انضم إلينا
اغلاق
الكتابة المسمارية.. إليك أبرز ألغازها وأسرارها

الكتابة المسمارية.. إليك أبرز ألغازها وأسرارها

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

من الحقائق التاريخية غير المعروفة هي إعجاب صدام حسين الشديد بالأدب القديم لحضارة بلاد الرافدين؛ يمكن لمس ولعه بالملاحم المكتوبة بالمسمارية -وهي أقدم أشكال الكتابة المعروفة في العالم- في جهوده الخاصة في كتابة الروايات الرومانسية والشعرية الرومانسية. مزجت رواية صدام حسين الأولى "زبيبة والملك" بين ملحمة جلجامش وألف ليلة وليلة، وجرى تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني ومسرحية موسيقية.

  

في الواقع، قيل إن صدام حسين كان منغمساً في روايته لدرجة أنه ترك الكثير من التخطيط العسكري لأبنائه والذي سبق حرب عام 2003. وتابع الكتابة في السجن على منضدة صغيرة كمكتب له. يقدم هذا المثال من النوع الحديث نظرة ثاقبة غير عادية في تناول الأدب المسماري في العصر الحديث بأساليب متنوعة.

   

صدام حسين، الرئيس العراقي السابق (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

كشف فك رموز اللغة المسمارية في أواخر القرن الثامن عشر -وهي قصة براعة وجرأة أكاديمية- عن "عصر منسي" وتحدى وجهة النظر التقليدية التوراتية للتاريخ. حتى أن أحد العلماء قد تم محاكمته بتهمة الهرطقة بدعوى العجائب التي كشف عنها في النص المترجم.

   

لأكثر من ثلاثة آلاف عام، كانت اللغة المسمارية هي اللغة الأساسية للتواصل في جميع أنحاء الشرق الأدنى القديم (الشرق الأوسط اليوم تقريباً) وإلى أجزاء من البحر المتوسط. إن هيمنة أسلوب الكتابة المسمارية في العصور القديمة قد دفع العلماء إلى الإشارة إليها على أنها "سيناريو الشطر الأول من تاريخ العالم المعروف". ومع ذلك، اختفت هذه الكتابة ولم تعد متداولة أو مفهومة بحلول عام 400 قبل الميلاد، ولا تزال مراحل وأسباب اختفائها غامضة إلى حد ما.

  

تتكون الكتابة المسمارية من حروف منقوشة على ألواح طينية (غالباً ما تشبه العلامات التي تصنعها خدوش الدجاج في الطين). نجى جزء كبير من الألواح المسمارية خلافاً لغيرها من وسائل الكتابة القديمة كالبرديات أو لفائف الجلود المستخدمة في اليونان القديمة وروما. وقد تم انتشال مئات الآلاف من الألواح من دمار بلاد الرافدين.

 

وتستمر الاكتشافات الناتجة عن استعادة الألواح المسمارية في الظهور بطرق غير متوقعة ومثيرة؛ في آب/أغسطس من عام 2017، تصدر علماء الرياضيات في جامعة أسترالية عناوين الصحف العالمية من خلال اكتشافهم الذي يتضمن لوحاً طينياً عمره 3700 عاماً يحتوي على جدول مثلثي. وقال الباحثون إن الجدول المكتوب باللغة المسمارية يكشف عن فهم متطور لعلم المثلثات؛ حيث في بعض النواحي هو أكثر تقدماً من الرياضيات الحديثة!

   

ضياع في الترجمة

من الصعب المبالغة في تأثير الأدب المسماري في العالم القديم. تمت كتابة العديد من اللغات في جميع أنحاء منطقة جغرافية واسعة على مدى آلاف السنين في المسمارية، بما في ذلك السومرية والحثية (أو الحيثية) والحورية والأكادية. ومن بين هؤلاء، أصبحت اللغة الأكادية -وهي لغة مبكرة للعربية والعبرية- لغة مشتركة للشرق الأدنى بما في ذلك مصر خلال العصر البرونزي المتأخر. تم استخدام الكتابة المسمارية للحفاظ على المراسلات الملكية الرسمية بين قادة الإمبراطوريات، وفي المعاملات البسيطة وحفظ السجلات التي كانت جزءاً من الحياة اليومية أيضاً. بمرور الوقت، انتقلت مهارة الكتابة خارج المؤسسات الرئيسية للمدن -مثل المعابد والمدارس الكتابية- إلى أيدي المواطنين وكذلك في المنازل الخاصة.

    

    

على الرغم من هيمنتها في العصور القديمة، توقف استخدام الكتابة المسمارية بالكامل عند مرحلة ما بين القرن الأول والثالث الميلادي. شهدت الإمبراطوريات العظيمة في الشرق الأدنى القديم تراجعاً على مدى قرون عديدة، مما أدى في نهاية المطاف إلى فقدان الكتابة الهيروغليفية المصرية والمسمارية كلغات مكتوبة.

 

بدأ مجال تأثير الكتابة المسمارية بالانكماش بعد القرن السادس قبل الميلاد، قبل أن يتلاشى بالكامل. رافق اختفاء الكتابة المسمارية فقدان التقاليد الثقافية في بلاد الرافدين من العوالم القديمة والحديثة وربما أنه ذلك يسّر عملية اختفاء هذه الكتابة. هناك العديد من المدارس الفكرية حول اختفاء الكتابة المسمارية، بما في ذلك المنافسة مع اللغات الأبجدية (حيث تتوافق الحروف مع الأصوات) مثل الآرامية واليونانية، وتراجع تقاليد الكتابة. ومع ذلك، فإن عملية الانتقال من المسمارية إلى الأبجدية لم يتم بعد فهمها بوضوح.

  

فك رموز الشفرة

وصف عالم الحضارة السومرية صموئيل نوح كريمر استعادة أنظمة الكتابة المسمارية بأنه "إنجاز بليغ ومذهل لعلوم القرن التاسع عشر وللإنسانية". في القرن الخامس عشر، تمت مشاهدة النقوش المسمارية في برسبوليس (تخت جمشيد) في إيران المعاصرة. لم يتم التعرف على الخطوط المنقوشة للنص على الفور على أنها كتابة. تم إطلاق اسم "مسمارية" (الكلمة اللاتينية التي تعني "على شكل إسفين") على الكتابات غير المفككة من قبل أستاذ جامعة أكسفورد توماس هايد في عام 1700.

  

نظر هايد إلى العلامات المسمارية على أنها لغة زخرفية بدلاً من لغة ذات رسالة؛ والتي كانت وجهة نظر واسعة الانتشار في الأوساط الأكاديمية في القرن الثامن عشر. على الرغم من بعض الجهود المبذولة لتعميم الاسم "كتابة السهم"، اكتسبت الكتابة "المسمارية" قبولاً عاماً. لكن بقيت الكتابة المسمارية مشفرة، وباتت روائعها القديمة مدفونة وغامضة.

     

    

يعود الفضل الكبير في فك رموز اللغة المسمارية في العصر الحديث لحكام الأسرة الأخمينية الفارسية، الذين حكموا في ما يعرف اليوم بإيران في الألفية الأولى قبل الميلاد. صنع هؤلاء الحكام نقوشاً مسمارية تسجل إنجازاتهم. من أهم هذه النقوش لفك رموز النصوص المسمارية هو نقش بيستون الذي دَوَّن نفس الرسالة بثلاث لغات: الفارسية والعيلامية والأكادية. نحت هذا النقش بثلاث لغات في وجه جرف في بيستون في غرب إيران الآن.

 

تفصيلاً للنجاحات التي حققها الملك داريوس الأول من بلاد فارس، نُقِش نقش بيستون على صخرة تبعد حوالي مئة متر عن الأرض حوالي عام 520 قبل الميلاد. في عام 1835، كان هنري كريزيك رولنسون يقوم بتدريب قوات شاه إيران عندما صادف النقش. من أجل الوصول إلى الكتابات وتدوينها، كان على رولنسون أن يتدلى من المنحدرات، أو أن يقف أعلى درجات السلم الطويل. عبر هذه المواقع المحفوفة بالمخاطر، قام بنسخ أكبر قدر ممكن من الكتابة.

  

وقد ساعد "فتى كردستاني" -لم يذكر اسمه التاريخ- في المسعى الجريء لرولنسون. وقيل إن الصبي استخدم أوتاداً حفرت في الجدار الصخري كمثبتات للتأرجح عبر المنحدرات والوصول إلى أجزاء الكتابة التي يتعذر الوصول إليها. بدأ رولنسون عند عودته لوطنه العمل على فك سر النص المفقود، وربما كان  شبل الأسد الذي اقتناه كحيوان أليف إلى جانبه. من بين اللغات الثلاث، كانت اللغة الفارسية القديمة أول ما قام رولنسون بفك شفرته. اكتسب الباحثون الذين يعملون على فك الشفرة حساً بالتسلسل الزمني للنقوش وأدركوا ببعض العلامات المتكررة، وبالتالي فهم شيء من محتوى الكتابات وبنيتها.

 

إن وجود قوائم الملك في نقش بيستون -والتي يمكن مقارنتها بالقوائم الموجودة في كتاب تاريخ هيرودوت- يوفر نقطة مرجعية لفك رموز العلامات. كما تم مراجعة مؤرخين يونانيين آخرين والكتاب المقدس في هذه العملية. من خلال مساهمات عدد من العلماء في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأت الكتابة المسمارية في الكشف عن أسرارها ببطء.

   

نقش بيستون، غرب جمهورية إيران (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

غالبًا ما تقارن أهمية نقش بيستون في ترجمة الكتابة المسمارية بأهمية حجر رشيد لفك رموز الهيروغليفية المصرية. في السنوات الأخيرة، كان النقش هو محور الجهود الترميمية بعد المعاناة من أنواع مختلفة من الضرر لا سيما عندما استخدمت قوات الحلفاء الكتابة للتدرب على التصويب خلال الحرب العالمية الثانية. أضحى نقش بيستون الآن أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو.

 

خلافات على الكتابة المسمارية

مع تطور فك الشفرة، تطورت الانقسامات في المجتمع الأكاديمي حول ما إذا كانت الجهود المبذولة لفك شفرة الكتابة المسمارية قد تكللت بالنجاح. ينبع جزء من الجدل من التعقيد الشديد لنظام الكتابة؛ تتكون اللغات المسمارية من مجموعة من العلامات، ويظهر معنى هذه العلامات قدراً كبيراً من التنوع. في اللغة الأكادية، قد تحتوي العلامة المسمارية على قيمة صوتية -ولكنها ليست دائمًا ذات القيمة الصوتية- أو قد تكون عبارة عن رسم بياني أو ترمز إلى كلمة (مثل "المعبد") أو تكون إشارة حاسمة لمكان أو وظيفة مثلاً. مما يضفي على ترجمة الكتابة المسمارية جودة أشبه بالأحجية. يجب أن يحدد المترجم قيمة العلامة التي تبدو مناسبة للسياق.

 

ربما كان لدى بعض العلماء أسباب معقولة للتساؤل حول فك رموز اللغة المسمارية. رأى آخرون وجهة نظر غير دقيقة بأن الآشوريين القدماء كانوا يفتقرون إلى القدرة على فهم مثل هذا النوع من نظام الكتابة الصعب. لحل الخلاف، اقترح العالم البريطاني وليم فوكس تالبوت نوعاً من المنافسة المسمارية.

  

بالإضافة إلى ذلك، تسبب محتوى الأدبيات في وقوع خلاف في المجتمعات الأكاديمية في القرن التاسع عشر. قبل إعادة اكتشاف الكتابة المسمارية، كان المصدر الأبرز للشرق الأدنى القديم هو الكتاب المقدس العبري. رحب الكثيرون بقدرة الأدب المسماري على توفير منظور جديد للتاريخ الغني لمصر وبلاد الرافدين، ولكن نظر آخرون إليها بشك. بالنسبة للبعض، أثارت ترجمة الكتابات المنسية طويلاً إمكانية وجود صراع بين المصادر المسمارية والأدب التوراتي.

  

ربما يمكن رؤية أحد من أكثر الأمثلة العلنية لهذه التوترات في الأوساط العلمية في سيرة ناثانيل شميت من جامعة كولجيت. تمت محاكمة شميت بتهمة الهرطقة في عام 1895 بسبب رؤية أن العديد من ترجماته للكتابة المسمارية تبدو مخالفة للتقاليد التوراتية. تم عزله من منصبه في جامعة كولجيت في عام 1896. بعد إقالته، قامت جامعة كورنيل بتوظيف الباحث البارز (جعل رحيله المثير للجدل من كولجيت تعيينه في كورنيل بمثابة "صفقة") ، حيث قام بتدريس العبرية والعربية والآرامية والقبطية والسريانية والعديد من اللغات القديمة الأخرى.

    

جامعة كولجيت الأميركية  (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

من المسمارية إلى النجوم

لقد أتاح استعادة اللغة المسمارية الوصول إلى غيض من فيض، بما في ذلك مئات آلاف السجلات القانونية والاقتصادية والنصوص الطبية-التعويذية والنبوءات والتكهنات وأدب الحكمة والتهويدات، وقد وجدت روائع الأدب القديم -مثل ملحمة جلجامش وهبوط عشتار إلى العالم السفلي "هبوط إنانا" وقصة الخلق البابلية "إنوما إليش"- جماهير جديدة في يومنا هذا. يمكن للمرء الآن حتى العثور على رقائق محلّاة على شكل ألواح مسمارية (بسكويت كوكيز). وقد ساعدت الكتابة المسمارية أيضاً بحل ألغاز علمية. وساعدت السجلات البابلية لكسوف الشمس -المكتوبة بالكتابة المسمارية- علماء الفلك على معرفة مقدار تباطؤ دوران الأرض.

 

لقد أعاد فك رموز النص المسماري فتح حوار خالد وراء الحضارات القديمة والحديثة، مما وفر فرصاً متواصلة لفهم العالم من حولنا وما وراءه بشكل أفضل.

----------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار