انضم إلينا
اغلاق
بحسب علماء النفس.. ما الذي يجعلنا نضحك بشدّة؟

بحسب علماء النفس.. ما الذي يجعلنا نضحك بشدّة؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

يتشكل كل شيء بحكم العادة؛ كثرة التحديق أو الضحك تشكل تجاعيد العينين، والفتح المتكرر لرسالة قديمة يشكل ثنايا الورق، والخطو المستمر في طريق يشكل الأخاديد، إنها جميعا ناجمة عن القيام بالفعل نفسه مرارا وتكرارا. وحتى الخلايا العصبية تتأثر بالتكرار؛ فعندما تتعرض الخلايا العصبية باستمرار لمنبهٍ أو محفزٍ ثابت، تقل حساسيتها لهذا المنبِّه، حتى تتوقف في النهاية عن الاستجابة له تماما. وأي شيء نعتاد رؤيته، كإطلالة من نافذة الحافلة، أو واجهات المحال التي نسير بجانبها في الطريق إلى المحطة، والصور الفوتوغرافية المعلقة أعلى المدفأة، ينحو للاختفاء. فكلما رأينا شيئًا ما، قلت رؤيتنا الفعلية له؛ الألفة تولد الإهمال.

 

بمجرد أن يستقر الإدراك الحسي في نمط مريح، نغفل عما أمامنا. عندما يتم كسر النمط فقط، سنلحظ وجوده. تكون سلاسل العادة العقلية ضعيفة جدا فلا يمكن الشعور بها حتى تصبح قوية للغاية وغير قابلة للكسر، وعلى حد تعبير صموئيل جونسون[1]: "يمكن لخِفَّة الظل، سواء كانت مرئية أم منطوقة، أن تجعل العادي أمرًا غريبا من جديد بكسر العادات التي تجعل الإدراك روتينيًا. وإننا نميل إلى تعريف خفة الظل على أنها مجرد مهارة في الردود الذكية المتلاعبة. لكن خفة الظل الحقيقية أكثر ثراءً وفطنة، وأكثر إثارة للحيرة. ويستند أفضلها في كثير من الأحيان إلى ظاهرة بيولوجية تسمى المحفزات فوق الطبيعية أو الفائقة".

  

تبدأ قصة المحفزات الفائقة مع عالم الأحياء الهولندي نيكولاس تينبرغن. في نشأته الأولى في لاهاي بهولندا عام 1910، كان تينبرغن مولعًا بالأسماك والطيور التي كانت تقطن البركة الصغيرة في فناء منزله. ومهدت هذه اللقاءات المبكرة مع الحياة البرية في هولندا الطريق لأعماله اللاحقة، وفي شبابه احتفظ بحوض مائي في منزله.

  

عالم الأحياء الهولندي نيكولاس تينبرغن (مواقع التواصل)

 

وذات يوم، لاحظ أن ذكور السمك شائك الظَّهر ثلاثي الشوكة، والتي تمتلك "ألوان تزاوج رائعة"، كما يقول تينبرغن "مثل لون أحمر على العنق والصدر، وأزرق مخضر على الظهر"، تتخذ وضعية الهجوم في كل مرة تقف فيها شاحنة بريدية حمراء في الخارج. تحني رأسها وتنتصب زعانفها الظهرية، وهو وضعٌ طبيعي يفترض عادة أن يحدث بوجود ذكرٍ منافس.

 

وتساءل تينبرغن عما إذا كان السمك يتفاعل مع شاحنة البريد، فأدخل أشياء مختلفة الألوان إلى حوض السمك. فاكتشف أن الذكور تصبح عدوانية تجاه كل ما هو أحمر اللون، وهو علامة مؤكدة على وجود ذكر آخر، بغض النظر إن كان يشبه السمك من عدمه. أشعلت هذه الملاحظة شرارة اكتشاف تينبرغن لتأثير اللون على سلوك الحيوان، الذي حاز بفضله على جائزة نوبل في في الطب أو الفيزيولوجيا عام 1973.

 

عندما لم يكن يراقب السمك شائك الظهر، كان تينبرغن يمضي الكثير من وقته مع طيور نورس الرنجة، التي تحمل بقعًا برتقالية على الجزء السفلي من منقارها. خلال الأسابيع القليلة الأولى من حياة الفرخ، يكون منقار أمه هو مصدر الغذاء الوحيد. تلك البقعة البرتقالية هدف جيد تصوب عليه الفراخ عندما تنقر أمها لكي تحثها على دس المزيد من الطعام. لاحظ تينبرغن أن الفراخ في مختبره، -مثل ذكور السمك شائك الظهر في حوض السمك الخاص به- تنقر بقوة ليس فقط على منقار أمها ولكن على أي شيء يحمل بقعةً برتقالية. وخطر له أنه قد يكون من الممكن التفوق على الطبيعة، "وأن يصنع دمية يمكنها أن تحفز الفرخ أكثر من الطائر الطبيعي"، كما كتب.

 

لذا بدأ تينبرغن في صنع "النوارس الفائقة": وهي أجسام مجمعة يزداد فيها حجم تلك البقعة البرتقالية، واستجابت لها الفراخ بحماسة شديدة. فرسم بقعًا برتقالية على كل شيء بداية بالقطع الخشبية القديمة إلى أواني المطبخ، وجعل البقع البرتقالية أكبر وأحاطها بحلقات بيضاء ليزيد من تباينها. فنقرت الفراخ على كل شيء حمل بقعة برتقالية. وكلما زاد حجم البقعة، اشتدت قوة نقرهم.

  

المحفزات الفائقة هي جوهر أنواع معينة من خفة الظل أيضا، التي تتلاعب أو تبالغ عمداً في أنماط إدراكنا الاعتيادية

مواقع التواصل 
  

وقد وصف تينبرغن بقعَهُ البرتقالية المبالغ فيها بأنها "محفزات فائقة"، وخلص إلى أنها "تقدم حالات تحفيز أكثر فاعلية من الوضع الطبيعي". ولا تقتصر هذه الاستجابة للمحفزات الفائقة على طيور نورس الرنكة، إذ أوضح أن الفراخ من جميع الأنواع ستسجدي طلبا للطعام من منقارٍ مزيف لو كان يحمل علامات أوضح من العلامات التي يملكها آباؤها، وستتجاهل الطيور بيضها وتحاول احتضان أشياء أكبر بكثير - بما في ذلك كرات الطائرة - إذا كانت تلك الأشياء مزينة لتشبه البيض.

 

قدم تينبرغن نظرية تفيد بأن البشر عرضة لمحفزاتٍ فائقة أيضًا؛ فالعيون الضخمة لدى الحيوانات المحشوة والدمى وشخصيات الكارتون كلها محفزات فائقة، واستنتج أنها تحفز رد فعلنا الغريزي لتميل قلوبنا لأي شيء ذي سمات وجهٍ طفولية. ويمكن اعتبار المشروبات الغازية المشبعة بالسكر والأعمال الفنية والملابس والعطور وحتى أحمر الشفاه، وأي شيء يزيد أو يبالغ في الاستجابة البيولوجية أو الجسدية أو النفسية الغريزية، محفز فائق.

 

والمحفزات الفائقة هي جوهر أنواع معينة من خفة الظل أيضا، التي تتلاعب أو تبالغ عمداً في أنماط إدراكنا الاعتيادية. والممثل الهزلي الصامت الكبير باستر كيتون هو خير مثال على ذلك.

 

في فيلم The High Sign 1921، بينما يجلس كيتون على مقعد ليقرأ صحيفة يومية محلية، يقوم بفرد الجريدة إلى الحجم العادي. لكن سرعان ما يلاحظ أن الجريدة أكبر مما يتوقع، لذا يستمر في الفرد، أولاً يصبح حجمها حجم مفرش يصلح للنزهة، ثم حجم ملاءة سرير كبيرة، إلى أن يغرق في النهاية تحت كتلة ضخمة من ورق الصحف.

 

    

في فيلم Seven Chances (1925 ، يصل لعلم كيتون، وهو سمسار بورصة على حافة الإفلاس، أنه سيرث ثروة كبيرة من جده شريطة أن يتزوج بحلول السابعة مساء. عندما ترفض حبيبته  عرضه للزواج (لأنها تريد أن تتزوج من أجل الحب لا المال)،  يعلن  عن عرض مفتوح للزواج، مع تفاصيل عن الفوائد المالية في الصحيفة. تحضر مئات من النساء إلى الكنيسة للزفاف، ويشتعلن غضبا من خطة كيتون. يطاردنه بأثواب الزفاف خارج المدينة إلى تلة قريبة، حيث يزيح صخرة واحدة  فتحرك سيلا من الصخور، التي تمطر على رأس العريس عاثر الحظ.

 

تبدأ القصص المضحكة  لكيتون بسيطة وبشيء معتاد، ثم يتضخم ليصبح محفزا فائقًا. ولكن يمكن أيضا أن تكون المحفزات فائقة من خلال الحيل البصرية أو اللفظية التي تشوش طرقنا العادية في رؤية وفهم العالم.

   

ومثال آخر على ذلك هو الفنان البلجيكي مارسيل مارين الذي يمتلئ عمله بالحيل المشابهة. بدأ مارين كمصور فوتوغرافي  متدرب بينما كان لا يزال في سن المراهقة. ولكن في عام 1935، بعد أن شاهد أعمال رينيه ماغريت[2] للمرة الأولى، استقر على العمل كفنان، وسرعان ما أصبح صديقا مقربًا من ماغريت وواحد من أبرز السرياليين البلجيكيين. عمل في مجموعة متنوعة من المجالات مثل التصوير الفوتوغرافي والأفلام والكولاج[3] والأعمال جاهزة الصنع "ready-mades"، وهي الأعمال الفنية المجمعة من المواد المهملة أو الأدوات المنزلية العادية  أو الأجزاء غير المستخدمة من الأشياء الأخرى.

 

في عمله Star Dancer (1991)، أرفق مارين حذاءً عالي الكعب يخص دمية إلى أحد أذرع نجم بحر ميت، فحوّله إلى راقصة باليه رقيقة تذكر بأعمال الفنان هنري ماتيس[4]. يجبر هذا التجميع الغريب المُشاهد على إعادة التفكير. كيف يمكن لهذا الشيء الغريب أن يكون له مثل هذه القدرة على التعبير الإنساني الواضح؟ ومثل الكرة الطائرة / البيضة التي تحاول الطيور احتضانها، يصبح نجم البحر / الدمية المجمّع محفزا فائقا يغير منظور من يراه.

  

الفنان الفرنسي هنري ماتيس (مواقع التواصل)

 

يعمل المبدأ ذاته في الفكاهة اللفظية. على سبيل المثال، عندما قدم المخرج السينمائي الإنجليزي أنتوني أسكويث نجم هوليوود الأشقر في الثلاثينات جان هارلو إلى والدته، السيدة مارغو أسكويث، الكاتبة وزوجة رئيس الوزراء البريطاني السابق هربرت هنري أسكويث. أخطأ هارلو باسم ليدي مارغو الأول، ناطقا إياه بحرف الT (مارغوت).  فقاطعته قائلة "حرف الT  صامت ٌيا عزيزي، كما في إسم هارلو" عزلت ليدي مارغو الحرف وبالغت في أهميته تمامًا كما فعل تينبرغن في البقعة البرتقالية لدى طائر نورس الرنكة، مما عزز تأثيرها بشدة.

 

ما الفكاهة إلا محفز فائق؟

إننا  نستجيب للكلمات والصور الطريفة أكثر من استجابتنا "للطبيعي" من الأمور، تماما كما تقترح نظرية تينبرغن للمحفزات الفائقة. وكتب إي. ب. وايت[5] أن: "الفكاهة في أفضل حالاتها نوعٌ من الحقيقة الشديدة أو الفائقة". وينطبق الأمر ذاته على خفة الظل التي تأخذ ملاحظة روتينية عادية  وتضخمها بانتزاع العادي منها ومعاني سياقها المعتاد، وإخراجها فجأة فتكون غريبة وغير مألوفة.

------------------------------------------------------

الهوامش:

(1) صمويل جونسون أديب وكاتب وشاعر بريطاني له اسهامات هامة في الأدب الإنجليزي.

(2) فنان سيريالي بلجيكي.

(3) تكنيك فني يقوم على تجميع أشكال مختلفة لتكوين عمل فني جديد.

(4) هنري ماتيس رسّام فرنسي. من كبار أساتذة المدرسة الوحشية في الفن التشكيلي.

(5) كاتب أمريكي.

-------------------------------------------------------

ترجمة (سارة المصري)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار