انضم إلينا
اغلاق
إبداع وخيال وتطوير للمهارات.. هل "ليغو" مجرد لعبة؟

إبداع وخيال وتطوير للمهارات.. هل "ليغو" مجرد لعبة؟

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض

"اللعب هو مكافأة خاصة بنا، نحن نقوم به لأنه يمنحنا شعورا جيدا. الرغبة في اللعب هي الطريقة الطبيعية لمساعدتنا على فهم العالم ومكانتنا فيه"

  

يستخف الكثير من الآباء باللعب وأهميته، ويعتبرونه رفاهية لا جدوى حقيقية منه، بل يراه البعض تضييعا لوقت أبنائهم -ممن في سنواتهم الدراسية الأولى- الذي يجب عليهم استثماره في مذاكرة دروسهم وحل واجباتهم المدرسية. لكن هذا ليس صحيحا إطلاقا! فاللعب هو ما يصنع شخصية الطفل في المستقبل، ويُعَدُّ بمنزلة الأساسات التي تساعد الأطفال على النمو والازدهار. لكن هل اللعب بهذه الأهمية فعلا؟ وماذا عن ألعاب "ليغو" الشهيرة التي تُظهر مزجها اللعب بتنمية الذكاء؟ هل هي مجرد ألعاب فقط، أم أن هناك ما هو أكثر؟

  

هل اللعب بهذه الأهمية حقا؟

تؤكّد عشرات الأبحاث والدراسات أن اللعب غاية في الأهمية للأطفال، فمن خلال اللعب يكتسب الأطفال مهاراتهم الحركية ويتعلّمون كيف تعمل عقولهم وأجسادهم. وبعد سِنّ السنتين، يبدؤون في رحلتهم المعقدة نحو تشكيل الشخصيات التي سيصبحون عليها في المستقبل من خلال اللعب أيضا. عندما يلعبون مع الأطفال الآخرين ويتعاونون معهم، يكتشفون كيف يفكّر الآخرون وكيف يشعرون، وتتطوّر عبر هذه العملية ثقتهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم، وتبدأ المهارات الاجتماعية في الظهور والتطور، ويتعلّمون كيفية إدارة الضغوط والقلق وعدم اليقين في الحياة، ويتعرّفون على معنى الانتماء والمحبة والشعور بالسعادة. كل هذه تتشكّل في صورها الأولية وعلى بساطتها، لكنها تنمو مع الوقت بصيغ أكثر تركيبا. (1) (2)

   

  

تقول جيسيكا ألكساندر، خبيرة التربية ومؤلفة مجموعة من كتب التربية الأكثر مبيعا في حوارها لـ "ميدان": "اللعب مفيد للأطفال بشكل لا يمكن تصوّره، قد يكون أحد أهم الأشياء التي يحتاج الطفل إلى القيام بها"، وأضافت: "يبني اللعب الإبداع، وينمي موضع السيطرة الداخلي -في علم نفس الشخصية هو الدرجة التي يعتقد بها الطفل أنه يسيطر على حياته وسعادته- ومهارات حل المشكلات، ومهارات التفاوض والتعاطف، والقائمة تطول. الكثير من المهارات اللازمة للوظائف في المستقبل يتم تعلّمها أثناء اللعب، ناهيك بحقيقة أن اللعب يعزز المزيد من الرفاهية عند الأطفال".

 

ما أنماط ألعاب "ليغو"؟

توفر شركة "ليغو" الدنماركية مئات الألعاب التي تناسب جميع الفئات العمرية للأطفال، بداية من الأطفال في سنتهم الأولى والثانية، حتى المراهقين فوق سن الثانية عشرة. تختلف الألعاب وفقا لمستوى التعقيد والمهارات الأساسية التي تركّز على تنميتها لدى الطفل. على سبيل المثال، تركّز الألعاب المناسبة للأطفال الذين يبلغون عاما أو عامين من العمر على تنمية المهارات الحركية الدقيقة.

  

وتركّز ألعاب البناء الأساسية المناسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات مثل "ليغو كلاسيك" و"ليغو سيتي" على تقديم الأطفال إلى تحدٍّ جديد من خلال إستراتيجيات البناء سهلة الإنشاء التي تطوّر إبداعهم. في حين تركّز الألعاب المناسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و8 سنوات مثل "ليغو كرييتور" و"ليغو ديزني" على تعزيز الخيال والإبداع عبر إلقاء الأطفال في عمق عالم من الألعاب الخيالية التي يمكنهم فيها إنشاء قصصهم الخاصة وإعادة بناء وإحياء شخصياتهم الخيالية المفضلة.

   

ألعاب "ليغو" لها دور حقيقي في تطوير مهارات الأطفال المختلفة، بداية من تنمية مهاراتهم المعرفية وقدرتهم على التعلّم، مرورا بتعزيز الإبداع والذكاء العاطفي

مواقع التواصل
     

بينما تركز الألعاب التي تستهدف الأطفال الأكبر سِنًّا بين 9 و11 عاما على تعليم الأطفال المزيد من الصبر والمثابرة، وتعزيز إحساسهم بالإنجاز. وتركز الألعاب الأكثر تقدما التي تستهدف الأطفال الذين تزيد أعمارهم على 12 عاما مثل مجموعة ألعاب "ليغو المعمارية" على إلهام المراهقين عبر التحدي وتعزيز مهاراتهم الهندسية، مع منحهم لمحات من العالم الواقعي عبر الألعاب. (3)

  

ألعاب ليغو وتنوع المهارات

خلال العام الماضي 2018، أصدرت شركة "ليغو" تقريرا تحت اسم "ألعب جيدا"، أجرته وكالة الأبحاث المستقلة "Edelman Intelligence" للكشف عن أهمية اللعب وفوائده على الأطفال والعائلات. شارك في التقرير الاستطلاعي نحو 9.249 شخصا من أولياء الأمور لأطفال تتراوح أعمارهم بين 18 شهرا و12 عاما في تسعة بلدان مختلفة هي: أميركا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والمكسيك، والدنمارك، وروسيا، والصين، والمملكة العربية السعودية.

        

   

طُلِب من الآباء والأمهات الرد على استبيان عبر الإنترنت تبلغ مدته نحو 15 دقيقة. كشفت نتائج الاستطلاع أن 96% من الآباء يعتقدون أن اللعب بألعاب "ليغو" يعزز الإبداع لدى أطفالهم، ويزيد مهارات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم ويشجعهم على الاختلاط بالآخرين والتعاون والعمل معهم. في حين يعتقد 95% منهم أن اللعب يعزز مهارات حل المشكلات الخاصة بأطفالهم، ويزيد من فضولهم وثقتهم.

  

 

    

بينما يعتقد 94% منهم أن اللعب يساعد أطفالهم على طرح الأسئلة وتكوين عقولهم الخاصة والتعلم من أخطائهم، ويعتقد 93% منهم أن اللعب يعزز الذكاء العاطفي لأطفالهم. (4) ورغم أن هذه الأرقام ما هي إلا اعتقادات خاصة بالآباء وأولياء الأمور، فإن ألعاب "ليغو" لها دور حقيقي في تطوير مهارات الأطفال المختلفة، بداية من تنمية مهاراتهم المعرفية وقدرتهم على التعلّم، مرورا بتعزيز الإبداع والذكاء العاطفي، وليس انتهاء بتنمية مهارات التخطيط وحل المشكلات.

 

أدوات تعليمية

رغم السمعة السيئة التي يكتسبها اللعب والألعاب بشكل عام من تضييع الوقت والتأثير على المستوى الدراسي، فإن ألعاب البناء والكتل مثل أغلبية ألعاب "ليغو" تُعتَبر بمنزلة أدوات تعليمية فائقة الفاعلية تطوّر عددا لا بأس به من المهارات الحركية والمعرفية واللغوية التي تنعكس بشكل مباشر على قدرة الأطفال التعليمية وتحقيقهم للنجاح في المدرسة. من المهارات الأساسية للأطفال في سن مبكرة وتُنمّيها ألعاب "ليغو" هي المهارات الحركية الدقيقة التي تساعد في تطوير القدرة العقلية للأطفال وتنمية ذكائهم.

  

  

ببساطة، المهارات الحركية الدقيقة هي قدرة الأطفال على تنسيق حركات عضلات الجسم الصغيرة مع العينين للقيام بأفعال صغيرة، مثل: التقاط الأشياء بين الإبهام والإصبع، أو الكتابة بدقة، أو حتى الرمش بالعين. تتكوّن كل لعبة من "ليغو" من عشرات حتى مئات القطع مختلفة الشكل والحجم والتصميم. يتطلّب تركيب هذه القطع ببعضها وإنشاء هياكل أكبر قدرة من الطفل على معالجة القطع وتغييرها وتدويرها لجعلها تناسب بعضها بعضا وتلتصق معا، وللقيام بذلك يستخدم الطفل عضلات الذراعين واليدين والأصابع ويقوم بالتنسيق بين حركاته، ما ينمّي مهاراته الحركية الدقيقة.

 

تُعتَبر المرونة المعرفية وقدرة الطفل على تحويل تركيزه بسرعة من محفز إلى آخر من المهارات الجوهرية التي تساهم في تحقيق النجاح الدراسي للأطفال في المدرسة. بحسب نتائج دراسة بحثية حديثة أجرتها الباحثة "سارة شميت" وزملاؤها في جامعة بيردو بولاية إنديانا الأميركية، ونُشرت في مجلة بحوث الطفولة المبكرة الفصلية منتصف العام الماضي 2018، فإن ألعاب البناء مثل "طوب ليغو" قادرة على تعزيز المرونة المعرفية للأطفال جنبا إلى جنب مع العديد من المهارات التعليمية الأخرى.

 

خصّصت شميت وفريقها مجموعة عشوائية من الأطفال يبلغ عددهم نحو 59 طفلا تراوحت أعمارهم بين 38 و69 شهرا، أشركتهم في جلسات يومية من اللعب الجماعي شبه المنظم بألعاب البناء. في الجلسات المبكرة، كانت المهام المطلوبة من الأطفال سهلة نسبيا مثل إنشاء مجسمات بسيطة، لكن عندما أصبح الأطفال أكثر دراية بالمواد والألعاب تم تكليفهم بمهام محددة أكثر صعوبة. لم يلاحظ الباحثون أي تغييرات جذرية مع مرور الوقت، لكن مع نهاية الدراسة أظهر الأطفال الذين شاركوا في الجلسات تطورا ملحوظا في مؤشرات المرونة المعرفية مقارنة بالأطفال في مجموعة المراقبة. (5)

    

  

ليس هذا وحسب، كشفت نتائج الدراسة ذاتها أن اللعب بألعاب البناء يساهم بشكل ملحوظ في تطوير مهارات الرياضيات لدى الأطفال. كما كشفت نتائج دراسة أخرى أُجريت في جامعة ألاباما في برمنغهام، شارك بها 80 طفلا تتراوح أعمارهم بين سنة و4 سنوات، أن مستويات اللعب الأكثر تعقيدا من ألعاب البناء خلال سنوات ما قبل المدرسة ترتبط بقدرة الأطفال على تحقيق نتائج أعلى للرياضيات في المدرسة الثانوية، ما يؤكد فاعلية ألعاب البناء في تحسين جاهزية الأطفال للتعليم المدرسي عبر تعزيز مهاراتهم المعرفية وعقليتهم الرياضية. (6)

  

تعقيبا على ذلك، تقول الكاتبة جيسيكا ألكساندر في حوارها لـ "ميدان": "تُعتَبر ألعاب ليغو بمنزلة طريقة رائعة لتعليم الأطفال مجموعة واسعة من المهارات بداية من حل المشكلات وليس انتهاء بالمهارات الحركية الدقيقة والتطور المعرفي. كما أنها وسيلة رائعة تجمع بين الآباء والأطفال للعب معا، ما يجلب المزيد من السعادة إلى العائلات"، وتضيف: "هذه الألعاب يمكن أن تكون أدوات تعليمية فريدة، فعندما يسمح الآباء لأطفالهم بالقيادة في عملية الإنشاء والبناء في ألعاب البناء من ليغو، يمكنهم تشجيع لبنة التعليم العالي عند الأطفال في الوقت المناسب".

 

ماذا عن الإبداع؟

عندما يتعلق الأمر بالإبداع، فإن ألعاب "ليغو" تتفوق بجدارة على أغلبية الألعاب الأخرى بفضل حالة اللعب الحر التي توفرها. تأتي كل لعبة من "ليغو" مع تعليمات وإرشادات لاستخدام هذه القطع في بناء نماذج ومجسمات مختلفة. يقوم الكثير من الآباء بإخفاء إرشادات البناء من أطفالهم، ومنح الأطفال الحرية الكاملة في إطلاق العنان لإبداعهم واستخدام مخيلتهم في إنشاء التصاميم التي يرغبون بها والتعلم من خلال التجربة والخطأ، دون وجود قيود على إبداعهم ولا حدود لما يمكنهم بناؤه، ما ينعكس على تعزيز الخيال وتطوير الإبداع.

   

  

بينما يقوم بعض الآباء بإطلاع أطفالهم على إرشادات البناء، ورغم رؤية الأطفال للنماذج التي يمكنهم بناؤها بقطع الألعاب، فإن هذا لا يُقيِّد إبداعهم ولا يكبح خيالهم إطلاقا، بل يُشجّعهم على إظهار طرق مختلفة لاستخدام قطع اللعبة، وإجراء تغييراتهم وتعديلاتهم الخاصة التي تُعبِّر عنهم وعن مخيلتهم. إلى جانب تعزيز الإبداع، تساهم ألعاب ليغو في تنمية الذكاء العاطفي والاجتماعي للأطفال عندما يلعبون أو يقومون بمشاريع بناء تعاونية مع آبائهم أو حتى مع أقرانهم.

   

أجرى الباحثون في جامعة لندن دراسة بحثية مستقلة استمرت لمدة 3 سنوات على مجموعة مكوّنة من 60 طفلا مصابين بدرجات مختلفة من طيف التوحد، للوقوف على تأثير اللعب الجماعي التفاعلي بألعاب "ليغو" على المهارات الاجتماعية للأطفال. كشفت النتائج التي نُشرت في مجلة "التوحد" عام 2006 أن الأطفال الذين شاركوا في جلسات اللعب الجماعي أظهروا تطورا ملحوظا في مجموعة واسعة من المهارات الاجتماعية مقارنة بمجموعة المراقبة. (7)

   

تتفق ألكساندر مع ذلك، فتقول في حديثها لـ "ميدان": "حسنا، هذا صحيح، يمكن أن تقوم ألعاب ليغو بتعزيز الإبداع وتنمية الذكاء العاطفي للأطفال. فعندما يلعب الأطفال معا (أو حتى مع آبائهم)، يجب عليهم التواصل مع بعضهم بعضا. فيخلق العديد من الأطفال أدوارا، ويخترعون جميع أنواع القواعد والعوالم المختلفة، ويعطون الغاية والمعنى للعبهم بطرق شتى، وكل هذه التجارب تعزز الإبداع وتنمي الذكاء العاطفي".

   

وتضيف: "ذلك لأن رغبة الأطفال في اللعب مع بعضهم بعضا تفرض عليهم ضرورة تعلّم الاستماع إلى الآخرين والتفاوض معهم وحتى إظهار التحكم في أنفسهم -قد يكونون لا يحبون لعبة معينة لكنهم يبقون مع الآخرين- لأنهم بحاجة إلى التعاون وحل القضايا معا. تتمتّع ألعاب ليغو بفرص لا حصر لها لتسهيل هذا النوع من اللعب الحر واستخدام الإبداع، الذي أصبح المهارة الأولى المطلوبة للوظائف في المستقبل".

  

التخطيط ومهارات حل المشكلات

  

تقوم ألعاب "ليغو" بدور محوري كذلك في تعزيز مهارات التخطيط وتنمية مهارات حل المشكلات بفضل القطع المختلفة التي تتيح خيارات شتى لإنشاء التصاميم والمجسمات. يحدد علماء النفس نوعين رئيسيين من المشكلات هما: المشكلات التقاربية، والتباعدية، المشكلات التقاربية محددة جيدا وتتسم بأن لها حلا واحدا متوقعا على عكس المشكلات التباعدية التي يمكن حلها بطرق متعددة. (8، 9) ونظرا لأن ألعاب البناء يمكن تجميعها بعدة طرق فهي من المشكلات التباينية، على عكس ألعاب الألغاز مثلا التي تتطلب طريقة محددة للحل.

   

أجرت أستاذة أبحاث علم النفس في جامعة يورك "ديبرا بابلر" دراسة بحثية على مجموعة من الأطفال مكوّنة من 72 طفلا تتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات للتعرف على علاقة ألعاب البناء بقدرة الأطفال على حل المشكلات المختلفة. قُسِّم الأطفال إلى مجموعتين، الأولى للعب بالألعاب التقاربية مثل ألعاب الألغاز، والأخرى للعب بألعاب البناء مثل ألعاب ليغو. كشفت النتائج أن الأطفال الذين لعبوا بألعاب البناء أظهروا أداء أفضل في حل المشكلات المتباعدة، وأظهروا المزيد من الإبداع في محاولاتهم لحل المشكلات مقارنة بالمجموعة الأخرى. (10)

  

تُعلِّق ألكساندر على ذلك في ختام حديثها لـ "ميدان": "تأتي العديد من ألعاب ليغو مع الإرشادات والتعليمات التي تتطلّب بحد ذاتها الكثير من التخطيط، بداية من إخراج القطع الصحيحة حتى القدرة على قراءة التعليمات ومتابعتها. يوجد كل المستويات المختلفة حتى يتمكّن الأطفال من تحدي أنفسهم في حل المزيد من المشكلات والمُضي قُدما في تعلُّمهم، هذا يفتح مجال مساعدة آخر للآباء، فيمكنهم تقديم المساعدة لأطفالهم عند حاجتهم إلى حل المشكلات".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار