انضم إلينا
اغلاق
خارقون وليسوا معاقين.. نماذج مذهلة لأشخاص تغلبوا على الإعاقة

خارقون وليسوا معاقين.. نماذج مذهلة لأشخاص تغلبوا على الإعاقة

  • ض
  • ض

"نصيحتي للآخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة هي: ركزوا على الأشياء التي لا تُعيقكم إصابتكم عن فعلها بشكل جيد، ولا تشعروا بالألم في التخلي عن الأشياء التي تمنعكم الإعاقة عن فعلها. لا تجعلوا إعاقتكم تمتد إلى أرواحكم كما وصلت إلى أجسادكم"

(ستيفن هوكينغ، عالم الفيزياء النظرية البريطاني الراحل) (1)

  

النصيحة التي وجّهها هوكينغ لذوي الاحتياجات الخاصة حتما لم تكن تنظيرا أدبيا، باعتبار أنه هو نفسه رغم إعاقته الشديدة التي حرمته من الحركة والحديث والتواصل مع الآخرين، فإنها لم تحرمه من أن يصبح واحدا من أهم علماء الفيزياء وأكثرهم عبقـرية في العقود الأخيرة. والواقع أن هوكينغ ليس هو المثال الأول ولا الأخير -وإن كان الأشهر- لذوي احتياجات خاصة حققوا إنجازات مذهلـة قد يكون من الصعب أصلا تصوّر وجودها.

  

على مدار سنوات طويلة، اعتلى مسرح "تيد" مجموعة من المتحدثين الذين من المفترض أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، لكنهم في الواقع أقرب إلى مجموعة من "الخارقين" أو السوبرهيروز. إصـرار وإرادة هائلة في تجاوز إصاباتهم وإعاقاتهم، ليس فقط للعودة إلى ممارسة حياتهم بشكل طبيعي مثل الآخرين، إنما للوصول إلى تحقيق إنجازات لا يستطيع الأشخاص العاديون تحقيقها، ناهيك عن تصوّر تحقيقها بالأساس.

  

كيف فشلت في أن أكون معاقــة؟!

   

"التعرف على الناس لم يكن إحدى نقاط قوتي.. السبب يعود إلى إعاقة بصرية وراثية لا يوجد لها تصحيح أو علاج. ونتيجة لذلك، فأنا عمياء قانونا، وبرغم ذلك أُفَضِّل وصف "ضعيفة النظر" لأنه أكثر تفاؤلا!"

  

من الصعب جدا تصوّر المتحدثة سوزان روبنسـون بأنها عمياء، ولكنها الحقيقة. المحاضـرة الشهيرة التي ألقتها في أواخر عام 2016 وحققت مشاهدات مرتفعة، تحكي فيها قصتها المدهشة في التعايش مع حالتها المرضية التي تجعلها لا ترى، ومع ذلك تجعل الجميع يشعرون بالشك من هذا الادعاء، لأنها ببساطة تتحدث كأنها ترى كل شيء.

  

سوزان روبنسـون ولدت بإعاقة بصـرية وراثية لا يمكن علاجها، وهو الأمر الذي جعلها تتفهم منذ طفولتها أنها لن تعيش حياة عادية. ومع ذلك، لا تكـره روبنسـون كلمة أكثر من كلمة "معاق"، لأنها تراها ظلمـا كبيرا لهؤلاء الذين أُصيبوا بمرض مزمن يجعلهم لا يؤدون حياتهم الطبيعية كبقية البشر. الواقع -وكما تقول روبنسـون في محاضرتها ذات ست الدقائق- إن كل ما يتطلبه الأمر هو أن يعمـل هؤلاء الأشخاص على أنفسهم أكثر للارتقاء بقدراتهم الذاتيـة للوصول إلى درجة الناس الأسوياء الطبيعيين، إن لم يكن تجـاوزها كذلك.

  

أنا لست مصـدرا لإلهامك.. شكرا لك!

  

"عندما كان عمري 15 عاما، أحد الأشخاص في مجتمعنا المحلي اتصل بعائلتي وأراد ترشيحي للحصول على جائزة إنجاز للمجتمع. ومع فرحة والديّ بذلك، لكنهم قالوا: "حسنا.. هذا لطيف حقا، ولكن هناك مشكلة وحيدة واضحة في ذلك، إنها في الحقيقة لم تنجز أي شيء" (ضحــك).. وكانوا على حق في ذلك، كما تعرفون!"

   

حديث شديد الطرافة الممتزجة بمعانٍ شديدة المباشرة والذكـاء أيضا، ألقته ستيلا يونغ الكوميدية والصحافيـة على مسرح "تيد" في عام 2014 والذي حقق شهرة كبيـرة انعكست على عدد المشاهدات على منصة "تيد" الرسمية الذي تجاوز مليوني ونصف مشاهدة. الحديث الذي ألقته يونغ يركز على فكـرة أن التعاطف المبالغ فيه الذي يحيط بعض ذوي الاحتياجات الخاصة في بعض المجتمعات، قد يجعلهم نماذج مُلهمة للناس بدون أن يحققوا بالفعل أي أثر يذكـر.

  

في المحاضـرة تركز ستيلا يونغ على مبدأ أنها تعيش حياة طبيعية تماما، وأن ذوي الاحتياجات الخاصة مثلهم مثل الأسوياء تماما، وليس معنى أنها تعاني من إعاقة أن تتحول إلى مصدر إلهام مباشرة دون أن تنجز إنجازات حقيقيـة. تحاول يونغ أن تكسر عادة بعض المجتمعات في تحويل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة إلى شخصيات مُلهمة لمجرد أنهم يعانون من إعاقات دائمة، وأن هذا التعاطف المبالغ فيه هو في النهاية قد يصل إلى مرحلة من إثارة الضيق والحصار النفسي لهم، وليس أمرا مشجعا طوال الوقت.

   

الغوص إلى أعماق المحيط.. على كرسي متحرك!

   

"بعد حصولي على الكرسي المتحرك، تغيرت ردة فعل الناس نحوي كما لو أنهم لم يعودوا يرونني بعد الآن. كانوا ينظرون إليّ بعين افتراضاتهم الشخصية وليس بما أشعر به أنا. كانوا دائما ينظرون إليّ بعين الشفقة. أدركت أن هذه الشفقة أثّرت في داخليا وغيرتني من الصميم، وجزء مني أصبح غريبا عني، لم أكن أشاهد نفسي من وجهة نظري الخاصة ولكن بشكل واضح ودائم من وجهة نظر الآخرين نحوي. ونتيجة لذلك، أدركت أنني إعادة كتابة قصة حياتي من جديد، لأستعيد هويّتي المفقودة"

 

عندما حصلت سو أوستن على مقعدها المتحرّك الذي مكّنها من القيام من الفراش والعودة إلى التواصل مع العالم، شعرت بسعادة بالغة. لكنها قوبلت بنظرات الشفقة من الآخرين الذين استمروا في التعامل معها طوال الوقت باعتبار أنها فقدت شيئا ما وتستحق المساعدة طوال الوقت. في النهاية قررت أوستن أن تغير وجهة نظر العالم لها، وتثبت للجميع أنها قادرة على ممارسة حياتها كما يمارسها الناس بشكل طبيعي، بل وممارسة أشياء ليس متاحا للجميع أن يصل إليها.

  

في المحاضـرة التي حققت معدل مشاهدات مرتفع تجاوز المليونين، تستعين سو أوستن بصور وفيديوهات مذهلة لها وهي تطوف العالم بمقعدها المتحرك، بل وتهبط إلى أعماق المحيط بمقعدها المتحرك لتستكشف المحيط وتنجرف مع تيارات الأسماك بديعة الألوان، وتمارس السباحة والغوص باحترافية مطلقة كأن مقعدها المتحرك جزء لا يتجزأ من جسدها، وليس شيئا يعيق حركتها.

  

المحاضـرة من أشهر المحاضـرات على "تيد" التي تحتوي تحفيزا هائلا "لمن يعتقدون أنهم معاقون" باعتبار أن سو أوستن نفسها ترفض بشدة كلمة "معاق" بكافة أشكالها، خصوصا أنها طرحت أدلتها لخطأ هذه الكلمة في محاضرتها.

  

الجسد المكسـور لا يعني أبدا إنسانا مكسورا

   

"الحياة عبارة عن فرص، فرص تصنعها وتتبناها، وبالنسبة إلي، كانت الفرصة هي الحلم الأوليمبي. هذا هو ما حدد من أكون، كان ذلك منتهى سعادتي. كان هذا قبل ضربة الشاحنة، التي غيّـرت حياتي وأعادت رؤيتي لها بشكـل كامل!"

   

المفترض أنها محاضـرة عادية على مسرح "تيد"، ولكن بمرور الوقت تبدأ في الاكتشاف أنها ليست مجرد محاضـرة، بل أقرب إلى ملحمة إنسـانية حقيقية تستحق التدريس بكل جوانبها. محاضـرة جانين شيبرد على مسرح "تيد" التي أُلقيت في عام 2012، حققت مشاهدات كبيرة قاربت المليون ونصف مشاهدة على منصة "تيد" الرسمية، إلى جانب ملايين المشاهدات والتفاعلات معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما زاد من شهرة "شيبرد" ليس فقط كمتزحلقة أولمبية سابقة وإنما أيضا كمتحدثة أساسية في مجالات الإلهام والتحفيز الذاتي.

  

كانت جانين شابة حسناء رياضية تمارس رياضة الزحلقة على الجليد بهدف نيل ميدالية أولمبية، قبل أن تجد نفسها في حادث مروّع حيث اصطدمت بها شاحنة ضخمة أدت إلى كسور هائلة في كافة أجزاء جسدها ونزيف هائل أدى بها إلى شلل جزئي. بمعنى آخر، تحوّلت حياتها كلها من رياضية طموحة لحصد ميدالية أولمبية، إلى إنسـانة كل أملها أن تقف على قدميها مرة أخرى لتعيش حياة عادية مثل البشر، بعد أن تقلص لديها الأمل في العودة للرياضة قطعا.

   

ملحمة إنسانية مكتملة بدءا من إنقاذها طبيا، ومرورا بصمودها الهائل في وجه الأزمة وبقائها في الفترة ما بين اليقظة والموت، ثم تقبلها لصدمة أنها أصبحت عاجزة أو شبه مشلولة. ثم الملحمة العظمى في التدريب والعودة مرة أخرى إلى طبيعتها بقدر الإمكـان بعد تحفيز ذاتها بأقصى قدراتها. ثم في النهاية -لحسن الحظ- تستعرض في المحاضـرة أهم المبادئ والقيم التي دفعتها إلى تحمّل هذا العذاب الهائل، والعودة إلى الحيـاة بأفضل درجاتها مرة أخرى. ملحمة!

  

كيف عاد عقلي إلى الحيـاة.. ولم يعرف أحد؟!

   

"تخيل أن لا تكون قادرا على قول: "أنا جائع"، "أنا أتألم"، "شكرا"، أو "أحبك". أن تكون عالقا في داخل جسدك، في جسد لا يستجيب للأوامر.  محاط بالناس، لكنك وحيد تماما.. تتمنى لو تستطيع أن تتواصل، أن تتصل، أن تواسي، أن تشارك، أن تتحدث، ولا تستطيع. كل هذا لقرابة الـ 13 عاما. حسنا، كان هذا هو واقعي الذي عشته"

  

واحدة من أكثر المحاضـرات المؤثرة التي أُلقيت على مسرح "تيد" في عام 2015. المتحدث في المحاضـرة هو مارتن بيستوريس الذي بدا في بداية المحاضـرة شابا وسيما أنيقا يجلس على كرسي متحرّك، لكنه وبمرور الوقت ومع حديثه عن المعضلات التي واجهها في حياته، تتحول النظرة إليه كليـا من مجرد متحدث عادي إلى ما يشبه الأسطورة.

  

حتى عمر الثانية عشرة، كان مارتن طبيعيا تماما وكان فتى يثير إعجاب كل من يراه بذكائه وفطنته. في ذلك العمـر أصيب مارتن بعدوى في الدماغ أدت إلى فقدانه التام للقدرة على الحركة والكلام، انتهى به إلى الفشل الكامل في كافة اختبارات الوعي العقلي، وأصبح عمر عقله يقدر بطفل رضيع عمره 3 أشهر. تزامن هذا مع حدوث شلل كامل لجسده، الأمر الذي جعل أسرته تتكبد معاناة عظيمة في تجهيز غرفة خاصة له لمراعاته. ثم حدثت المعجزة لاحقا.

  

بمرور الوقت، بدأ عقل مارتن في الإفاقة وبدأ يعيد تجديد نفسه والعودة إلى الوعي بشكل كبير. وقتئذ، ومع عودة عقله للحياة، كانت في انتظـاره معاناة أكبر: إنه يعي ما يحدث حوله بشكل كبير، لكنه لا يستطيع التعبير عما يشعر به. ما زال أهله يعتقدون أنه في حالته الأولى المرضية، لكنه على قدر من الوعي ويريد أن يتواصل معهم دون جدوى. كان الأمر أشبه بسجن داخل جسده المتهالك، الأمر الذي جعله يقرر أن يبدأ صراعا ملحميا لتحسين نفسه بالتدريج، وهو الأمر الذي قاده إلى النجاح الذي حققه في حياته لاحقا، والذي أهّله ليعتلي مسرح "تيد" ليُلقي هذه المحاضرة المؤثرة.

   

المحاضـرة التي تبدو أحداثها خيالية بحتة، ولا يجعلها واقعية سوى أن صاحبها هو من يرويها، حققت صدى هائلا في وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاهدات تجاوزت المليوني ونصف مشاهدة عبر المنصة الرسمية للموقع، واعتُبرت من أكثر المحاضرات المُلهمة التي تعج بالمعاني الكبرى في الإصرار والاحتمال والصمود أمام أزمات لا يمكن تخيّل مستوى صعوبتها.

  

لدي 99 مشكلة.. الشلل الدمـاغي واحد منها

   

"مرحبا.. اسمي ميسون زايد، لست ثملة إذا كنتم تتساءلون، لكن الطبيب الذي ساعد على ولادتي كان ثملا. فقد قام بشقّ أمي 6 مرات مختلفة في 6 اتجاهات مختلفة، ما تسبب في خنقي أنا المسكينة حين القيام بذلك. ونتيجة لذلك، أصبت بشلل دماغي جراء خطأ طبي فادح جعلني -كما ترون- أرتعش طوال الوقت. حسنا، إنه أمر متعب بلا شك!"

  

على الرغم من الأحداث المأساوية التي تلقيها ميسون زايد -الأميـركية من أصل لبنـاني- والتي تعمل كمتحدثة وكوميدية في الأوساط الأميـركية، فإنها استطاعت ببراعة أن تحول طرحها لهذه الأحداث إلى سلسلة طويلة من الضحكات العالية من الجمهـور، والذي تحوّل تعاطفه معها إلى تصفيق حاد لكلمـاتها الذكية التي جمعت ما بين الدعابة والعبـرة.

  

المحاضـرة ذائعة الصيت التي لامست عشـرة الملايين مشاهدة والتي تُعتبر من أكثر المحاضرات من حيث المشاهدات على منصة "تيد" عموما منذ إنشائها، أُلقيت على مسرح "Ted Women" في عام 2013. تحكي ميسون خليطا استثنائيا من معاناتها من مرض الشلل الدماغي، وكيف استطاعت أن تتأقلم مع مرضها لتحقيق مسيرة مهنيـة وعملية ممتازة كممثلة وكوميدية وفاعلة خير، وكيف حوّلها مرضها إلى صوت مسموع للدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة.

        


          

في النهاية، النماذج المذكـورة في هذا التقرير وغيرها تُثبت أمرا واحدا جامعا شدد عليه كل المتحدثين، وهو أن الإعاقة ليست أبدا إعاقة الجسد أو الحواس، وإنما هي إعاقة الروح والإرادة. وأن الإرادة -بدون أي مبالغة- هي الشيء الوحيد الذي قد يعوّض أي شخص ما فقده من أطراف أو حواس، والسلم الوحيد لتمكينه ليحيا حياة طبيعية أولا، ثم حياة مليئة بالإنجازات والإنتاج الذي قد يعجز عنه الأصحاء طوال أعمارهم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار