انضم إلينا
اغلاق
عجز المنطق.. لماذا تنتشر الحجج غير المنطقية؟

عجز المنطق.. لماذا تنتشر الحجج غير المنطقية؟

New Scientist

مجلة علوم وتكنولوجيا
  • ض
  • ض
كل الرجال فانون، وسقراط رجل، إذن سقراط فانٍ. باختراع المنطق، عالج أرسطو الفكر الغربي وأرسله إلى بداية طريق ممتد على مدار 2000 عام من العلوم.

  

لا يأتي سوى القليل مما نعرفه عن العالم من خلال الملاحظة المباشرة، ففي واقع الأمر معظم ما نعرفه يأتي في الغالب عن طريق استخلاص الاستدلالات من الأمور الأخرى التي نعرفها. لم يكن على أرسطو فحص جسد سقراط ليستنتج أنه فانٍ، بل الأدهى من ذلك أن فرنسيس كريك وفرانكلين وواتسون أثناء أبحاثهم المتعلقة بالتركيب البيولوجي للحمض النووي الريبوزي لم يتمكنوا من رؤية الشكل الحلزوني للحمض النووي أبدا، فقط رأوا نمط حيود الأشعة السينية المُسلطة عليه على شكل حرف X، واستدلوا من ذلك أن الجزيئات التي تنتج أنماط حيود على شكل حرف X تكون حلزونية الشكل. ولما كان للحمض النووي نمط حيود على شكل حرف X، فمن المنطقي أن يكون الحمض النووي حلزوني الشكل.

  

منحنا المنطق، بدءا من القياس المنطقي الذي تبعه أرسطو فصاعدا، ركائز تفكير جديرة بالثقة، ساعدتنا على بناء أفكارنا. لكن المنطق لا يضمن الوصول إلى الحقيقة في حد ذاته، فإذا قلنا مثلا إن كل الأشياء الصفراء مصنوعة من الجبن، وعلى ذلك إذا كان القمر أصفر اللون، إذًا فهو مصنوع من الجبن. إذا كانت مقدماتك الاستدلالية خاطئة، فعلى الأغلب ستكون استنتاجاتك خاطئة أيضا.

  

 

يُعد دفع حدود المنطق بهدف الوصول إلى الحقيقة وظيفة علماء المنطق مثل دوف جابّي، الأستاذ في كلية الملك في لندن، يقول جابّي: "عندما خلقنا الله سبحانه وتعالى، كان لديه كتلة كبيرة من المنطق، وبث أجزاء منها في رؤوسنا. أعتبر عملي بمنزلة إعادة بناء لتلك الكتلة الكبيرة".

 

لإدراك الفكر الإنساني الفوضوي بشكل أكثر دقة، بدأ علماء المنطق في القرن التاسع عشر بالتخلي عن اللغة الطبيعية بكل ما تحمله من غموض. فقد طور جورج بول، وهو عالم رياضيات إنجليزي علّم نفسه ذاتيا، نوعا من علم الجبر عبّرت فيه المتغيرات عن قيم حقيقة -صواب أم خطأ- بدلا من القيم العددية.

 

حدد هذا مسار البشرية خلال السنوات المئة المقبلة، وأصبح اليوم منطق بول الثنائي -نعم ولا أو 1 و0- هو القلب النابض لكل جهاز حاسب رقمي. يقول جابّي: "أدى المنطق الرياضي بشكل مباشر إلى الحوسبة"، وأردف قائلا: "يُفيد المنطق علوم الحاسب بالطريقة نفسها التي تُفيد بها الرياضيات الفيزياء".

 

هذا ما يمكن أن تطلق عليه المنطق التطبيقي. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الكثير من العلماء المتخصصين في المنطق البحت في أقسام الفلسفة بالجامعات يبتعدون ويغوصون أكثر في استكشاف ما يمكن للمنطق أن يقوله عن الحقيقة.

 

  

  

تعتبر إحدى الفرضيات الرئيسة الجاري العمل عليها هي فرضية أطلق عليها أرسطو اسم "المبادئ الأكثر يقينا"، وهي تلك المبادئ المعنية بكون الأمور إما صحيحة وإما غير صحيحة. ومع الأسف، يؤدي هذا إلى نسف المنطق التقليدي من جذوره في بعض الأحيان. على سبيل المثال: جملة "هذه الجملة خاطئة"، هل هي صحيحة أم خاطئة؟ فهي ليست صحيحة، ولا خاطئة.

 

تلتف الكثير من أشكال المنطق القيّمة حول ذلك بالسماح بأن تكون الجملة صحيحة أو خاطئة أو ممكنة، وأكثر من ذلك. يوفر المنطق المتباين (Paraconsistent logic) المجال للتعامل مع عبارات صحيحة وخاطئة في الوقت نفسه، الأمر الذي قد يُعتبر تناقضات غير مفهومة في المنطق التقليدي. بينما يتطور المنطق، يصبح أكثر قربا لما يدور في رؤوسنا حقا، ومن المفارقات أنه يصبح كذلك أصعب في الفهم. فقد واجه المنطق العديد من الصعوبات مع زيادة قدرة الإنترنت وغيره من وسائل الإعلام على نشر الحجج العاطفية، ووفقا لما قاله جابّي لقد أصبحت "الحجج غير المنطقية أكثر فعالية الآن من الحجج المنطقية".

 

يقول جابّي في حديثه عن المرحلة التالية في تطور المنطق بوصفه دليلنا إلى الحقيقة، إن مشروعه الخاص المحبب إليه هو إبعاد المنطق عن رؤوسنا وجعله أقرب من قلوبنا، عن طريق تطوير نظام رسمي للمنطق، بالإضافة إلى إرساء قواعد لمحاولة تفسيره، والتي من شأنها أن تستوعب الجوانب العاطفية للحجج، بما في ذلك: الهجمات الشخصية، والاحتكام إلى "الحس العام"، والمغالطات المنطقية مثل مغالطة رجل القش وغيرها. ويوضح أن "جميع الأشياء التي اعتُبرت أنها مغالطات منطقية حتى الآن بحاجة ماسة إلى أن تكون واضحة من خلال نموذج".

_________________

   

ترجمة: فريق الترجمة

الرابط الأصلي

تقارير متصدرة


آخر الأخبار