انضم إلينا
اغلاق
"الوجه المظلم لمحاضرات تيد".. هل هي أفكار تستحق الانتشار فعلا؟!

"الوجه المظلم لمحاضرات تيد".. هل هي أفكار تستحق الانتشار فعلا؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"بشكل متحمس، نحن نؤمن بقدرة الأفكار على تغيير سلوكنا، حياتنا، والعالم كله. لذا فإننا نبني هنا مكانا لتبادل المعرفة المجانية المقدمة من أكثر مفكري العالم إلهاما، لصنع مجتمع من المتعطّشين لمشاركة الأفكار مع الآخرين".

 بيان(1) أهداف "تيد"

     

في مايو/أيار 2010 وقف المهندس المصري إبراهيم كريم، على منصة "تيدكس القاهرة" في مبنى الجامعة الأميركية بالمدينة المزدحمة، ليتحدث(2) أمام جمهور عريض عن إنجازاته الكبيرة فيما يُسمى بهندسة التشكيل الحيوي أو "البيوجيومتري"، العلم الذي يقول كريم إنه يهتم بدراسة اهتزازات الطاقة الصادرة عن الأشكال والألوان والأصوات، بحسب تلك الفكرة يمكن لنا هندسة بعض الهياكل الخشبية بحيث تؤثر على سلوكنا، فتجعلنا أكثر سعادة أو حزنا، كذلك يمكن لها أن تحافظ على الماء فلا يأسن لآلاف السنين!

 

تلك الأشكال، بحد تعبيره بالعامية المصرية، "بتغيّر البيئة، وبتصلّح كل حاجة"، خلال الكلمة التي استمرت مسافة نصف الساعة يكرر كريم ذلك التعبير بأكثر من صورة، بل ويصل الأمر لدرجة أنه ادّعى أن تلك التصميمات الهندسية تعالج نوبات الصرع بشكل كامل، في أثناء ذلك ينتقل إلى حديث عن الفراعنة وكيف أنهم عرفوا هذا العلم قبل آلاف السنين، تدفعنا تلك الدرجة من التعميم والتعظيم إلى سؤال مهم: هل تلاحظ شيئا ما؟

 

   

بالضبط، تلك النوعية من الادعاءات الشاهقة جدا هي إحدى العلامات المميزة للعلوم الزائفة، هندسة التشكّل الحيوي ليست إلا أحد فروع التنمية البشرية الشهيرة والتي تُمثّل مجموعة من الادعاءات "الطاقية" غير المنشورة في أي مجلة علمية محترمة، لكن المشكلة التي تواجهنا مع محاضرة كريم هي أنها لا تُعرض على حساب فيسبوك الخاص به، أو في قناة يوتيوب تابعه له، بل في محاضرات تيدكس، الديانة الجديدة التي يؤمن بها العالم المعاصر.

 

إمبراطورية "تيد"

حسنا، لفهم ما نقصد دعنا نبدأ من العام 1984، في تلك اللحظة التي بدأت فيها مؤتمرات "تيد" بالظهور. آنذاك، لم يكن أحد ليتصور أن تلك المجموعة من المؤتمرات السنوية التي تجمع بضع مئات من الأشخاص في كاليفورنيا سوف تصبح ظاهرة عالمية ذات عائدات تبلغ أكثر من 60 مليون دولار(3). في عام 2006، قررت المنظمة غير الربحية إتاحة جميع محاضراتها مجانا على الإنترنت، ثم باتت تُترجم إلى أكثر من مئة لغة، وبعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ سمحت "تيد" للمؤسسات الأخرى أو الأفراد بالحصول على الترخيص المجاني لإقامة مؤتمرات "تيد" تحت اسم "تيدكس" (TEDx)، هنا انطلقت ظاهرة "تيد" في كل مكان.

 

في العام 2014 وصل(4) عدد محاضرات "تيد" إلى 30 ألف محاضرة من 130 دولة، لكنه وصل إلى 100 ألف محاضرة بعدها بثلاث سنوات فقط في 2017. شوهدت محاضرات "تيد" أكثر من بليوني مرة، مع عدد متابعين يُقدّر بالملايين، من كل الثقافات والدول، أنت تعرف ذلك وتلاحظه في كل مكان، لم تعد "تيد" مؤتمرا سنويا للحديث عن الإبداع في التكنولوجيا، الترفيه، والتصميم (الحروف الثلاثة الأولى من الشعار TED)، بل أصبحت بشكل ما بديلا عن المحاضرات الفعلية، يتلقى الجميع المعرفة والإلهام منها، بل وظهر نوع جديد رائج من التقارير التي ترشح لك أفضل محاضرات "تيد"، ونمت ظاهرة جديدة تطالب الشباب بمشاهدة محاضرة "تيد" واحدة على الأقل يوميا أو 10 كل شهر بحد أقصى، لكن، ما نتائج ذلك كله؟

   

   

دعنا نُعيد صياغة ذلك السؤال بطريقة أخرى: خلال أكثر من 30 سنة مضت، شمل العقد الأخير منها توسعا استثنائيا لنشاطات المنصة، بعد عشرات الآلاف من المحاضرات عن الإبداع والارتفاع بالخيال حد السماء وكسر الحواجز والتحفيز اللانهائي الذي تضعه "تيد" في عقول وقلوب المتفرّجين، بعد آلاف الابتكارات الجديدة التي تطرحها "تيد" في مجالات التكنولوجيا والعلوم والإدارة وتطوير الذات، ما الذي تغير في العالم؟ هل تحققت نبوءات كل تلك المحاضرات التي تتحدث عن تكنولوجيا خارقة وأنظمة إدارية فائقة الفاعلية وتجارب جديدة ستحيل الإنسان إلى نسخة جديدة من البطل الخارق (سوبرمان)؟

 

لا، في الحقيقة، لم يحدث أي من تلك التوقّعات بعد، العالم لم يتحول إلى جنة وردية كتلك التي ألقت بها محاضرات "تيد" في وجوهنا، لكن لفهم السبب في ذلك دعنا نذهب الآن إلى موقع "تيد"، تحديدا نقصد ذلك الإعلان(5) الذي تتنصل فيه المؤسسة من العلوم الزائفة قائلة إنه مع نمو الحركة الإضافية "تيدكس" (TEDx) على مستوى عالمي، تم استهداف بعض الأحداث المحلية من قِبل متحدثين يقدمون ادعاءات غير مدعومة بأدلة قوية حول مجالات العلوم والصحة، بعد ذلك تؤكد المؤسسة على أن المبادئ التوجيهية لها تفرض أن تكون المعلومات العلمية والصحية المُقدمة خلال محاضراتها مدعومة ببحوث تمت مراجعتها، ثم تطالب الناس بإعلامها عن أي محاضرة تدعم علوما زائفة.

  

  

الزيف المعاصر

لكن هذا الكلام قد يبدو غريبا بعض الشيء إن قررنا، على سبيل المثال، أن نتأمل قائمة المحاضرات الخمسة والعشرين الأكثر رواجا(6) في موقع "تيد" نفسه، ولنبدأ بمحاضرة "لغة جسدك تشكل ذاتك" (Your body language may shape who you are) لـ "أمي كادي" متخصصة علم النفس الاجتماعي من برينستون. كانت تلك المحاضرة، في العام 2012، لا شك لحظة فارقة في حياة "كادي" التي انتقلت، في ليلة وضحاها، لتصبح من مشاهير العالم، شاهد تلك المحاضرة أكثر من 50 مليون شخص، وهي تحتل المركز الثاني في أكثر محاضرات "تيد" مشاهدة منذ بدايتها وإلى لحظة كتابة هذه الكلمات، لكن هناك مشكلة واحدة، وهي أن ادعاءات "كادي" في محاضرتها لم تكن مدعومة بأدلة علمية.

 

تبدأ "كادي" حديثها بإشارة إلى أهمية التعامل مع لغة الجسد بدرجة أكبر من الاهتمام لأنها بالفعل مؤشر قوي على حالتنا النفسية، لكن المشكلة تظهر حينما تُقدم على قفزة شاهقة للغاية تقول فيها إن هناك إمكانية أن تؤثر لغة الجسد الخاصة بنا في تغيير سلوكنا، بمعنى أوضح، تقصد "كادي" أنه يمكن لبعض الحركات، أو الممارسات الجسدية، أن تخلق سلوكا جديدا في حياتنا وتغير من حالاتنا النفسية. بعد الانتشار الاستثنائي لمحاضرة "كادي" في "تيد"، بدأ الهجوم بالقوّة نفسها.

 

خلال السنوات الست التالية للمحاضرة، ومع الشهرة المتصاعدة لاصطلاح "قوة التظاهر" (Power of Posing)، ما يعني اتخاذ أوضاع جسدية محددة لخلق حالة نفسية أفضل، انهالت الدراسات(7،8،9،10) التي تحاول تكرار نتائج "كادي" من كل حدب وصوب، لتؤكد في مجموعها أن النتائج التي تحدثت عنها لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية، ولا يمكن تكرارها. آخر(11) تلك الدراسات صدر قبل عام واحد فقط لتضع نهاية لادعاءات "قوة التظاهر" حينما أوضحت أن الشعور بالقوة الناتج عن اتخاذ أوضاع جسدية محددة -مسمار جحا الذي تمسكت "كادي" به في السنوات الأخيرة- لا يمكن ترجمته إلى سلوكيات قوية أو فعّالة.

 

من جهة أخرى، فإنه في المرتبة الثالثة لأكثر محاضرات "تيد" مشاهدة سوف نلتقي بـ "كيف يلهم القادة العظماء أفعالهم" (how great leaders inspire action)، لسيمون سينيك، المؤلف البريطاني-الأميركي، والمحاضر التحفيزي (تلك هي وظيفته حاليا)، والمستشار التنظيمي للشركات. في محاضرته التي تخطى عدد مشاهداتها 43 مليون مرة، يتحدث سينيك عن الكيفية التي يمكن بها أن تبني الشركات الرائدة رسالتها الملهمة عبر ما يسميه "الدائرة الذهبية" (Golden Circle) والتي تبدأ بالسؤال (لماذا نفعل ذلك؟)، سينيك يقدم لنا في هذه المحاضرة ما يسميه "اكتشافا شخصيا" لا يعرفه سوى مجموعة قليلة جدا من الناس، وهو سبب نجاحهم.

   

     

قد يبدو ذلك ملهما حقا، قد يكون مفيدا للبعض على مستوى شخصي وربما على مستوى شركته الخاصة، ورغم أن علوم الإدارة والاقتصاد لا تعترف بهذا النموذج ولا تراه بوضوح(12) ولا تستخدمه الشركات في أثناء بناء لبناتها الأولى، فإن المشكلة مع هذه المحاضرة تظهر، كالعادة، في تلك النقطة التي يبدأ فيها سينيك بالحديث عن أن نظريته، تلك التي اكتشفها بنفسه، توجد بداخل أدمغتنا(13،14) وخلايانا العصبية، من هنا يلقي سينك إليك ببعض الاصطلاحات من علوم الأعصاب، إنها تلك النقطة التي تبدأ الثقة بالتسرّب شيئا فشيئا إليك، فالرجل -كما ترى- يتحدث بلغة علمية بحتة، أليس كذلك؟!

 

أما في المركز التاسع من قائمة أكثر المحاضرات مشاهدة على مر التاريخ من "تيد" فسوف ترى وجها قد يكون مألوفا بعض الشيء، إنه المروج(15،16) الأكثر شهرة لأحد العلوم الزائفة (البرمجة اللغوية العصبية)، توني روبينز مدرب التنمية البشرية الكبير والذي يصل ثمن تذكرة تدريبه السنوي إلى 500 دولار لليوم الواحد مع وعد باجتياز التجربة الأكثر غرابة في حياتك، السير على الفحم المشتعل حتّى 1000 درجة مئوية بينما تملأ دماغك بأفكار إيجابية، لكن ما نعرفه هو أن الأمر لا علاقة له بالأفكار الإيجابية. الفحم، ببساطة، موصّل رديء للحرارة، يشبه الأمر أن تُخرج "الكيك"، أي نوع من الكيك، من الفرن وتلمسه سريعا بإصبعك، لن تشعر بشيء.

 

محاضرة روبينز في "تيد"، تلك التي شاهدها أكثر من 23 مليون شخص، تحمل عنوان "لماذا نفعل ما نفعل؟" (Why We Do What We Do?)، على مدى نحو عشرين دقيقة يستخدم روبينز لغة تظهر أنها علمية في محاولة لتوضيح أسباب فشلك بالحياة، ولم لا تتمكن بسهولة من اتخاذ قراراتك الصعبة، معرفا نفسه بأنه "رجل إيجاد الأسباب" الذي يعتقد أن مشاعرنا هي ما يقودنا لاتخاذ قراراتنا وأنه اكتشف ذلك عبر مختبر خاص به يسأل الناس "لم يفعلون ما يفعلون؟"، مع ملاحظة أن هذا السؤال عنوان المحاضرة هو ببساطة هدف لم يتمكن علم كامل من الوصول إليه بعد، نعرفه باسم "علم النفس"!

 

نتحدث هنا، فقط، ضمن نطاق أكثر المحاضرات مشاهدة من "تيد"، تلك التي تضعها المؤسسة في موقعها الرئيسي على الإنترنت، أما إذا قررت البحث(17،18،19،20) قليلا عن باقي محاضرات "تيد"، أو محاضرات "تيدكس"، الزائفة والجدل القائم حولها، خاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا، فسوف تجد الكثير لدرجة دفعت فيل بلايت(21)، مقدم العلوم الشهير، على سبيل المثال، إلى الخجل لأن بعض المحاضرات التي قُدّمت في المؤتمر نفسه الذي كان يقدم فيه محاضرة عن الكويكبات تحدثت في أمور لا توجد أدلة علمية على صحتها، لكن المشكلة التي تواجهها "تيد" أكبر من أن تكون مجموعة من المحاضرات الزائفة التي يجب أن تُزال من قوائم "تيد" لكي تصبح منصّة مثالية، المشكلة -على ما يبدو- في "تيد" نفسها.

 

    

مشكلة "تيد" هي "تيد"

تُبنى محاضرات "تيد" بالأساس على ثلاث(22) قواعد، إذا وُجدت في المحاضرة فإنها تمر إلى عالم "تيد"، أما إذا لم توجد فسوف تُستبعد. القاعدة الأولى هي أن تكون الفكرة مختلفة، تدفع الناس لرؤية العالم بشكل مختلف، والثانية هي أن تقدم حلولا لمشكلات جمهور "تيد" أو تعرض مستقبلا أفضل لهم، أما الثالثة فهي أن تكون المحاضرة مُلهمة، تُبنى بطريقة تدفع الجمهور للحماس، لذلك هناك شرط رئيسي في محاضرات "تيد"، إذا وددت أن تقوم بتقديم واحدة، وهي أن تُقدّم فكرتك من خلال تجربتك الخاصة، بمعنى أن تعمل على تقديم فكرتك، مهما كانت دقيقة التخصص، وكأنها الكشف الذي غيّر مسار حياتك.

 

لذلك فإن محاضري "تيد" لا يظهرون فجأة لتقديم المحاضرة يوم المؤتمر، وإنما يسبق ذلك فترة تمتد إلى ثلاثة أشهر من التجهيز والتدريب. في البداية يقدم المحاضر نسخا أوّلية من نص مادته، يتم تعديلها بعد ذلك لتناسب سياسة "تيد" التي تضم بالطبع شرطا آخر، بجانب القواعد التي تحدثنا عنها قبل قليل، يتعلق بالحد الأقصى لمدة المحاضرة(23) (18 دقيقة)، بحيث لا تكون مملة. بعد ذلك، وفي الأيام السابقة للحدث يقوم المحاضر بعمل مجموعة من تجارب الأداء. خلال تلك الفترة من المفترض أن يحفظ المحاضر نص المادة المقدمة في محاضرة "تيد" أو "تيدكس" عن ظهر قلب.

 

لفهم هذا التأثير القوي للقواعد الثلاثة التي تحدّثنا عنها قبل قليل يمكن أن نقارن بين "تيد" وغيرها من المحاضرات التي تقدّم خدمات معرفية، كمحاضرات العلوم أو إدارة الأعمال أو التكنولوجيا، والفارق الأكثر أهمية يتعلّق بسؤال بسيط: "ما النقطة التي تستحق التركيز عليها؟"، في المحاضرة المعرفية تكون تلك النقطة هي "المعلومة" نفسها أو المفهوم المعرفي، أما في "تيد" فإن التركيز بالأساس يكون على الطريقة التي من خلالها يتم توصيل المعلومة للجمهور، يمكن أن نفهم تلك الفكرة بوضوح في المبدأ الذي صاغه مارشال ماكلوهان(24،25)، صاحب أكثر نظريات الاتصال الجماهيري جدلا في القرن الفائت، حينما قال إن "الوسط هو المحتوى" (the medium is the message)، ويعني ذلك أن الطريقة التي تُقدَّم بها الرسالة أو المحتوى جوهرية ومؤثرة في الجمهور بقدر أهمية الرسالة نفسها.

 

 

يمكن القول إن "تيد" هي نموذج مثالي لما تحدث عنه ماكلوهان قبل عقود في كتابه "فهم وسائل الإعلام". إحدى العلامات، على سبيل المثال، هي الاهتمام الزائد من سياسة "تيد" بالعرض البصري المصاحب للمحاضرة، حيث يُفضّل أن يستخدم المحاضر أقل عدد ممكن من الكلمات، أو لا كلمات على الإطلاق، فقط مجموعة من الصور أو التصميمات ستكون مثالية. في محاضرة عادية سيكون الهدف الرئيس هو تقديم معلومة مدعّمة بأدلة قوية، أما في "تيد" فإن الهدف هو دائما، وفقط، جذب انتباه الجمهور طوال 18 دقيقة متواصلة.

 

لهذا السبب فإن "تيد" تتطلب وجود مُحاضر متمرس ومحترف في تقديم المعلومة، بغض النظر عن درجات صدق ودقة المعلومة نفسها ومدى أهميتها، وتلك هي مشكلة كبيرة تدفع بأباطرة العلوم الزائفة إلى "تيد"، لأنهم بالأساس محترفي "عرض"، وتدفع أصحاب الأفكار التي تستحق الانتشار حقا إلى تجنب "تيد" لأنهم ليسوا محترفي عرض.

 

بمعنى أوضح، سوف يجد مالكوم جلادويل سهولة شديدة في الدخول إلى عالم "تيد" عندما يقرر أن يشرح مفهومه عن حرية الاختيار في إطار حكاية عن صلصة المعكرونة وتنوع وصفاتها خلال أكثر من ثلاثين سنة مضت وتأثير ذلك على المجتمع الأميركي، أما أستاذ فيزياء من جامعة مغمورة، أو حتّى من معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا، وعلى الرغم من أنه كان قد ابتكر فكرة بديعة لشرح الأزمة التي تواجهنا حينما نحاول فهم طبيعة الجرافين (هل هو موصل فائق أم عازل ممتاز؟)، فسيكون من الصعب عليه أن يجد تلك الفرصة، لأنه "مُقدّم" رديء، ولسبب آخر مهم، وهو أن معلوماته قد لا يمكن تبسيطها إلى درجة "مجنونة" قد تُفقدها معناها.

   

ثورة التحفيز

هدف "تيد" الرئيس هو الإلهام، قد يكون ذلك أمرا جيدا، لكنه لن يُحسّن حياتك باتباعه واللهث وراءه، شيء واحد فقط يمكنه أن يفعل ذلك

مواقع التواصل
   

إحدى مشكلات "تيد" هي الميل(26) الواضح والصريح لتسطيح أو تخفيف الأفكار بدرجة مبالغة بحيث تتناسب مع قالب مُعد للترفيه اعتمادا على القواعد الثلاث السابقة. هذه الأفكار المبسطة للغاية، على أهميتها، قد تكون مؤذية بدرجة ما، فهي -أولا- تستلزم بذل جهد قليل من المتعلّم لفهمها وتحليلها أو حتّى إقامة قدر من الجدل حولها، بالتالي يمنح ذلك جمهور "تيد" إحساسا زائفا ببساطة العالم الحقيقي، ويعزز منهجا للتعلم، والتعامل مع العالم، نادرا ما يواجهه المرء في الحياة اليومية، كذلك فإن أناقة التصميم وحرفية النص والمحاضر يعطيان جمهور "تيد" صورة نهائية أفلاطونية من أشياء ليست كذلك، أضف إلى ذلك أنه من الضروري، حسب مفهوم "تيد" لتقديم المعلومة، أن تكون المحاضرة مفرطة في التفاؤل، بالتالي لن يُقدم المحاضر على عرض النقد الموجه لمشروعه، لكي يدفع بك إلى أجواء إيجابية.

 

لهذه الأسباب، لا تكون ظاهرة "تيد" منطقية إلا عندما تدرك أن الأمر كله يتعلق بالجمهور(27)، صممت تلك المحاضرات بالأساس لجعل الناس يشعرون بالرضا عن أنفسهم وبالذكاء وأنهم قادرون على تحقيق قدر عظيم من المعرفة عبر محاضرة صغيرة مدتها 18 دقيقة، أضف إلى ذلك نقطة أخيرة مهمة وهي أن ذلك يمنح الجمهور انطباعا بأنهم جزء من مجموعة النخبة، مما يجعل العالم -بالنسبة لهم- مكانا أفضل، فهم هناك بالأعلى مع أفضل سكّان الكوكب لأن قدراتهم العقلية تسمح بفهم إنجازات هؤلاء العظماء.

 

لكن التفاؤل له أضرار، أكثرها تأثيرا هو نتائج تلك الأفكار التي تقدمها محاضرات "تيد". على سبيل المثال، تهتم الكثير من محاضرات "تيد" بعرض ما تقدمه بعض الدراسات العلمية، أو في مجال التكنولوجيا، من احتمالات تشير -فقط تشير- إلى نتائج إحصائية منطلقة لصياغة المحاضرة بطريقة تبدو "تأكيدية"، لأن تلك هي طبيعة طريقة تقديم المحاضرة بالأساس في عالم "تيد"، هنا يتعامل الجمهور مباشرة مع المحاضرة على أن هذا هو ما يقوله العلم أو ما تنتجه التكنولوجيا بشكل مؤكد، ويتوقع بالفعل أن يتحسن العالم خلال سنوات قليلة، ثم يظل الشخص نفسه -لمدة 20 سنة مثلا- يسمع كلاما عن علاجات نهائية للسرطان واكتشافات نهائية لأصل الكون وأجهزة خرافية للتجسس فيتساءل في النهاية: هل العلم فاشل؟ هل يكذب علينا؟ هل سوف نظل 20 عاما أخرى نستمع لهم وننتظر أن تتحقق نتائجهم؟ هنا قد تتسبب "تيد" في ما يقف بالضبط على النقيض من هدفها، اليأس.

 

    

في تلك النقطة يمكن أن نتفهّم، بشكل جيد، ما يُقصد حينما نحاول أن نجيب عن سؤالنا الأول، لماذا لم يصبح العالم جنة بعد "تيد"؟ من المهم أن نتفاءل، ونعم، يمكن للأفكار أن تغير من سلوكنا، بحد تعبير "تيد"، لكن ليس الأمر بتلك البساطة التي تُكتب بها الكلمات أو تُنطق بها في المحاضرة، يجب أن يتوافق تفاؤلنا مع درجة تعقّد العالم(28)، وإلا سنواجه صدمة عنيفة حينما لا نتمكن بسهولة من تحقيق أي من تلك الأحلام المفرطة في التفاؤل، وهو ما نرى أنه قد حدث بالفعل، لقد أصبح دور "تيد" الرئيس، وربما الوحيد، بالنسبة لشباب العالم المعاصر، ليس تقديم المعلومة، كما تقول "تيد" في بيان أهدافها، بل هو فقط "التحفيز"، لكن التحفيز قد يكون ضارا أيضا.

 

بمعنى أوضح، قد تتصور للوهلة الأولى أن التحفيز يدفعك للفعل والإنجاز، لكن هل يفعل ذلك؟ في الكثير من الأحيان يدفعك التحفيز لتصوّر خاطئ عن "حدود" قدراتك، تلك التي ترتفع بها للسماء، مع تصوّر خاطئ آخر عن درجة "صعوبة" العالم نفسه، فتظن أن كل شيء ممكن، ما قد يصدمك في كل مواجهة مباشرة مع هذا الواقع. هنا يكون الدور الذي تلعبه "تيد" في حياتك هو على النقيض تماما مما تظن. نعم، هي تحفزك بالفعل، لكن حينما ينتهي تأثير التحفيز، والذي لا يتجاوز عدة أيام مع المواجهة الأولى ضد العالم الحقيقي، سوف تبدأ في الشعور بما يشبه أعراض الانسحاب، ستشعر أنك بحاجة إلى محاضرة جديدة تحفزك، هنا والآن. في تلك النقطة يتحوّل التحفيز إلى مخدر، تخرج من محاضرة تحفيزية إلى محاضرة تحفيزية أخرى، ولا تفعل ما هو أكثر من ذلك.

 

حسنا، "تيد" ليست شيطانا بالطبع، محاضراتها مفيدة في الكثير من الأحيان، ولا ندعوك للتوقف عن متابعتها، لكن ما نود أن نوضحه، ونؤكده في ظل تلك الموجة العالية من المطالبات باعتناق محاضرات "تيد" وكأنها ديانة تحفيزية جديدة، هو أن "تيد" لا يمكن أن تكون مصدر ثقة مطلقا، الآلية التي تعمل بها "تيد" تتعارض بالأساس مع مفهوم صدق المعلومة في جوانب معرفية عدة. هدف "تيد" الرئيس هو الإلهام، قد يكون ذلك أمرا جيدا، لكنه لن يُحسّن حياتك باتباعه واللهث وراءه، شيء واحد فقط يمكنه أن يفعل ذلك، وهو أن تقوم الآن وتعمل، بقدر ما يمكنك أن تبذل من جهد.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار