انضم إلينا
اغلاق
لغة المنام.. ما الذي تقوله لنا أحلامنا المتكررة؟

لغة المنام.. ما الذي تقوله لنا أحلامنا المتكررة؟

كاميليا حسين

كاتبة مهتمة بشؤون الأسرة والعلاقات وأساليب الحياة الحديثة
  • ض
  • ض

"أحلم دائما بمدرستي الابتدائية، بجلوسي في الصف للاختبار، والوقت يمر وأنا لا أستطيع الإجابة، دقات قلبي تتسارع والخوف يداهمني والوقت يدهسني بلا فائدة". "في الحلم أجد نفسي عاريا فجأة في مكان عام، ورغم ذلك لا أحد يلاحظ، أشعر بالخجل الشديد ولا أستطيع التصرف". أظهرت الأبحاث وجود تشابهات وسيناريوهات متكررة للأحلام بين أفراد من ثقافات وخلفيات متعددة ومختلفة، وتوصلت نتائج هذا الاستبيان الذي أُجري في عام 2003 إلى أن أكثر سيناريوهات الأحلام شيوعا هي: أن يرى الشخص نفسه مطاردا، السقوط من مكان مرتفع، الحلم بالاختبارات الدراسية، الأحلام الجنسية.(1) السؤال الذي يتبادر بأذهاننا جميعا، إذا كان الكثير من الناس يحلمون بأحداث متشابهة، فهل هناك معنى وراء هذه الأحلام؟ وهل لها دلالات نفسية معينة؟

 

منذ البداية.. محاولات البحث عن معنى

لطالما افتتن البشر بعالم الأحلام الغامض وحاولوا فك رموزه، وفي كثير من الثقافات القديمة اعتُبِرَت الأحلام رؤى مقدسة، فسجّل الفراعنة أحلامهم على أوراق البردي، واعتقدوا بقدسية الأحلام وبأنها وسيلة مهمة لتلقي الوحي أو الإلهام من الآلهة، واستخدم الفراعنة معابد مخصصة لتلقي الأحلام، فكان الشخص الذي يريد تلقي رسالة أو وحيا من الآلهة عبر هذه المعابد يمر بمرحلة تطهيرية تشمل الصوم والانقطاع عن ممارسة الجنس لعدة أيام لتتطهر روحه وتستعد قبل الدخول إلى حرم المعبد. وقد عرف الفراعنة محاولات تأويل الأحلام وفك رموزها، وقد وجدت بردية في دير الملوك تُعرف بـ "كتاب الأحلام" وتعود لزمن رمسيس الثاني سجل فيها 108 حلم وتفسيراتها.(2)

    

بردية تعود إلى 1275 ق. م تقريبا (مواقع التواصل)

  

أما البابليون فقد آمنوا أيضا بوجود صلة قوية بين الديانة والأحلام، واعتقدوا بوجود فوارق بين أحلام العامة وأحلام الحكام. كما عرفوا الآلهة مامو التي كانت مهمتها درء الأحلام السيئة. اهتمت الحضارة اليونانية أيضا بالأحلام واعتبرتها رؤى ملهمة واعتقدوا بوجود هيبنوس إله النوم وأبنائه الثلاثة المسؤولين عن تشكيل الأحلام.(3) كما ظهر الرابط بين الأحلام والسماء كذلك في كتب الديانات السماوية الثلاثة، ففي الكتاب المقدس تُذكر الأحلام في عدة مواضع كوسيلة للوحي أو توجيه الرسائل السماوية: "وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى". (سفر يوئيل 2: 28)

 

كما نجد أن الأحلام وتفسيراتها تلعب دورا محوريا في قصة النبي يوسف عليه السلام في سفر التكوين: "إن يوسف ابن سبع عشرة سنة، وكان يرعى الغنم مع إخوته. وقد أحبّه أبوه أكثر من جميع بنيه لأنّه ابن شيخوخته. فأبغضه إخوته ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام. وحلم يوسف حلما أخبر به أباه وإخوته، فقال: إني حلمت حلما، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي. فازداد إخوته له بغضا، أما أبوه فقد انتهره وقال: هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك؟" (التكوين:37: 1-11). وتذكر القصة نفسها تقريبا في القرآن الكريم: "إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين"، "لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين، إذ قالوا لَيوسفُ وأخوه أحبّ إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين" (12 يوسف: 3-8).

 

أما في التراث العربي يحتل كتاب الأحلام المجموعة لابن سيرين مكانة خاصة واستثنائية، وقد اتبع عدة مناهج محددة للاستدلال على معاني الأحلام سواء عن طريق اشتقاقات الكلمات أو رموز الأعداد أو باستشهادات من القرآن الكريم.(4) مع قدوم القرنين التاسع عشر والعشرين تراجعت الأفكار الخارقة للطبيعة التي تربط الأحلام بالقوى العلوية أو السماوية، واتجهت لربطها بالذات والنفس. ففي كتابه "تفسير الأحلام" يشرح فرويد نظاما معقدا لتحليل الأحلام يرى من خلاله أن أحلامنا تساعدنا على التعرف عما في أعماق نفوسنا وعقولنا اللاواعية. ورأى أن الأحلام هي إشباع مقنَّع للرغبات المكبوتة، وقسّم محتوى الأحلام إلى محتوى صريح ومحتوى كامن.(5)

 

وعلى الرغم من تلك المحاولات لفك شفرات الأحلام سواء بنسبها إلى رسائل سماوية أو إلى الذات واللاوعي، فإن هناك الكثير من النظريات التي تفترض أن الأحلام مجرد عملية عشوائية بلا دلالة، فطبقا لآلان هوبسن وروبرت ماكلارلي تنشط الدوائر العصبية في الدماغ أثناء مرحلة حركة العين السريعة، أو REM، وهي مرحلة من مراحل النوم التي تتميز بكثرة النشاط الكهربي في الدماغ وتنشط اللوزة الدماغية والحُصين، وهي أجزاء دماغية تتدخل في المشاعر والأحاسيس والذكريات من الجهاز الطرفي، والحلم في هذه الحالة تفسير موضوعي وعشوائي للإشارات العصبية (لا خيالي، كما في نظرية التحليل النفسي) يقوم به الدماغ أثناء النوم.(6)

     

  

أما أرنست هوفمان، مدير قسم أمراض النوم بمستشفى نيوتون ويلسلي، بوسطن، فيقترح أن "الوظيفة المحتملة -مع أنها ليست مُثبَتة- للأحلام هي إدراج البيانات الجديدة إلى الذاكرة بطريقة تقلل من الإثارة العاطفية وتساعدنا على التأقلم مع الصدمات والأزمات".(7) وعلى الرغم من الأبحاث والنظريات الكثيرة حول الأحلام فإنها تظل مجرد افتراضات غير قاطعة.

  

هل الأحلام المتكررة مجرد شفرات بلا معنى؟

تبدأ الأحلام المتكررة في الظهور في أي مرحلة عمرية لكنها تستمر في مطاردتنا لفترات طويلة، فعلى سبيل المثال قد يبدأ سيناريو حلم التأخر على الامتحان أو عدم القدرة على الإجابة مع انقضاء الوقت في فترات الدراسة المبكرة، حيث يشعر الفرد بالضغط نتيجة الرغبة في الوصول لأفضل أداء، لكن هذا الحلم قد يتكرر في مراحل حياتية مختلفة، على سبيل المثال عند التقدم لوظيفة جديدة أو قبل السفر، حيث يتكرر الشعور بالضغوط والرغبة في تحقيق أداء أفضل. يصور سيناريو الحلم المتكرر صورة مركزية تضع سياقا لعاطفة أو صراع قوي أو صدمة مر بها الحالم، ويعكس تكرار الحلم محاولات الشخص للتكيف مع التجربة وتقبلها. ويعكس اختفاء الحلم مع مرور الزمن علامة جيدة على أن الشخص قد استطاع التكيف مع التجربة القاسية التي مر بها واستطاع تقبلها، وهو ما أيّدته الأبحاث التجريبية. فالأحلام المتكررة تعكس صراعا داخليا مستمرا، يعكس الحلم مسرحا لهذا الصراع، ومن هذا المنطلق فإن تتبع أحلامك والوعي بها وبما تعكسه قد يساعدك في عملية التعافي ومساعدة الذات. (8)

  

أشهر الأحلام المتكررة ودلالاتها

بعض المحللين يضعون تفسيرات حادة للأحلام، وكأنها رموز قائمة بذاتها ومنفصلة عن واقع الشخص وحياته وأفكاره ومخاوفه الشخصية، لكن التفسير أو التأويل الخاص بالحلم يختلف بحسب اختلاف الشخص واختلاف تجربته، وهو ما يجعل كلًّا منا معجما مفسرا ﻷحلامه. لكن هناك بعض التأويلات الواسعة والعريضة لبعض الأحلام المتكررة، والتي قد تكون مجرد إرشادات تساعدك على فك رموز الحلم وقراءته من خلال واقعك وتجربتك الذاتية.

 

حلم السقوط

من أشهر الأحلام الشائعة حلم السقوط من مكان مرتفع، وغالبا ما يشير إلى الخوف من فقدان السيطرة، أو بالرغبة في الوصول للكمال والمثالية، كما قد يشير إلى الرغبة في التحرر من المسؤوليات وعدم القدرة على الاسترخاء، قد يتعلق الأمر بحياتك الوظيفية أو بعلاقاتك الشخصية، أو بالأمور المالية.(9)

    

   

حلم سقوط الأسنان

من الأحلام الشائعة أيضا الحلم بسقوط أحد الأسنان أو تآكلها، قد لا يكون لهذا الحلم أبعاد نفسية، فقد يرتبط بمشكلة "الجز/الضغط على الأسنان أثناء النوم" والتي يعاني منها البعض، أو ترتبط بمشكلات الأسنان في الحياة الواقعية.(10) ويفسره المحللون عدة تفسيرات، فبينما يرى البعض أن الأسنان تُمثّل رمزا للقوة والثقة وأن سقوطها في الحلم يدل على شعورك بفقدان الثقة أو التذبذب في منطقة معينة (11)، وهناك تفسيرات أخرى تربطها بوجود علاقة مكسورة في حياتك، بينما تربطها بعض التفسيرات بمنطلق فرويدي بوجود رغبات غير متحققة.(12)

  

حلم التعري في مكان عام

يتفق أغلب المحللين على أن هذا الحلم يدل على الشعور بالضعف والقلق، وقد يرتبط هذا الحلم بتعرضك لموقف غير معتاد أو مرورك بتجربة جديدة، فالملابس هي الحاجز الواقي الذي يحمي الهشاشة الداخلية للإنسان من التعري أمام الآخرين.(13)

   

حلم اختبارات المدرسة

الحلم بأنك متأخر على الاختبار أو لا تستطيع الإجابة والوقت يمر يشير إلى التوتر والشعور بالضغط والرغبة في تحقيق الكمال في المهام الموكلة إليك، ويرتبط عموما بالضغوط والرغبة في تحقيق أفضل النتائج.

  

حلم المطاردة

أن ترى نفسك مطاردا سواء من شخص أو شيء تراه وتعرفه في الحلم أو لا يمكنك رؤيته يعد واحدا من أكثر الأحلام شيوعا، وقد يرتبط هذا الحلم بوجود مخاوف أو مشاكل تهرب من مواجهتها، وربما يكون إشارة تنبهك لضرورة التوقف والاستدارة لمواجهة ما يخيفك ومحاولة حله أو التصالح معه.(14) ربما لم يتوصل علم النفس بعد لنتائج قطعية فيما يخص دلالات الأحلام، إلا أن ما تقدمه الأحلام لنا من عالم مليء بالغموض والأسئلة يستحق التوقف عنده قليلا وطرح الأسئلة على النفس ومحاولة فهم بعض ما تقوله لنا أحلامنا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار