انضم إلينا
اغلاق
التحرش بين الأطفال.. براءة ومشاغبة أم مشاعر ورغبات؟

التحرش بين الأطفال.. براءة ومشاغبة أم مشاعر ورغبات؟

هالة أبو لبدة

محررة تعليم وجامعات
  • ض
  • ض

اعتاد والد الطفلة أمل* زيارتها في حضانة المدرسة بشكل دوري، لكنه فوجئ يوما برؤية زميلها يقبلها لتوديعها أثناء خروجها من الحضانة، فتقدم بشكوى لدى مديرية أمن المنطقة مفادها تعرض ابنته للاعتداء على يد الطفل، في محاولة منه للانتقام لما حصل لابنته، وتدرجت الإجراءات التي عايشها الطفل وأسرته حتى وصلت إلى تبرئة الطفل من التهمة بعد مثوله في نهاية المطاف أمام محكمة أحداث برفقة محاميه ومجموعة محامين آخرين تضامنوا معه(1).

لسنا هنا بصدد تفنيد صحة الرواية التي قدمها والد الطفل، ولا لإطلاق صفة جديدة على قضية أثارت تعليقات ساخرة عليها، لها صفات مختلفة كالغريبة والمدهشة والمضحكة، لكننا نطلق سؤالا: ماذا إن كانت الرواية صحيحة؟ هل يمكن أن يتحرش الأطفال بأقرانهم حقا؟ وهل يمكن أن يصل هذا الفعل إلى درجات من الخطورة تستدعي من الأولياء والمعلمين والمتخصصين وقفة اهتمام واستجابة سريعة لمشكلة قد تكون أخطر مما نتصور؟

  

هل يتحرش الأطفال جنسيا بأقرانهم؟

عملت عدة مؤسسات على تتبع إجابة هذا السؤال عبر دراسات بحثية أبرزها بحث نفذته الجمعية الأميركية للنساء الجامعيات (American Association of University Women) خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران من عام 2011 على عينة من طلاب المدارس، شكَّل في طبيعته البحث الأكثر شمولية المُنفَّـذ للوقوف على مدى انتشار التحرش الجنسي بين طلاب الصفوف السابع وحتى الثاني عشر، وآثار هذه المشكلة على تعلّم الطلاب، مع الخروج بتوصيات موجهة لمسؤولي المدارس والمعلمين والطلاب وذويهم وحتى أعضاء المجتمع المحلي، وأعلنت في المسح الذي حمل اسم (Crossing the Line: Sexual Harassment at School) أن معظم السلوكيات التي تم توثيقها هي تحرش أقران بأقران(2).

  

يُظهر الإنفوجراف التالي نسب الأطفال الذين تعرضوا للتحرش، والوسائل التي استُخدمت في ذلك، كما يسلط الضوء على نسب الأطفال الذين شهدوا قصص تحرش في مدرستهم، والذين مارسوا التحرش ضد أقرانهم، وكيف كانت ردود أفعال الأطفال الضحايا على ما مروا به.

   

   

وتنضم إلى هذا المسح دراسة أخرى تم الإعلان عن نتائجها خلال المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للبحوث التربوية (American Educational Research Association)، والتي اعتُبرت من أوائل المسوح التي تتقصى شيوع التحرش الجنسي والعنف الجنسي بين طلبة المرحلة المتوسطة.

   

    

هل يحمل الأطفال مشاعر ورغبات جنسية؟

تدفع الأرقام السابقة وغيرها من الحوادث المشابهة لقصة أمل -التي بدأنا بها هذا التقرير- إلى طرح الكثير من علامات الاستفهام حول إدراك الأطفال للجنس، وما إذا كانوا يفهمون حقا طبيعة العملية الجنسية ودور أطرافها فيها، وما إذا كانت الحوادث التي صُنّفت كتحرش قد صدرت عن قصد أم أنها جاءت نتاج المصادفة فقط.

 

يبهرنا أثر مرور الشهور على أجساد الأطفال وعواطفهم وعلاقاتهم الاجتماعية، ملامحهم تتغير قليلا، وربما الصوت أيضا، وكلماتهم التي يعبرون بها عن مشاعرهم أو رغابتهم، تصبح أكثر وضوحا وأحيانا أكثر عمقا، لكن هذا المشهد الجميل الذي يؤجج في عائلات الأطفال الحب لهم والامتنان لله لمشاهدة مراحل النضج، فإنها تحمل في القلب منها تغيرات جسدية يفطن الأطفال لها، ويكتسبون معرفة ومعتقدات وسلوكيات جنسية تنعكس في تصرفاتهم، ورغم أن هذا النمو يحدث تدريجيا لدى جميع الأطفال فإن سرعته تختلف من طفل لآخر، ويتأثر أيضا بحساسية هؤلاء الأطفال وبالممارسات والقيم المتبعة في محيطهم الأُسري.

  

ولنستقي فهما أوضح بهذا الخصوص، سألنا في "ميدان" د. سماح جبر، طبيبة نفسية ومعالجة نفسية تحليلية ورئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية، فأوضحت لنا أن "الأطفال يحملون فضولا جنسيا يعبرون عنه باللعب الجنسي أو الاكتشاف الجنسي، فهذا اللعب هو الذي يصف فضولهم في مرحلة ما قبل البلوغ (ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية)، وإذا أردنا أن نتناول مراحل النمو الجنسي عند الأطفال، فالأطفال في سن 4-5 سنوات يعبرون عن الرغبة الجنسية برغبة مقابلة تجاه أحد الوالدين، كأن يعبر الطفل عن رغبته في الزواج من أمه عندما يكبر، لكن سرعان ما يتعلم الطفل الخصوصية والمقبول أو المرفوض اجتماعيا ويعزف عن التعبير بهذه الطريقة".

   

 

ولا يقتصر الأمر على الفضول الجنسي لدى الطفل، بل يتطور إلى رغبة في الاستكشاف، وعن هذا تقول الدكتورة: "يتكون لدى الطفل أيضا رغبة بالاستكشاف، فيسأل كثيرا عن المولود من أين جاء، ثم ينتقل لمرحلة الألعاب التي يحدث فيها استكشاف للجسد مثل: لعبة الطبيب والمريض، فيمارس دور الطبيب ليكشف على ولد صغير في مثل عمره بدافع الفضول، وممكن أن يبدأ بلمس أعضائه التناسلية ويشعر بالمتعة، ويكرر الأطفال الذين يشعرون بالملل هذا الفعل للحصول على اللذة، وقد يبدؤون بممارسة العادة السرية في هذه السن المبكرة".

  

وفي طرح تفصيلي لهذا الفضول وللنمو الجنسي الذي ينعكس في سلوكيات الطفل بحسب مراحله العمرية، يسعى خبراء ومتخصصون لتصنيف السلوكيات بحسب عمر الطفل، فالأطفال في سن مبكرة جدا (أقل من 4 سنوات) لا يعرفون ماهية الخجل، وهم مدفوعون بالرغبة في الاسكتشاف التي أوضحتها د. سماح، وتشمل السلوكيات الجنسية التي يمارسها هؤلاء الأطفال: لمس أعضائهم الحساسة في الأماكن العامة أو الخاصة، أو إظهارها للآخرين، أو محاولة لمس صدر الأم، أو التعري، أو محاولة رؤية أشخاص عراة أو بدون ملابس في دورات المياه مثلا(8).

 

وفي مرحلة 4 إلى 6 سنوات، يتعمد الأطفال لمس الأماكن الحساسة في أجسامهم وغالبا ما يمارسون ذلك في وجود أشخاص آخرين، ويبدؤون في محاكاة سلوكيات جنسية يمارسها الكبار كالتقبيل، واستخدام كلمات "بذيئة" دون فهم معناها، في سعيهم للحديث حول الأعضاء التناسلية، كما تعكس ألعاب الاستكشاف إحدى تلك الوسائل الطفولية للتعبير عن الميول الجنسية لديهم. ويمارسون ألعاب الاسكتشاف أيضا(9).

  

 

أما المرحلة العمرية 7-12 سنة، فهي الفترة التي يصبح الأطفال فيها أكثر وعيا بالقوانين الاجتماعية للسلوك والحديث الجنسي، فيكون لمسهم لأعضائهم التناسلية متعمدا لكنهم يمارسونه في مكان خاص، ويشاركون في ألعاب تحتوي سلوكيات جنسية كتكوين عائلة، ويحاولون مشاهدة صور لأشخاص عراة بشكل جزئي أو كلي، والاستماع للمحتوى الجنسي المقدم في وسائل الإعلام، ويستمتعون بقول كلمات بذيئة ليحصلوا على تفاعل ممن حولهم، لكنهم في الوقت نفسه يظهرون رغبة في الحصول على مزيد من الخصوصية ويتشكل لديهم شعور الحياء فيرفضون أن يراهم أحد بدون ملابس، أو أن يتحدثوا مع الكبار عن مسائل جنسية.

 

في هذه المرحلة تحديدا، تبدأ الدوافع الجنسية بالتشكل10، وهنا توضح د. سماح لـ "ميدان" أمرا مهما ومقلقا لدى بعض الأهالي أيضا، ففي حين أن "الأطفال في مرحلة ما قبل المراهقة يظهرون اهتماما بالأهل من الجنس الغيري (الأب أو الأم)، يتجلى ذلك في تصريح الطفل عن رغبته في الزواج من أمه عندما يكبر، وفي حرص الطفلة على تمشيط شعر والدها"، فإن هذه التصرفات تتغير بعد "إدراكهم للمقبول والمرفوض اجتماعيا"، وتأخذ هذه السلوكيات مسارات أخرى، فـ"يتجه الطفل للعب مع أقرانه من الجنس نفسه، ويرفض اللعب مع الأقران من الجنس الآخر، وهذا يحدث باختياره وبدون توجيهات المجتمع".

 

لكن ماذا سيحدث في رغبة الطفل الجنسية وكيف سيتصرف؟، تقول: "وبالتالي إذا حدث لعب جنسي بين الأطفال سيكون مع أقرانهم من الجنس نفسه، وهذا يدفع كثيرا من الأهالي للقلق حول ما إذا كان هذا دليل على المثلية، وما إذا كان هذا مؤشرا على احتمالية تحولهم لمثليين عندما يكبرون، لكن ليس بالضرورة حدوث هذا، لأن اجتماع الأطفال بهذه الصورة تم بعامل المصادفة، ولأن الميل المثلي يتشكل في مرحلة لاحقة ويساهم فيه ميل مشوش لدى الطفل في مرحلة الطفولة أو المراهقة".

   

 

وحتى الألعاب الجنسية الطبيعية التي يمارسها الأطفال للاستكشاف لها عدة سمات، فهي تحدث بين أطفال يلتقون بشكل متكرر ويعرفون بعضهم، وبين أطفال من العمر نفسه ولهم البنية الجسدية نفسها، وتحدث بتلقائية ودون تخطيط سابق لها، وهي غير متكررة أيضا، كما أنها تحدث بين الأطفال بشكل طوعي، أي إن الأطفال المشاركين في هذه الألعاب يوافقون على السلوك الذي يظهره أقرانهم، ولا يبدون أي انزعاج من ذلك، ويسهل تقويم هذه الألعاب عبر تدخل الأهل لتوجيه سلوكيات أطفالهم(11).

وفي حين يبدأ الطفل بتجربة أولى علامات البلوغ في المرحلة المتوسطة أو عند سن العاشرة، يختبر في مرحلة التعليم المتوسط والثانوي زيادة في وعيه بالمشاعر الجنسية التي تصاحب البلوغ، وربما يبدأ في ممارسة العادة السرية للحصول على مشاعر جنسية، وقد ينخرط في أنشطة جنسية تجريبية مع أطفال آخرين قد يكونون من نفس جنسه، وتشمل هذه الأنشطة مسك الأيدي أو التقبيل أو غيرها، وقد تتطور لطرح أسئلة حول دور الأب في عملية الحمل، وكيفية حدوث الولادة، وطبيعة العلاقات الجنسية بشكل كامل، كما يتطور لديه اهتمام بالعلاقات العاطفية، ويشيع بينه وبين أقرانه الإعجاب بأحد الأقران أو بشخص بالغ(12)، لكن بين ما هو طبيعي وما هو مقبول، هل يمكن أن ينحرف السلوك الجنسي لدى الطفل عن مساره؟

 

تحرش واعتداء جنسي، عندما تنحرف الفطرة:

تتبع عيون الأمهات أطفالهن حبا ورغبة في حمايتهم، وما أن يلاحظن ممارسة أطفالهن لسلوكيات جنسية حتى تتنوع ردود أفعالهن، فكثيرات يخلدن إلى جانب الفطرة الآمن المطمئن، لسان حالهن: الفطرة لا تؤذي وسيتوقف الطفل عن هذه الأفعال اليوم أو غدا، لكن الأمر يقض مضجع أخريات، ويدفعهن للاعتقاد بأن بعض تلك السلوكيات يحمل إنذارا بشيء مريب يبتعد عن الفطرة، وهذا ما يؤكده مختصون، فارتباط السلوكيات الجنسية بالطفولة لا يعكس براءتها دائما، وارتباطها بالمرحلة العمرية وسماتها النمائية قد يختل في مرحلة ما ويسبب انحراف النمو الجنسي لدى الطفل عن مساره ويعطل أو يتداخل مع اهتمامات الطفل وأنشطته الطبيعية، ويستدعي تدخلا تربويا ونفسيا وطبيا لحل المشكلات السلوكية الناتجة.

    

  

يولِّد انحراف النمو الجنسي لدى الطفل طفلا منهمكا في الموضوعات الجنسية ومنشغلا بالمفردات الجنسية، يكرر محاولاته مشاهدة الأماكن الحساسة في أجساد الآخرين، ولمسها، أو إظهاره المتكرر لأعضائه التناسلية في الأماكن العامة، والخوض المتكرر في نقاشات جنسية مع الأقران، ويؤدي السلوك أيضا إلى تحفيز تفاعل عاطفي لدى الطفل كالغضب أو القلق، وتشمل أيضا محاولة إشراك الأطفال الآخرين بالقوة(13).

 

يطول هذا الانحراف أيضا حالات اللعب الجنسي فيدفع الطفل خلال ممارسته هذه الألعاب إلى استغلال أطفال أصغر منه سنا، وممارسة هذا اللعب بشكل علني ومتكرر رغم نهيه عن ذلك، وقد يتحول إلى أوضاع أكثر سوءا كمحاكاة العملية الجنسية أو تطبيقها مع الدمى أو الحيوانات الأليفة أو حتى الأطفال الآخرين، أو ممارسة العادة السرية، أو محاولة إدخال أدوات في الأعضاء التناسلية، أو حتى إطلاق تهديدات جنسية صريحة لأطفال أصغر سنا أو بنية جسدية، أو إجبارهم على أي نشاط جنسي(14).

 

ولا يتوقف الأمر عند هذه العلامات، فقد يُلاحظ على الطفل أيضا: صعوبة في اتباع القوانين والاستماع لأوامر السلطة في المنزل أو المدرسة أو المجتمع، وإحداثه مشكلات مع الأصدقاء من عمره، وميله للعب مع الأطفال الأصغر سنا، والاندفاع وعدم التأني قبل اتخاذ القرارات، وعدم امتلاكه القدرة على تهدئة النفس، لذا سيلجأ للعادة السرية لتخفيف التوتر (15).

 

يؤكد المختصون أيضا أن حدوث أي من علامات انحراف النمو الجنسي قد يظل لفترة مؤقتة وقد يستمر، فالسلوكيات غير الطبيعية تكسب الطفل شعورا ممتعا، وقد يؤدي ذلك إلى ظهور أعراض طويلة الأمد على الأطفال كلمس أعضائهم التناسلية خلال مشاهدة التلفاز أو عند الغضب دون إدراك منهم لذلك، وقد يفعلون هذا للحصول على انتباه الوالدين، فهم يشعرون بالمتعة إذا عرفوا أن هذا السلوك يسبب للوالدين الصدمة أو أنه ممنوع، وقد يمارس الأطفال العنف تجاه أقرانهم أيضا(16).

  

  

ويرافق هذه المشكلات السلوكية وتحديدا ممارسة الأطفال العنف ضد أقرانهم تبعات أكثر خطورة على كلا الطرفين، الطفل المعتدي والطفل الضحية، تقول د. سماح: "يُرجح أن يكرر الطفل المعتدي الذي يمارس إساءة جنسية لطفل آخر ما فعله، وعند انتقاله لمرحلة عمرية أكبر يكون قد اكتسب ذكاء وقوة بدنية أكثر وطاقة جنسية أكبر وهذا يجعله أشد خطورة، ويُرجّح أن يعاني الأطفال المعتدى عليهم بعد الحادث من مشكلة اضطراب ما بعد الصدمة (Posttraumatic stress disorder)، أو تغيير في شخصياتهم على المدى البعيد، كأن يصبحوا انطوائيين وانسحابيين وتجنبيين في علاقاتهم مع الآخرين، وقد يؤدي الحادث إلى انفتاحهم على العلاقات الجنسية، ويسبب لديهم خللا في الحدود فيطوروا الشخصية الحدية (borderline personality disorder).

  

لذا نحذر من إهمال هذه الحوادث، فمثل هذه الحالات تستدعي عمل التدخلات النفسية اللازمة للطفل المعتدي بهدف الحد من ممارساته ومنعه من تكرار هذه السلوكيات"، ويشير باحثون أيضا إلى أن الأمر قد يتطور لدى الضحايا ليشمل تعاطي المخدرات وإدمان الكحول، ومشكلات صحية كمشاكل النوم، وفقدان الشهية، والاكتئاب، وتأثر آليات الدفاع لدى المراهقين، وانخفاض الأداء المدرسي، ويكون التأثير أكثر ضررا على الإناث من الذكور(17).

  

ماذا يحدث؟

لا يخلو نمو الطفل جنسيا من تأثر بعمره وملاحظاته لما يحدث حوله من سلوكيات جنسية يمارسها أفراد عائلته وأصدقاؤه، ومعرفته المتمثلة في المعتقدات الثقافية والدينية ذات الصلة بالحدود الجنسية والجسدية التي يكتسبها خلال حياته، وتتنوع العوامل التي تسهم في انحراف السلوك الجنسي لدى الطفل عن مساره الطبيعي، فتعرض الطفل لتجارب صادمة كالإساءة والكوارث الطبيعية والحوادث من بين هذه العوامل، إضافة إلى التعرض للعنف في المنزل، وغياب قوانين الاحتشام والخصوصية عن بيئة المنزل، وعدم وجود رقابة كافية على الطفل في منزله نتيجة لظروف الأب كإصابته بالاكتئاب أو إدمانه أو غيابه المتكرر بسبب العمل(18)، وتهاون الأهل "في ترك أطفالهم بمفردهم، ففي حين أن اللعب الجنسي بين الأطفال قد يتحول لإساءة جنسية إذا كان الطفل مهملا أو كان هناك طفل يسيء لطفل، من المهم أن ينتبه الأهل لأطفالهم أين يذهبون، ومع من يجلسون، وأن يراقبوا ما يحدث مع الأطفال عند تركهم بمفردهم، مع الالتزام بالتعليم الإسلامي (فرّقوا بينهم في المضاجع) لأن الأطفال قد يشعرون باللذة مصادفة عندما تحتك أجسامهم ببعضها، وممكن أن يكرروها بعد ذلك"، تضيف د. سماح.

 

إذا حصل اتصال جنسي مباشر بين الأطفال في المرحلة العمرية المبكرة، فقد يكون والدي الطفل غير متحفظين بالعلاقة الجنسية وقد يمارسانها أمام الطفل

مواقع التواصل
 

قد يرتبط الانحراف أيضا بافتقار بيئة الطفل لما يُشعره بالمتعة، وتوضح لنا د. سماح ذلك: "يلجأ الطفل المكتئب أو الطفل الذي يشعر بالملل إلى لمس أعضائه كثيرا، ويمارس العادة السرية أو الاحتكاك الجنسي أيضا، وهذا عرض يشير إلى وجود مشكلات أخرى لدى هذا الطفل، كعدم وجود أشياء أخرى في حياته تثير لديه اللذة كما يجب، فيلجأ لهذا العمل الانطوائي ليستشعر اللذة بمفرده، وعادة ما يأتينا أهالي أطفال مذعورين عند اكتشافهم أن أطفالهم ذكورا أو إناثا يمارسون العادة السرية، لكننا نوضح في مثل هذه الحالات أهمية وضرورة أن يحاربوا اللذة التي يستشعرها الطفل من ممارسته العادة السرية بلذة أفضل منها عند تفاعلهم مع الطفل، وفي التعاملات اليومية، وفي برنامجه اليومي خلال اللعب أو النشاطات الأخرى التي يمارسها".

  

لكنّ أسبابا أخرى أكثر أهمية قد تتخفى خلف انحراف سلوك الطفل، وتتطلب اهتماما كبيرا، وعنها تقول د. سماح: "يندر حصول اتصال جنسي مباشر بين الأطفال في المرحلة العمرية المبكرة، لكن إذا حصل هذا فهو يعني أن الأمر تحول من مجرد لعب واستكشاف جنسي إلى إساءة جنسية بين الأطفال، وهي تمثل عرضا لمشكلة كبيرة، فإذا ارتكب الطفل إساءة جنسية لطفل آخر تصل لحد الاختراق، رغم أنه يعرف أن هذا الشيء مرفوض، أو لاحقه في أماكن معزولة كدورات المياه، أو خدعه أو رشاه فمثل هذه التصرفات تُعتبر إساءة جنسية أيضا، وعادة يمارسها الأطفال الأكبر سنا.

  

لكن إذا صدرت من أطفال صغار فهذا يعني ضرورة البحث عن الأسباب وراء ذلك: كأن يكون الطفل من مشاهدي المواد الإباحية، أو أن والدي الطفل غير متحفظين في العلاقة الجنسية وقد يمارسانها أمام الطفل، أو أن الطفل يتعرض لاعتداء جنسي وهذه الحالة تُوجب اهتماما من ناحية طبية وكلينكية"، أي إن تعرض الطفل لمشاهد جنسية مصدرها البالغون في محيطه أو المحتوى الإعلامي يشكل عاملا رئيسيا في انحراف سلوكه، فإلى أي مدى تؤثر هذه المشاهد في سلوكيات الأطفال الجنسية؟

  

الجنس يبيع.. والأطفال ضحية


لا تكاد تخلو مناقشات أمهات هذا العصر من اتفاق على كون أطفالهن يدركون أو يفهمون بعض المسائل الجنسية، فقد مررن مع أطفالهن بمواقف دللت على ذلك بشكل صريح، ويؤكد مختصون صحة هذا الأمر، فأطفال اليوم مختلفون تماما عن أطفال الأمس، فهم يظهرون سلوكيات جنسية في عمر أصغر مقارنة بالأطفال سابقا، بعض هذه السلوكيات هي سلوكيات مبكرة جدا كونها مرتبطة بمرحلة المراهقة، وبعضها يتكرر حدوثه بشكل أكبر، لكنّ المتخصصين يعتبرون هذا الأمر طبيعيا باعتباره إحدى نتائج تعرض هذا الجيل الجديد لأدوات الجنسنة بشكل كبير، فهو محاط بالرسائل الجنسية المتكررة الظهور في وسائل الإعلام، في التلفاز، والأفلام، والموسيقى، وألعاب الفيديو، وعلى الإنترنت، وبين الجيران، وحتى في المنزل، وبحسب خبراء فإنه "من غير المبالغ فيه عندما يقال بأن الطفل قبل وصوله لمرحلة البلوغ يتعرض لآلاف أو عشرات الآلاف من الرسائل الجنسية التي يعتبر كثير منها مربكا ومبهما لدى الطفل"(19)، كما أن انتشار الإنترنت يساهم بشكل كبير في توسيع دائرة هذه الرسائل ووصولها إلى المراهقين مصادفة أو عن قصد عندما يجد المراهقون أنفسهم أمام ملايين الصفحات الإلكترونية غير الخاضعة للرقابة والمسؤولة عن عرض محتوى جنسي صريح غالبا ما يكون مؤذيا وغير دقيق.

   

     

وحتى لو لم يفهم الأطفال في المراحل العمرية المبكرة الجنس أو دوره في العلاقات، فالمحتوى الجنسي الذي يشاهدونه يترك لديهم انطباعات طويلة الأمد، خصوصا وأنه يُشكّل لبنة أساسية في التسويق، فـ "المسوقون يعلمون أن الجنس يبيع"، ومثل هذا المحتوى يدفع الطفل لطرح المزيد من الأسئلة ويسبب له خلطا واضحا في بعض المفاهيم، ويطور لدى بعض الأطفال فضولا جنسيا مشوها، ويدفع أطفالا آخرين لمحاكاة وتقليد المحتوى الجنسي الذي تعرضوا له، واستخدام بعضهم سلوكيات جنسية لإيذاء أطفال آخرين(20).

 

لنسلط الضوء على آثار التعرض للمحتوى الجنسي على سلوكيات الأطفال في عمر 8 أو 9 سنوات على سبيل المثال، فرغم أن الأبحاث بدأت حديثا في قياس مستوى الدمار الذي يسببه هذا المحتوى للأطفال، فإن آثار التعرض المبكر له سيتخذ أربعة مستويات متفاوتة الخطورة: 

 

المستوى الأول هو الجنس المبكر، حيث سيحفز التعرض المبكر للمحتوى الجنسي المراهقين على شرب الخمر وتعاطي المخدرات، وقد أشارت دراسة إلى أن تعرض المراهقين لمحتوى جنسي من خلال الأفلام بشكل مبكر يعني ممارستهم للجنس بشكل مبكر أيضا، وأوضحت دراسة أخرى أن الأولاد الذين يتعرضون لمحتوى جنسي صريح هم عرضة للمشاركة في عملية جنسية كاملة خلال سنتين من تعرضهم للمحتوى الجنسي بمعدل ثلاث مرات أكثر من أقرانهم الذين لم يتعرضوا للمحتوى نفسه، ووصل هذا المعدل بين الفتيات إلى الضعف أو 1.5، وحتى المراهقين الذين يستمعون لموسيقى ذات إيحاءات جنسية تزيد لديهم احتمال ممارسة الجنس مقارنة بأقرانهم الذين لم يستمعوا إليها(21).

  

يؤدي التعرض المبكر للمحتوى الإباحي لزيادة خطر تحول الطفل لضحية عنف جنسي أو دفعه لممارسة العنف الجنسي ضد طفل آخر

مواقع التواصل
  

أما المستوى الثاني فهو الجنس عالي الخطورة، فتعرض الطفل مبكرا لمحتوى جنسي وشروعه في ممارسة الجنس يزيد احتمالية مشاركته في جنس عالي الخطورة، وقد أظهر بحث أن الأطفال الذين مارسوا الجنس قبل عمر 13 سنة تزيد لديهم احتمالية أن يكرروا ممارسته مع شركاء متعددين، وتعاطيهم للمخدرات والكحول، وأعلنت دراسة أخرى شملت عينة من الأطفال الذكور والإناث أن 66% من الأولاد و40% من البنات أقروا برغبتهم في تجربة بعض السلوكيات الجنسية التي شاهدوها في وسائل الإعلام، وهذا يزيد الأمر خطورة(22)

 

لكن المستوى الثالث يشير إلى أنه ليس من الضروري أن يسبب تعرض الطفل لمحتوى جنسي إصابته بمشكلات نفسية، في حين أظهرت بحوث أن هذا التعرض هو عامل خطر لإدمان الطفل الجنس، أو تعرضه لاضطرابات جنسية، ففي دراسة شملت 932 شخصا من مدمني الجنس، أقر 90% من الرجال و77% من النساء أن المحتوى الإباحي كان عاملا مساعدا في إدمانهم، ومع انتشار هذا المحتوى على الإنترنت ستزيد احتمالية حدوث هذه المشكلات بين الأشخاص في عمر مبكر(23).

 

وفي المستوى الرابع سيمارس الطفل العنف الجنسي، فبحسب دراسات أخرى يؤدي التعرض المبكر (قبل عمر 14 سنة) للمحتوى الإباحي لزيادة خطر تحول الطفل لضحية عنف جنسي أو دفعه لممارسة العنف الجنسي ضد طفل آخر، وفي بعض الحالات أدت المشاهدة المتكررة للمحتوى الجنسي إلى تعزيز رغبة الطفل في مشاهدة أعمال أكثر عنفا تشمل تصوير الاغتصاب والتعذيب، وفي حال رغب الأطفال في تنفيذ ما شاهدوه فلديهم احتمال أكبر بارتكاب اعتداء جنسي كاغتصاب أو تحرش بالأطفال(24).

   

الوعي بنمو الطفل الجنسي وطبيعة هذه العملية والمؤثرات فيها هو مطلب أساسي يؤهل أهل الطفل للتعامل بشكل سليم مع أي سلوك يستجد في حياة أطفالهم

غيتي
   
الحقيقة بين الإنكار والتجاهل

لا تخفى السلوكيات الجنسية الطبيعية وغير الطبيعية عن الأشخاص المحيطين بالطفل، وهم أول من يلاحظ السلوكيات غير الطبيعية أو غير الملائمة، وقد يكونون غير متأكدين من كونها مؤشرا على وجود مشكلة، أو يدركون ذلك لكنهم لا يعرفون التصرف المناسب في هذه الحالة، وغالبا ما يتم إخبارهم بوقوع هذه السلوكيات من قِبل أهالي أطفال آخرين، أو عاملين في المدرسة، أو مسؤولي خدمات حماية الطفل، أو حتى من الشرطة، حينها ينكر بعضهم ذلك نتيجة شعورهم بالحرج(25).

  

لكن الوعي بنمو الطفل الجنسي وطبيعة هذه العملية والمؤثرات فيها هو مطلب أساسي يؤهل أهل الطفل للتعامل بشكل سليم مع أي سلوك يستجد في حياة أطفالهم، من هنا تنبع أهمية التثقيف الجنسي للأهل أولا وللطفل بعد ذلك، التثقيف الذي يتم الحصول عليه من المتخصصين فقط، فكون السلوكيات التي يمارسها الطفل مجرد سلوكيات هذا لا يعني أن يتم إهمالها، خصوصا مشاركة الطفل في أي سلوك غير ملائم، ورغم أن الطفل يستجيب للمعلومات التي يقدمها والداه، فإن هذه المعلومات يجب أن تكون ملائمة لعمره ومستوى نموه، دون إغفال حقيقة أن الأطفال يحصلون على معظم التثقيف الجنسي من أقرانهم أو من وسائل الإعلام التي تقدم معلومات جنسية غالبا ما تكون خاطئة وغير متوائمة مع القيم الجنسية التي يود الوالدان أن يتبناها طفلهما.

  

وتُشكّل مرحلة اللعب الجنسي فرصة مناسبة لتثقيف الطفل، تقول د. سماح: "إن حالات اللعب الجنسي هي فرصة لتعليم الطفل عن الخصوصية وتثقيفه حول كيفية المحافظة على جسده، إذا كان الطفل يسأل أسئلة عن الجنس فهذا يعني أنه مستعد ليسمع الأجوبة، وسماعها من الأهل بالطريقة المناسبة أفضل من الحصول عليها من مصدر آخر"، مع أهمية متابعة الأهل لأطفالهم واتباع بعض القوانين التي تسهل انتقال الطفل بين مراحل النمو الجنسي بسلام.

 

لدينا حقيقة تفرض على الجميع تقبلها، وهي أن للطفل وجودا بشريا جنسيا سيلازمه مدى الحياة، وكون الطفل لم يُظهر أي سلوكيات جنسية في منزله فهذا لا يعني أنه لم يفعل ذلك خارجه، لا وقت للإنكار أو التجاهل أو الخجل.

----------------------------------------------------------------

*أمل: اسم مستعار.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار