انضم إلينا
اغلاق
توقفوا عن تربية أطفال "ناجحين"!

توقفوا عن تربية أطفال "ناجحين"!

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض
تقديم

تُشير الدراسات منذ زمن إلى أهميّة الذكاء العاطفي في بناء العلاقات الاجتماعية والصداقات طويلة الأمد، لكن ماذا عن دور هذا الذكاء في التأسيس لسيرة مهنية ناجحة، وتحقيق مستويات أكاديمية مرموقة؟ وكيف يؤدي الذكاء العاطفي، واللطف والاكتراث بالآخرين إلى رأب صدع مجتمعات تستعر فيها نيران الانقسامات والاستقطابات المتزايدة؟

 

نص المادة

تعوّد الأطفال على المسافة بين ما يقوله الأشخاص البالغون وبين ما يفعلونه، وباتوا على دراية بالسلوكيات التي تُشكِّل فارقا في مزاج الأهل عبر ملاحظة ما ينال إعجاب ذويهم، لا بالاستناد إلى ما يقولونه. لا شك أن مجتمعاتنا تطفح بآباء يشغلهم الإنجاز الفردي والسعادة الفردية لأبنائهم عن أي شيء آخر، وصحيح أننا نخبر أبناءنا بأهمية اتباع اللطف والمراعاة في معاملة الناس، لكننا في الحقيقة قلّما نُبدي لهم تقديرنا الفعلي لتلك القيم.

  

إن كان من تعليل للشّرخ الحاصل في مجتمعات اليوم فهو انحسار هذه القيم بفعل طغيان قيم أُخرى من قِبل الأهل، ولا تخلو حياتنا الشخصية من زملاء ينجحون في تنمية الإنجاز الفردي لدى أبنائهم لكنهم يفشلون في تنمية ميزة اللطف، حيث تعتبر إنجازات الأبناء وسام شرف شخصيا، في حين تعتبر إخفاقاتهم في هذا المضمار مؤشر فشل مزمن في دور الأبوّة.

   

   

يصل الأمر في بعض الأحيان إلى حدّ الحطّ من قيمة اللطف، باعتباره مصدر ضعف في عالم يستعر بالمنافسة الشرسة، حتى إن هناك تيارا منتشرا في بعض الدوائر التربوية يُنادي بعدم التدخل عندما يتصرف الأطفال في سن ما قبل المدرسة بأنانية أثناء اللعب مع أطفال آخرين. والذريعة التي يتخذها هؤلاء هي أنّ التدخّل في مثل هذه المواقف قد يعوق الطفل عن اكتساب الجرأة والحزم، ويذهب بعض الأهل إلى حدّ الاعتراف بأنّهم يُفضِّلون تربية طفل أناني على تربية طفل يعجز عن قول "لا"، رغم عدم وجود ما يمنع أن يتعلّم الطفل الاهتمام بالآخرين والاهتمام بنفسه في آنٍ واحد، أي أن يتّصف بالعطف على الآخرين واحترام الذات في الوقت نفسه.

  

صحيح أن تشجيع أطفالنا على التفكير في الآخرين سيجعلهم يتبعون هذا السلوك مرات ويهملونه في مرات أخرى، لكنّهم سرعان ما سيتعلّمون سلوك المعاملة بالمثل، أي إنك إن لم تأبه بمشاعر الآخرين، فإنّ الآخرين لن يأبهوا بمشاعرك ولا بمشاعر غيرك حتى. يعود تركيز الأهل على تنمية صفات الحزم والقوة، جزئيا، إلى الرغبة في إحلال المساواة بين الذكور والإناث، حيث عملت العائلات والمدارس تاريخيا على غرس قيم اللطف والمراعاة في نفوس الفتيات، وغرس التنافسية والطموح في نفوس الأولاد، وهو ما دفع الآباء والمعلمين إلى استثمار وقت وجهد كبيرين في غرس الثقة والنزعة القيادية لدى الفتيات، لكن ذلك لم يترافق، لسوء الحظ، مع تنمية قيم الكرم واللطف لدى الأولاد، مما أدّى إلى انتشار الأنانية على نطاق واسع.

   

يلتقط الأطفال هذه السلوكيات كلها بمجسّاتهم الحساسة، فلا يغفل عنهم أن الثناء والتقدير الذي ناله نظراؤهم كان بفضل علاماتهم الدراسية المرتفعة والأهداف التي حققوها، لا بفضل قيم اللطف والكرم. ولا يغيب عنهم أنّ الراشدين يولون اهتماما أكبر لإنجازاتهم من طباعهم وشخصياتهم. صحيح أن علينا أن نترك إرثا للجيل القادم، لكننا نخاطر باضمحلال قيم العطف واللطف في خضم ذلك.

      

لكي نبرهن لأطفالنا على أهمية العطف واللطف، سيكون علينا أن نظهر لهم القدر ذاته من الاهتمام بها، وأن نبدأ بتغيير أسئلتنا إلى "هل ساعدت شخصا اليوم؟ أخبرني ماذا فعلت؟"

مواقع التواصل
    
كيف يمكن تفادي الأمر؟

يلاحظ الأهل بالتأكيد أنّ أوّل الأسئلة التي يطرحونها عند عودة أطفالهم من المدرسة هي تلك التي تختص بالإنجاز المدرسي، من قبيل "هل فاز فريقك في الفصل؟" أو "كيف أبليت في الامتحان؟". لكي نبرهن لأطفالنا على أهمية العطف واللطف، سيكون علينا أن نظهر لهم القدر ذاته من الاهتمام بها، وأن نبدأ بتغيير أسئلتنا إلى "هل ساعدت شخصا اليوم؟ أخبرني ماذا فعلت؟". في البداية ربما سيقول طفلك إنه نسي القيام بالأمر الفلاني، لكنك ستلاحظ التغيّر بعد مدة، حيث ستصبح إجاباته نتيجة استغراق أكبر في التفكير، كأن يقول "لقد شاركت غدائي مع طفل جاء إلى المدرسة بدون وجبة" على سبيل المثال، أو "ساعدت زميلتي في فهم سؤال خسّرها علامة في الامتحان"، وسرعان ما سيبدأ الطفل في اقتناص أي فرصة لكي يساعد الأشخاص من حوله.

  

عليكم أيضا بالحديث عن تجاربكم الشخصية في مساعدة الآخرين، وإدراج أمثلة عجزتم فيها عن تقديم يد العون، بل إن إظهار الندم لعدم التدخّل عندما كان هناك طفل يتعرض للمضايقة من قِبل أطفال آخرين في فصلك الدراسي قد يدفعهم إلى إغاثة طفل يتعرض للموقف نفسه في مدرستهم. بينما قد يتعلّم طفلك المسؤولية والانضباط عندما تخبره أنّك تخلّيت عن رفاقك في الفريق أو المشروع فيما مضى، مما أدّى إلى تعرّضهم لخسارة قاسية.

   

ليست الغاية من هذا كله إرغام الأطفال على التصرف بإحسان أو إغراءهم لسلوك هذا النهج حتى، ولكنْ أن نُثبت لهم بأننا نأخذ هذه القيم بعين الاعتبار وأنها محل تقديرنا وإعجابنا، فالأطفال مفطورون على مد يد العون، ويظهر فهمهم الفطري لحاجات الآخرين في أدق المواقف وأصغرها، وبإمكانك أن ترى أطفالا بعمر عام ونصف يحاولون مساعدة ذويهم في إعداد المائدة، أو تنظيف الأرضية، أو ترتيب الألعاب، بينما يكون العديد منهم مستعدا للاستغناء عن بطانيته من أجل شخص يشعر بالبرد بعد سن عامين.

    

    

لكنّ كثيرا من الأطفال يرون في اللطف مهمة إلزامية أكثر منها اختيارا، بيد أن تغيير ذلك ليس بالأمر الصعب، حيث تُظهِر التجارب أن فرصة إحسان الطفل لأطفال آخرين تتضاعف في المراحل العمرية اللاحقة إن كان يُحسن للآخرين من تلقاء نفسه، عوض أن يكون مُكرَها في سن الطفولة، وأن احتمال تقديم يد العون مرة أخرى يرتفع عندما يتلقى الطفل كلمات الثناء والتقدير لمساعدته شخصا آخر.

  

لكن هذا لا يعني ألّا نُرشد أبناءنا في نوعية الأصدقاء الذين يختارونهم، ويميز علماء النفس بين نوعين من الشعبية بين الناس: شعبية المكانة (التي تنجم عن الهيمنة والمطالبة باهتمام الآخرين)، وشعبية المحبوبية (التي تنجم عن العطف واللطف).

  

ويحدث كثيرا أن ينجذب المراهقون إلى شعبية المكانة، أي إلى مَن تظهر فيهم صفات القوة، حتى وإن لم يتصفوا بحسن الخلق، كذلك هو الأمر في حالة الأطفال الأصغر سنا، حيث تقوم الصداقات على أساس الإنجاز، فيُصاحب الأطفال العدّاء الأسرع في الفريق، أو صاحب المركز الأول في برنامج المواهب في المدرسة.

  

لا نقول هنا إن علينا السيطرة على الصداقات التي يؤسسها أبناؤنا، لكن لا بأس من تنبيههم إلى وجود أطفال يتصفون بالعطف واللطف في محيطهم، بإمكانك مثلا أن تستفسر من ابنك عن الطريقة التي يُعامل بها صديقه الأطفال الآخرين من حوله، بحيث يتخذ هذا المعيار شرطا في تكوين صداقات لاحقة.

    

تُشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال الذين يساعدون الآخرين قد يحققون في حياتهم ما يفوق أولئك الذين يُحجمون عن تقديم يد العون

مواقع التواصل
   

كما أسلفنا، فإن التركيز على الإنجاز الفردي قد يؤدي إلى ضعف الاكتراث بالآخرين، لكن ليس بالضرورة أن نكون مرغمين على المفاضلة بين الاثنين، في الحقيقة، إن تعليم الأطفال الاهتمام بغيرهم قد يكون كلمة السر لحياة ناجحة عريضة.

   

تُشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال الذين يساعدون الآخرين قد يحققون في حياتهم ما يفوق أولئك الذين يُحجمون عن تقديم يد العون، حيث يحصل الأولاد الذين تُفيد سجلاتهم في الصفوف الابتدائية بأنّهم كانوا أكثر تعاونا مع غيرهم على أموال أكثر بعد 30 عاما من حياتهم، ويحصل هؤلاء الأولاد على علامات ونقاط أكثر في الامتحانات المعيارية (امتحانات القبول الجامعي) مقارنة بزملائهم الذين يرفضون تقديم المساعدة.

  

بينما تُفيد إحدى الدراسات أن المتفوقين أكاديميا من طلاب الصف الثامن لم يكونوا أولئك الذين حققوا علامات أعلى قبل خمس سنوات، ولكنهم مَن حصلوا على تقييمات أعلى في مساعدة الآخرين من قِبل زملائهم ومعلميهم في الصف الثالث. كما أن طلاب الإعدادية الذين يعتقدون بأن ذويهم يُقدِّرون فيهم الاحترام، ومد يد العون، واللطف، أكثر من التفوق الأكاديمي، أو الالتحاق بجامعة جيدة، أو تحصيل سيرة مهنية مرموقة، يؤدّون بشكل أفضل في المدرسة، ومن النادر أن يُسبّبوا مشكلة في الفصل الدراسي.

  

يرجع هذا في جزء منه إلى أن الأهل، باتباع هذه الطريقة، يوفرون لأبنائهم علاقات داعمة تساعد في منع حدوث الاكتئاب، حيث يميل الطلاب الذين يكترثون بالآخرين إلى اعتبار تعليمهم المدرسي وسيلة لتغيير المجتمع فيما بعد، وهي نظرة تدفعهم للمواصلة حتى في الأوقات التي تفقد فيها الدراسة أي معنى. بينما يحصل الأشخاص الذين يتحلون بالكرم في سن الرشد على رواتب أعلى من غيرهم، وتقييمات أداء أعلى، بالإضافة إلى علاوات أكبر من زملائهم الذين يكونون أقل كرما. وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن المعنى الذي يجدونه في مساعدة الآخرين يؤدي إلى تحصيل مدارك أوسع وعلاقات ذات بُعد أعمق، تؤدي فيما بعد إلى إبداعية أكبر وإنتاجية أعلى.

   

من واجبنا حثّ أبنائنا على تقديم أفضل ما لديهم والشعور بالفخر والسعادة بإنجازاتهم، لكن اللطف لا يتنافى مع هذه المتطلبات

مواقع التواصل
  

لكن اللطف يمكن أن يجعل الأطفال أكثر سعادة في أثناء طفولتهم أيضا، وهذا ما تُبرهن عليه إحدى التجارب، حيث تلقّى أطفال في سنّ ما قبل الروضة سمكة ذهبية أو قطع البسكويت لأنفسهم، ثم طُلب إليهم إعطاء بعض البسكويت لدمية "تناولت" البسكويت وقالت: "لذيذ". ثم قام الباحثون بتقييم تعابير وجوه الأطفال، ووجدوا أن إعطاء الطعام يُولِّد لدى الأطفال سعادة أكبر من تلك التي يُولِّدها تلقيه، حتى إن سعادة الأطفال كانت أكبر عندما قاموا بإعطاء الدمية طعاما من وعائهم الشخصي، عوض أخذه من وعاء شخص آخر.

  

يُطلق علماء النفس على هذا السلوك "غبطة المساعدة" (Helper's High)، ويُفسِّرها الاقتصاديون بالوهج الدافئ للعطاء، بينما وجد علماء الأعصاب أن الكرم يُفعِّل مراكز المكافأة في الدماغ، ويُشير علماء البيولوجيا التطورية إلى أنّنا ورثنا هذه الميزة عن أجدادنا، ويفيد داروين بأن القبائل التي "لطالما كانت مستعدة لمساعدة غيرها كانت لها اليد العليا على القبائل الأخرى، وهو ما يندرج تحت فكرة الانتقاء الطبيعي".

  

بالتأكيد أن من واجبنا حثّ أبنائنا على تقديم أفضل ما لديهم والشعور بالفخر والسعادة بإنجازاتهم، لكن اللطف لا يتنافى مع هذه المتطلبات، ولعل امتحان الأبوّة الأصعب يكمن في تعليم أبنائك حُسن التصرف والانتباه إلى ما يصيرون عليه، لا فيما يحققونه من إنجازات. فإن عوّدتهم على اللطف فلن يكون النجاح حليفهم وحدهم فقط، بل إنه سيمتد إلى بقية الأطفال من حولهم.

--------------------------------------------------------------

ترجمة: فرح عصام.

هذا المقال مترجم عن The atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار