ما نجد إجابات غير صحيحة.

     

المهارة التي يجب اكتسابها هنا هي طرح أسئلة محددة على الآخرين حول كيفية رؤيتهم لك. الحياة ليست كلها عنك، لكنك ما زلت بحاجة إلى اكتساب معرفة دقيقة عن الكيفية التي يراك الآخرون بها. توصي يوريتش باختيار ما يصل إلى خمسة "نقاد محبين" بإمكانهم تقديم قراءة جيدة عنك، قد يكونون من الأصدقاء أو زملاء العمل. اطرح عليهم أسئلة مثل: أي من أفعالي يجب أن أستمر بها؟ ما الذي يجب عليّ التوقف عن فعله؟ ماذا يزعجك بي؟ الإجابات يمكن أن تهز إحساسك بالواقع، تحذر يوريتش: "بعد ذلك، خذ استراحة. ثم قم بمعالجة المعلومات".

   

المحافظة على قيمك بغض النظر عن ما يتوقعه الآخرون منك

إن احتياجاتك وقيمك مهمة. إذا كنت لا تحسب حسابها بشكل معقول في كل ما تفعله، فسوف تضع نفسك أمام حياة من الندم أو الاستياء. تتطلب أي حياة ذات معنى ممارسة مدروسة لأهوائك ورغباتك. هذا، بالطبع، يُلزمك باكتشاف ما هي هذه الرغبات وتجهيز نفسك لها.

   

إن معرفة كيف يراك الآخرون، أو ما يتوقعونه منك، لا يعني أنه عليك تغيير أي شيء، تقول يوريتش: "أنت تتحكم بالأمور". لكن التحدي، كما تعترف، هو أن ما نريده لأنفسنا (مرة أخرى، الوعي الذاتي الداخلي) وما يتوقعه الآخرون منا (الوعي الذاتي الخارجي) هي أشياء غير واضحة تماما. تقول يوريتش: "إنها مسألة توازن، مثل لعبة شد الحبل... وأنت تحتاج إلى وعي ذاتي داخلي كافٍ للتحكم بالحبل". عندما يتوقع الجميع منك أن ترث مصلحة العائلة، هل يمكنك أن تكون واثقا من أن ما تريده حقا هو الذهاب للتطوع في ريف ماليزيا مثلا؟ أو أنك لا تريد أن تنجب أطفالا على الإطلاق؟

       

  

تنطوي المهارة هنا على التوفيق بين مفهومين للذات: بين ذلك الجزء منا الذي يعرف رغباته والأشياء التي تشغفه، وهذا يبقى مستقرا بشكل أساسي بمرور الوقت، وبين الجزء الذي يستمد المعنى والهوية من سياق اجتماعي هو بحكم طبيعته في حالة تغير مستمر. بالطبع هذان الجزءان ليسا منفصلين تماما. فنحن نميل دون وعي إلى محاولة الارتقاء إلى مستوى توقعات الآخرين، بما في ذلك الأهل والمعلمين والشركاء الرومنسيين. كلما كان إدراكنا الداخلي أضعف، ازداد اهتمامنا بكيفية ظهورنا للآخرين، وكافحنا من أجل التمييز بين ما نريده لأنفسنا وبين ما يريدونه منا فنركّز طاقتنا على إسعاد الآخرين.

     

تقول يوريش إن الأشخاص الذين يتمتعون بالوعي الذاتي الداخلي والخارجي هم الأفضل في التعامل مع التوقعات المتباينة منهم. فهم يقدّرون الأصالة والنزاهة، ويعرفون ما يريدون فعله، في حين أنهم سوف يضيئون حياتهم بمنظورات الآخرين. عندما يستجدون النصح، فإنه "من الصعب إرضاؤهم للغاية"، كما تقول، فيقصرون دائرة النصح على أولئك الذين يثقون بهم فقط. عندما يتعلق الأمر برغباتهم وتطلعاتهم، فإنهم قد يثقون في قلة مختارة من الناس ممن يريدون لهم أن ينجحوا.

   

وتشير يوريش إلى أن معرفة الذات يتم اكتسابها من خلال أخذ الاتجاهات والأنماط الشاملة في الحسبان، وليس رأي شخص واحد فقط. ما الذي تريده حقا لنفسك؟ عندما تتأمل في ذاتك، فإنها توصي بتجنب الأسئلة العاطفية مثل "لماذا؟" واستبدالها بأسئلة "ماذا؟" مثلا: ما الذي لا أعرفه الآن ولكنني أود أن أعرفه؟ ما الذي لا أفعله ولكن يجب علي فعله؟ كما قال الفيلسوف لاو تزو: "في مركز وجودك لديك الجواب".

   

الانفتاح على المعلومات الجديدة أو التفكير المنقّح

إن العالم لا يقف ساكنا أبدا. الحالات تتغير. المعلومات المتاحة تتبدل. بغض النظر عن مدى تعلّقنا عاطفيا بقراراتنا، وبآرائنا ووجهات نظرنا التي قد تكون قد ساعدتنا في السابق، فهناك نقطة يمكن أن يتحول عندها الثبات إلى الجمود والتحجّر.

     

هذا يحدث للكثير منا على مر الزمن، بحسب الطبيبة النفسية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي أليسون جوبنيك. أجرت جوبنيك تجربة حيث تم إعطاء الأطفال في سن ما قبل المدرسة والبالغين لعبة لم يشاهدوها من قبل. تم تلقين كلتا المجموعتين العمريتين كيفية تشغيل اللعبة وجعلها تلعب الموسيقى، إما باستخدام قطعة واحدة وإما بمجموعة من القطع فيها. في وقت لاحق، حصل الجميع على فرصة لمحاولة تشغيل اللعبة بمجموعة جديدة من القطع، ولكن فقط الأطفال الصغار كانوا قادرين على تجاهل معارفهم الحالية والعبث بتوليفات جديدة لجعل اللعبة تعمل. أما الكبار فمالوا إلى التمسك بتعليماتهم الأصلية، حتى عندما لم تكن هذه تعمل. لم يراجعوا تفكيرهم.

       

  

مع تقدمنا ​​في السن ومراكمتنا للمعرفة، فإننا نميل إلى أن نصبح محافظين. نتعلم مبدأ ثم نصبح مقيدين به. ويصبح من الصعب القبول بمعلومات جديدة تتعارض مع المعرفة الموجودة سابقا. ما لم نتمكن من إيجاد طريقة لجعلها تتوافق مع تصوراتنا المسبقة، فقد نرفضها (في التحليل النفسي يسمّى ذلك بـ "تأكيد الانحياز"). هكذا تصبح وجهات نظرنا السياسية جامدة للغاية ونفشل في التكيف بسهولة مع البيئات الغريبة والتقنيات الجديدة. مع التقدم في السن، تقلّ المرونة العصبية لصالح السعي نحو الفعالية في فعل الأشياء.

   

ومع ذلك، يمكن تدريب المرء على المرونة المعرفية، بل واستعادتها، مع التمرين والممارسة. بداية، يزيد النشاط البدني من مستويات الأكسجين في الدم، والتي قد تؤدي إلى زيادة مرونة النشاط العقلي. ثم هناك التدريب العقلي الذي توصي به جوبنيك، مثلا من خلال العمل على مواجهة مشاكل جديدة كأنك مبتدئ. تقول: "لا يتعلق الأمر فقط بتجربة أشياء جديدة"، بل أيضا بالدخول إلى مناطق بعيدة عن قاعدة خبراتك. (البرمجة الحاسوبية، الكتابة الأدبية، الدراسة أو العمل في الخارج قليلا، إذا كنت قادرا على القيام بذلك). يجب أن يسود الفضول قبل السعي نحو الإتقان. "من المفارقات"، تلاحظ جوبنيك، هو أن "عدم الاكتراث بالنتيجة يمكن له أن يجعلك أكثر استكشافية وأكثر فاعلية في النهاية". لرؤية المرونة المعرفية في العمل، هي توصي بمشاهدة الأطفال في سن 4 سنوات وهم يتفاعلون مع العالم.

    

المرونة العقلية لديها أيضا جانب ظرفي جدا. تشير الدراسات إلى أن الناس هم أكثر عرضة لتغيير آرائهم عندما يشعرون بالرضا عن أنفسهم. وفي الوقت نفسه، كلما شعر الأفراد بالتهديد بأي شكل من الأشكال، زاد احتمال تمسكهم بمعتقداتهم، لا سيما إذا كانت هذه الآراء تتماشى مع المجموعات التي يتماهون معها.

   

إتقان طريقة ناجعة لتحفيز نفسك

هل تتذكر كيف حثّ توم سوير أصدقاءه على طلاء السور الأبيض لبيت خالته؟ جعل العمل الرتيب مليئا بالمرح لدرجة أنهم توسلّوا له للسماح لهم القيام به! إن الدافع الداخلي الذي يمتلكه الأطفال الصغار، الذي يجعلهم يريدون أن يفعلوا ما يفعلونه -ليس بسبب الضرورة ولكن بسبب الاهتمام الخالص- يسمى بـ "الدافع الداخلي". إنه المعيار الذهبي للتحفيز على الفعل والعمل.

       

   

ولكن عندما ينخفض ​​اهتمامنا أو تفشل جهودنا التحفيزية لحثنا على القيام بما يتعيّن علينا فعله، فإننا سوف نكافح من أجل أن نلزم أنفسنا به. هنا فإن المال بالكاد يشكّل حافزا فعّالا. اسأل أي شخص يعاني من الإرهاق. العلاقة بين الراتب والتحفيز معقدة، لكن الدراسات تظهر أن المال غالبا ما يسلب الناس الرضا، ويحول الأنشطة الممتعة إلى أعمال رتيبة ومضجرة. أي إن المال لا يشتري الاهتمام والإثارة.

   

إن تصور الكيفية التي سينتهي بها الكدح بالنجاح (على سبيل المثال، بتلقّي زيادة أو الحصول على ترقية) أو تصوير الانتصار بكل تفاصيله، قد ثبت أنه ينشّط مناطق معيّنة من الدماغ المرتبطة بالمكافأة. يمكن لبعض الناس أن يحفّزوا أنفسهم فقط بالتفكير بالمنافسين لهم، فهم يحولون المهمّات إلى لعبة، أو يتخيلون أن لديهم نظراء يحاسبونهم، أو يتخيلون منافسين يتغلّبون عليهم.

   

التحدث مع النفس من منظار شخص ثانٍ، أو "المدرب الذي يعيش في الرأس"، له منافع أيضا. يمكنك أن تفعلها يا تيد! حتى إن بعض الدراسات وجدت أن الصياغة السؤالية هي أكثر فعالية: هل يمكنك فعلها يا تيد؟! تكمن الفكرة هنا في إعادة صياغة المهمة باعتبارها تحديا مثيرا للاهتمام، والذي ينقلب إلى دافع ذاتي إذا سار كل شيء على ما يرام.

  

ولكن بالنسبة للكثيرين منا، فإن أكثر المهارات فائدة هي القدرة على دحرجة الكرة بالمعنى المجازي، ولهذا تحتاج إلى الاعتماد على اكتساب العادة والروتين. فأنت قد تستيقظ في الساعة 6:00 صباحا للتمرين ليس من قبيل الشغف ولكن لأن ذلك قد أصبح من عاداتك. وقد تغطس في مستند عمل ليس دائما لأنه مثير ولكن لأنه روتين. قد تقول لنفسك سوف أمضي 20 دقيقة فقط في هذه المهمة ثم سوف أنتقل إلى شيء آخر. لكن في أكثر الأحيان، سوف يأخذك زخم سحري دون الحاجة إلى العصا والجزرة. فالأمر يتعلّق بالعزم العنيد على اتخاذ خطوة، ثم خطوة أخرى، وأخرى، حتى تصل إلى الزخم المطلوب لإنهاء المهمة.

   

في بعض الأحيان قد تكمن المتعة في العملية نفسها. فالناس الذين يعرفون كيف يلهمون أنفسهم -بدلا من انتظار أن يأتي الإلهام إليهم- يربطون حتى المهام الأشد صعوبة بغاية أكبر منها. بالنسبة إلى العناصر الأقل إلهاما في قائمة مهماتهم، فإنهم يضعون أهدافا مصغرة لها، مثلا، اعمل لمدة 20 دقيقة للحصول على إحساس بالتقدم والزخم. إنهم يتعلمون تقدير قيمة تتابع الخطوات المضجرة والصعبة، وليس فقط قيمة الإنجاز النهائي.

    

التركيز على هدفك في عالم فاقد التركيز

  

كما قال مارك توين: "إن أهم يومين في الحياة هما اليوم الذي ولدت فيه واليوم الذي تكتشف فيه غرض حياتك". غير أن هذا الغرض يتوقف على التنظيم الذاتي والقدرة على مقاومة النوازع الآنية لصالح الأهداف طويلة الأجل. يقول لاري روزن، الأستاذ الفخري في جامعة ولاية كاليفورنيا، الذي شارك في تأليف كتاب "الدماغ الملتهي": "لسوء الحظ، فإن جيلا كاملا قد بلغ مرحلة النضج في عصر فيسبوك ووسائل الإعلام الأخرى التي تقوض عملية التنظيم الذاتي". البالغون ليسوا محصنين بالكامل ضد إلهاءات الهواتف الذكية أيضا. يقول روزن: "قد تحتاج إلى أفكار كبيرة، ولكن إذا كان انتباهك مشتتا باستمرار، فلن تأتي هذه الأفكار. لن يكون هناك وقت لمعالجة أي شيء على مستوى عميق". كما أنه لم يكن هناك وقت لأحلام اليقظة الإبداعية، لأن الدماغ غالبا ما يكون مستثارا بشكل مفرط.

    

وجد روزن أن الطلاب البالغين الشباب يمكنهم التركيز على العمل المهم لمدة دقيقتين إلى أربع دقائق فقط في المتوسط ​​قبل التحقق من الرسائل الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعية (الكبار ليسوا أفضل حالا بكثير)، وقد يستغرق الأمر ما يصل إلى 20 دقيقة قبل الرجوع إلى المهمة. وكلما زاد عدد الساعات التي يقضيها الطلاب في هذا التشتت، انخفض متوسط ​​علاماتهم الدراسية. حتى زيارة واحدة إلى فيسبوك خلال جلسات التركيز أدّت إلى درجات أقل.

   

وبغض النظر عن الإعجابات على فيسبوك وأصوات التنبيه التي تهدف إلى تفعيل دائرة المكافأة في الدماغ، هناك دافع أقوى لزيارة هذه المواقع بشكل متكرّر، بحسب روزن، فهي تقلل من القلق الناتج عن ما يسمى "الخوف من تفويت الحدث". قد تكون الطرق التقليدية لتحرير الدماغ من الهوس الاستحواذي فعالة -10 دقائق من المشي في الطبيعة، والتمارين، والتأمل، والاستحمام- ولكن الإقلاع عن التكنولوجيا قد أصبح الآن ضروريا تقريبا. يوصي روزين مثلا بأخذ استراحات من التكنولوجيا كل 30 دقيقة، خاصة في أوقات التركيز. يقول روزين إن التمرين يمكن أن يعزز تطوير الرقابة الذاتية هذه. يمكن أن يؤدي الإقلاع عن الشاشة الصغيرة إلى إعادة توجيهنا إلى الأشياء الأكبر والأهم.

    

تحمّل عدم اليقين

لن تعرف أبدا ما الذي تفوّته بالضبط. لا يمكنك أن تعرف على وجه اليقين ما يفكر فيه الطرف الآخر أثناء عملية تفاوض أو ما يفكر به شريكك الرومنسي. لن تعرف أبدا ما إذا كانت القرارات التي تتخذها اليوم هي أصوب القرارات، أو ما قد ضحيت به في سبيل صنعها أو إلى أين ستقودك.

    

  

ما هو أكثر من ذلك، فإن سرعة الأحداث اليوم تتطلب بشكل متزايد أن نتخذ القرارات في غياب المعلومات اليقينية. ولن تعرف كل شيء عن شريك حياتك. على الرغم من كون هذا سببا مؤكدا للقلق، فإن عدم اليقين هو شرط من شروط الحياة.

   

التسامح مع عدم اليقين يأتي على حساب الوضوح. لكن المكافآت قد تكون كبيرة. فنحن أكثر قدرة في هذه الحالة على تغيير النهج، والتجريب، والمرونة، والقبول بمعلومات جديدة قد نرفضها في حالات اليقين، وعلى السماح للموقف بأن يتطور قبل أن نضغط على الزناد المجازي. نحن سوف نكون قادرين بشكل أفضل على التعامل مع المخاطر واتخاذ القرارات دون خداع أنفسنا من خلال الظن بأننا نعرف كل شيء يمكن معرفته. في النهاية، سنكون أقل قلقا. اليقين التام هو، في أحسن الأحوال، وهم.

   

إن الإستراتيجيات الأكثر فعالية لتحمّل عدم اليقين (خاصة عند اتخاذ القرارات) هي النظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الحالية. اطلب من شخص تعرفه اتخذ قرارا متسرعا أن يشرح أو يكتب عن العواقب وسوف ترى رغبته في الوضوح التام تتضاءل.

   

عاجلا أم آجلا، سوف ندرك أن الوضوح يأتي بمرور الوقت. ربما هذا قد يفسر كيف أن التسامح مع الغموض يزيد بعد قراءة القصص الخيالية. فالقصص تخرجنا من اللحظة الحالية، وكذلك من عقولنا. لاحظت الروائية، مارغريت درابل، يوما أنه "عندما لا يكون أي شيء مؤكد، يصبح كل شيء ممكنا...".

----------------------------------------

   

ترجمة (كريم طرابلسي)

الرابط الأصلي

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار