انضم إلينا
اغلاق
اكتئاب بعد الولادة عند الآباء.. لماذا لا يتكلم الرجال؟

اكتئاب بعد الولادة عند الآباء.. لماذا لا يتكلم الرجال؟

كاميليا حسين

كاتبة مهتمة بشؤون الأسرة والعلاقات وأساليب الحياة الحديثة
  • ض
  • ض

يأتي الصغار إلى العالم بأرواحهم البريئة المحملة بالآمال والبهجة، ورغم هشاشة أجسادهم فإن وجودهم يقلب حال الأسرة بأكملها. إلا أن تصوراتنا عن الأطفال لم تتشكل وفق تطور اجتماعي طبيعي، بل كثيرا ما شكّلت السينما والإعلانات والمسلسلات التلفزيونية نظرتنا حول الطفل، حيث يظهر بريئا كالملاك في السينما، وبأجمل هيئة كما في إعلانات الحفاضات وحليب الأطفال وصور الأطفال الملونة، يتضافر هذا العرض مع مثالية مشهد قدوم الطفل عبر إحاطته في تلك المشاهد بأب وأم تمتلئ وجوههم بالبهجة والسعادة، الأمر الذي ينعكس على الوالدين بانتظارهما تجربة مثالية، وليرتفع وفق كل ذلك سقف توقعاتهم بعيدا عن الواقع. لكن على الرغم من تلك البهجة التي يحملها الرضيع بين كفيه الضئيلتين، فإن تجربة الولادة تعد ولا شك واحدة من التجارب الصعبة والمحملة بالتحديات لكلا الوالدين، مما قد يثير العديد من المشاعر العميقة المتناقضة وغير المتوقعة، نظرا للفارق الواسع بين المتخيل والواقع.

 

وعلى الرغم من شيوع الحديث عن اكتئاب الولادة عند النساء، وما يمرون به من تغيرات هرمونية ومشقة في الحمل والولادة وتأثير هذه العوامل على الحالة النفسية والذهنية، فإن هناك نسبة كبيرة أيضا من الرجال يعانون من القلق والاكتئاب بعد ولادة الطفل. ففي دراسة سويدية شملت 447 من الآباء السويديين المتطوعين وجدت الدراسة أن 28% منهم لديهم أعراض مستويات اكتئاب أعلى من المتوسط، و4% لديهم اكتئاب معتدل. وأن 1 من كل 5 آباء ممن يعانون من الاكتئاب طلبوا المساعدة على الرغم من أن ثلثهم انتابتهم أفكار تتعلق بإيذاء الذات.(1) يعاني ما يقرب من 1 من كل 20 رجلا من الاكتئاب أثناء حمل الزوجة، ونحو 1 من كل 10 رجال من الاكتئاب بعد الولادة.(2)

ما الذي يحدث؟

قد لا يظهر اكتئاب ما بعد الولادة دائما بوضوح عند الرجال، فبينما تتمثّل الصورة الشائعة في الأذهان عن الاكتئاب أنه شعور بالحزن الغامر مع مزاج سيئ وبكاء مستمر، ويتم تصور أن النساء يملن إلى توجيه مشاعر الحزن والخوف للداخل عبر البكاء، فإن الرجال وعلى العكس، فإنهم يعبرون عن كآبتهم من خلال نوبات الغضب غير المعتادة والعدوانية والتصرفات العنيفة، وهو ما يدخلهم في دائرة من الشعور بالذنب والخجل، وقد يلجأ فئة قليلة منهم للمواد المخدرة أو الإفراط في تناول الكحوليات، أو السلوكيات الإدمانية مثل القمار وألعاب الفيديو.(3)

 

 

أحمد علي (37 سنة)، أب لطفل في الثالثة من عمره وآخر في التاسعة، يصف المرحلة التي تلت ولادة ابنه: "لم يتوافر لي ولزوجتي أي دعم عائلي من أي نوع نتيجة لظروف عائلية معينة تزامنت مع فترة الولادة، شعرت وقتها بحجم المسؤولية الثقيل الملقى على كاهلي بشكل مفاجئ، لم أعانِ من المشاعر نفسها في ولادة طفلي الأول، أما في ولادة الطفل الثاني فقد كان الأمر مختلفا، كان عليّ أن أترك زوجتي وحدها في المستشفى مع الرضيع وأسرع لأصطحب ابننا الأكبر من المدرسة، وأعتني به ثم أعود مسرعا للمستشفى للعناية به.

 

وحين عدنا إلى المنزل كان عليّ أن أقوم بكل شيء، طهو الطعام، وغسيل الملابس، والعناية بالطفل الكبير ومساعدته في دروسه، والمساعدة في العناية بالرضيع، بالإضافة إلى مواجهتي لبعض المشكلات في العمل. لم أكن أرغب أبدا في التسبب بأذى للرضيع، لكن في تلك الليلة التي استيقظ فيها يبكي بشدة ولا يرغب في النوم، كانت زوجتي متعبة ونائمة وكان عليّ أن أسهر معه، حاولت أن أهدئه بكل الطرق، وفي النهاية انهرت وامتدت كفي لتضربه على كفه الضئيل. غرقت بعدها في دوامة من الشعور بالذنب ما زالت تبتلعني كلما تذكرت ما حدث رغم مرور أربعة أعوام".(4)

 

جاريت (34 سنة)، لديه طفلان في الثامنة والرابعة من عمرهما، يقول: "بدأت أشعر بالاكتئاب في البداية بعد ولادة ابني الأكبر، في هذا الوقت كانوا قد استغنوا عني في العمل، وانتقلنا إلى مدينة أخرى. كما شخّص الأطباء والدتي بالإصابة بسرطان. كانت زوجتي تعاني من الاكتئاب وكنت قلقا عليها، وحين وُلد الطفل أخيرا كنت أعاني من الإجهاد الذهني والجسدي. لاحظت في البداية أنني بدأت في الانهيار في منتصف الليل أثناء محاولاتي لتهدئة الطفل. وشعرت بالإحباط يغلي بداخلي. لم أتسبب له في أي أذى جسدي، لكنني وصلت للحظات كان عليّ أن أضعه فيها في فراشه ليبقى آمنا بينما أحاول استجماع شتات أفكاري. فأنا رجل ناضج وهذا رضيع لم يتعد عمره أسبوعين وعليّ أن أتركه في فراشه وأنا ما زلت محتفظا بقدرته على التفكير المنطقي.

 

لقد تعلمنا أن من الضعف أن يُعبّر الرجل عن مشاعره، ونكبر محاصرين بجملة "أن الرجال لا تبكي!

مواقع التواصل 
 

عندما حملت زوجتي بابنتنا الثانية بعدها بثلاث سنوات كنت قد فقدت أمي للتو، كنت أعاني من فقدها، لا أتذكر الكثير عن مرحلة الحمل، لكن بعد ولادة الطفلة لم ألمسها لمدة ثلاثة أشهر، لم يكن لدي رغبة في التواصل الأبوي معها أو رغبة في رعايتها أو حمايتها. زرت متخصصين وتم تشخيصي بحالة خفيفة من اضطراب ما بعد الصدمة، كان التفاعل مع طفلي الثاني مرتبطا بشعور سلبي نظرا لأن أمي لم تعد هنا لرؤيته".

 

أما أرنولد (34 سنة)، وأب لطفلين أحدهما بعمر عام والآخر في الرابعة، يصف مشاعره بعد ولادة طفله الأول: "تعرّضت زوجتي للإجهاض مرتين، وهو ما جعل فترة الحمل عصيبة للغاية، بعد ولادة طفلي الأكبر شعرت بالبهجة والراحة ليوم أو نحو ذلك، تلته فترة من الشعور باللامبالاة، ثم دخلت في حالة من الاكتئاب. كنت أشعر أن زوجتي تقلل من قدر ما أحاول بذله من مجهودات كي أساعدها، وهو ما دفعني بعيدا وجعلني أشعر بالإهمال، مما أثّر سلبا على علاقتنا. قبل ولادة الطفل كان لدي تخيل حالم عن الأمر، لكن كل ما وجدته هو طفل يبكي طوال الوقت. كنت أبتعد عن المنزل أغلب الأوقات وانتابتني العديد من الأفكار الانتحارية. لم أكن قد قابلت أي رجل يشكو من أمر مشابه، لكن أعتقد أن هذا بسبب أن الرجال يكرهون الحديث عن مشاعرهم وبخاصة الإحباط والاكتئاب".(5)

لماذا لا يتكلم الرجال؟

في كتابه "What Men Don’t Tell Women about Business: Opening Up the Heavily Guarded Alpha Male Playbook" يعترف كريستوفر فليت أن الرجال لا يُعبّرون عن مشاعرهم ببساطة: "لقد تعلمنا أن من الضعف أن يُعبّر الرجل عن مشاعره، نكبر محاصرين بجملة "أن الرجال لا تبكي!". وإن حدث هذا فنادرا ما نعترف به. لدينا مشاعر لكننا لا نظهرها. نتربى على أن نعيش حياة مزدوجة بوجهين، وجه نبديه أمام العالم، لا يظهر عليه الضعف، ووجه آخر خفي بعيدا عن أعين الآخرين. كلنا سمعنا جملا مثل "الرجل لا يبكي" أو "تحدّث مثل الرجال". ويبدأ هذا الانفصال في عالم الرجال منذ طفولتهم المبكرة، فبينما يعبر الطفل في الحضانة بالبكاء عند الانفصال عن أمه، يختفي هذا بالتدريج مع وصوله للمرحلة الابتدائية، حيث يتعرض للوصم والسخرية والتنمر إذا بكى أمام رفاقه، وللتعنيف من الكبار بالعبارة الشهيرة "الرجل لا يبكي"".(6)

 


للأسف من النادر أن يتحدث الرجال عن مشاعرهم الحقيقية أو أن يلجأوا لطلب المساعدة الاحترافية، فكما تربى في طفولته على أن الرجل لا يبكي، يكبر الرجل مفترضا أن لجوءه للمساعدة يقلل من رجولته، فصورة الرجل هي مقدم الحماية للأسرة، وهو ما يجعله يجد في التعبير عن آلامه ضعفا وتقليلا من شأنه. كما يجد الكثير من الآباء أن من المخجل بالنسبة لهم الحديث عن مشاعرهم ومتاعبهم بينما قد مرت الزوجة للتو بكل ما مرت به من أعباء الحمل والولادة، حيث يشعر الآباء بحاجتهم إلى الوقوف بجانب الزوجة ودعم الأسرة في هذا التوقيت، وعدم الظهور بمظهر الضعيف أو العاجز.

 

"كيف تنظر في عيني امرأة.. أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟ كيف تصبح فارسها في الغرام؟"

(أمل دنقل)

 

ما أعراض اكتئاب ما بعد الولادة؟

قد يعاني الرجل من مشاعر الاكتئاب سواء قبل الولادة أثناء حمل الزوجة "antenatal depression" أو بعدها "postnatal depression". ومن المهم أن تتعرف على الأعراض، حيث يعتقد الكثير من الرجال أن ما يمرون به مجرد اكتئاب عارض ولا يحتاج إلى اللجوء للمساعدة، لكنّ المتخصصين يؤكدون أن استمرار هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين يعني أن عليك أن تلجأ لطلب المساعدة المتخصصة. تنقسم أعراض اكتئاب ما بعد الولادة إلى أعراض جسدية، وأخرى شعورية أو مزاجية، كما قد ترافقها تغيرات سلوكية.

وتشمل الأعراض الجسدية:

* الشعور بالتعب المستمر والإجهاد.

* الصداع.

* نقص الشهية للطعام.

* وجود مشكلات في النوم أو النوم والاستيقاظ في أوقات غير معتادة.

* زيادة الوزن أو فقدانه بشكل متسارع.

من التغيرات السلوكية التي تشير إلى اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجل أن يلجأ للمخدرات أو الكحول كمحاولة للتعامل مع الاكتئاب

مواقع التواصل
 

أما الأعراض الشعورية فمن بينها:

* الشعور بالحزن والكآبة.

* الشعور بالذنب أو الخجل.

* الشعور بالغرابة والقلق والغضب.

* الانعزال وعدم القدرة على التواصل مع الزوجة أو الأصدقاء والعائلة، يصف بعض الآباء مشاعرهم وقتها برغبتهم في الهرب من هذه العلاقات.

* عدم القدرة على التكيف والشعور بأن كل شيء خارج السيطرة.

* وجود بعض الأفكار الانتحارية أو أفكار تتعلق بإيذاء الذات، أو إيذاء الرضيع.

 

 ومن التغيرات السلوكية:

* عدم القدرة على التركيز أو تذكر الأشياء بسهولة.

* التعامل مع الآخرين بعنف غير معتاد.

* عدم القدرة على اتخاذ القرارات أو القيام بالمهام اليومية المعتادة.

* فقدان الرغبة في ممارسة الجنس والهوايات المفضلة.

* الرغبة في قضاء وقت وقت أطول في العمل والانسحاب من المنزل والعائلة، أو على العكس فقدان الرغبة في العمل.

* اللجوء للمخدرات أو الكحول كمحاولة للتعامل مع الاكتئاب.(7) (8) (9)

 

لماذا يصاب الرجال باكتئاب ما بعد الولادة؟

تُعد الاضطرابات الهرمونية أثناء الحمل والولادة أحد العوامل الرئيسية في الإصابة باكتئاب بعد الولادة لدى الأمهات. لكن هذا لا يقتصر على النساء، ففي دراسة أُجريت عام 2017 لوحظ حدوث نقص في نسبة هرمون التستوستيرون عند الآباء صاحب ولادة أطفالهم، وهو ما تزامن مع ارتفاع الأعراض الاكتئابية. كما أن هناك بعض العوامل الأخرى، ومن بينها:

* وجود تاريخ مَرضي للاكتئاب أو الاضطرابات النفسية، سواء كان تاريخا شخصيا أو عائليا.

* تعرض الأم لصعوبات أثناء الولادة.

* وجود تجارب سابقة مع الكحوليات والمخدرات.

* تعرض الرضيع لمشكلات صحية.

* اضطرابات النوم وتأثيرها على الأسرة بأكملها وتأثيرها على الحياة المهنية.

* الضغوط والمشاكل المالية أو اضطراب العلاقة بين الزوجين.

* عدم وجود دعم أو مساعدة يمكن الاعتماد عليهما.

* إصابة الأم بالاكتئاب بعد الولادة قد تؤدي إلى إشعال شرارته عند الزوج.

* الشعور بالانعزال في مواجهة الرابطة الحديثة بين الأم والرضيع.(10)

 

إذا كنت أبا حديثا وشعرت بأي من هذه الأعراض وطالت مدتها عن أسبوعين فلا تحاول أن تكافحها وحدك وتخفيها، بل اطلب المساعدة، وتذكّر أن طلبك للدعم سيساعدك على تخطي تلك المشكلات وبالتالي دعم أسرتك بشكل أفضل.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار