انضم إلينا
اغلاق
الصمت والهدوء.. ما يتعطش له دماغك ليزيد من قدراته!

الصمت والهدوء.. ما يتعطش له دماغك ليزيد من قدراته!

  • ض
  • ض

"نجلس هنا متأمّلين المنظر أمامنا. تتحرك السحب ويسترسل شعاع القمر على صفحة البحر. تصفّر الرياح عبر غابات الصنوبر وكأنها حشد من البشر يكنسون الأرض معا. أغرفُ حفنة رمل وأدعها تنسلّ من بين أصابعي، وأكتشف أن الصمت هو شيء يُمكنك حقا سماعه"

(هاروكي موراكامي/ كافكا على الشاطئ. [1])

   

بينما أنت مُندمج في متابعة أحداث فيلم "مكان هادئ" (Quiet place) حابسا أنفاسك، ومحاولا أن تتماشى مع ما تريد أن تُخبرك به الصورة المتحركة أمامك، وبينما يسرد هذا الفيلم أحداثا متخيلة لعائلة نجت وحدها من وحوش تُهاجمها وتلتهمها، حيث وبمجرد أن تسمع صوت أحدهم، فإنها ستبحث عنه، وستجده ثم ستأكله. قد تفكر بأن الحفاظ على حياتك سهل حتى تحت هذا الظرف، فما الصعب في إبقاء فمك مسدودا والعيش كأي فرد طبيعي بهدوء! ولكن تطبيق الصمت ليس سهلا كما يبدو. فكما دار في أحداث الفيلم؛ نسيَت الأخت الكبرى أن تنتزع بطاريات لعبة أخيها الأصغر، وما أن كان الصغير يكتشف ما بين يديه، حتى بدأت لعبته بالغناء، فالتهمه الوحش أمام عائلته، ولم تستطع حتى أمه الصراخ أو البكاء، فالصمت يجب أن يبقى عاما، فكيف يمكنك إخراس كل ما حولك؟   

    

    

وبالعودة بخطواتنا للخلف قليلا، للخلف الذي تعيش به ألمانيا النازية والتي ابتكر حينها النازيون واحدة من أعنف وسائل التعذيب التي اعتمدت على تكرار الصوت. حيث يوضع المُتهم في زنزانة معزولة تماما عن الأصوات الخارجية، بل ويتخلصون من كل الأدوات التي يمكن للسجين استخدامها لإحداث أي صوت، ثم يبدأون في إصدار أصوات منتظمة كل فترة قصيرة، كل خمس ثوان على سبيل المثال. عند هذه الخطوة، حرص النازيون على اختيار أصوات مميزة، كصوت قطرات الماء مثلا. هذه الوسيلة التي كان يُعتقد أنها غير مجدية، أثبتت عكس ذلك على مر الزمان حيث فقد الكثير من المساجين عقولهم عن طريق التعذيب بالصمت الذي يخترقه صوت واحد متكرر فقط! [2]

  

على الجانب الآخر، تضج الدراسات من حولنا بما يُسمى "التلوث الضوضائي" حيث يستقبلك وابل من الضوضاء نهار كل يوم، أبواق السيارات، آلات البناء، صفارات الإنذار، جيرانك، موسيقى المطعم الذي تأكل به، وغيرها الكثير من المصادر اليومية التي تُحيطك بهالة من الذبذبات والموجات الصوتية، وتبعاتها التي تؤثر على الدماغ وقدراته، فبين الصمت والصخب؛ ما الذي نحتاج إليه بالفعل؟

   

رحلة البحث عن الهُدوء

في ليلة جليدية على سواحل فنلندا من عام 2010 اجتمع ما يُقارب مئة خبير تسويقي في مطعم لدراسة خرائط الوصول للهدف المتواضع الذي كانوا يأملون الوصول له، وهو ما جعل مكانا بعيدا ومتوسط المساحة وجهة سياحية شهيرة على مستوى العالم. التحدي الذي كانوا يواجهونه هو أن فنلندا تُعرف بهدوئها، ولكن التحدي الأكبر الذي وقف في طريقهم هو إيجاد أي مصدر للضوضاء! حيث إن الضوضاء قد تُنعش المدينة وتجر من خلفها سلسلة اقتصادية لا تنقطع بازدهار السياحة. حبل الأفكار كان يلتف حول أعناق الخبراء، يبحثون عن شيء محلي تشتهر به فنلندا ليعمل عمل المغناطيس في استقطاب السياح. تشتهر فنلندا بالتوت البري والفطر، حسنا، هذا لا يبدو محليا بشكل كاف لاستقطاب من هم خلف الحدود، علق أحد الخبراء مازحا: "الهدوء، لا يبدو الهدوء سيئا". وهذا ما دفعهم للتفكير قليلا. [3]

   

صورة من الحملات التسويقية في فنلندا لترويج منتجهم المحلي الأشهر: الهدوء. مع شعار "بعض من الهدوء إذا سمحت" (مواقع التواصل)

   

قد تبدو تجارة فنلندا مربحة في هذا العالم الذي يزداد انشغالا وصخبا يوما بعد يوم، وهذا منتج نسعى لاقتنائه كل يوم دون أن نشعر، فنحن نُزود جُدراننا بعازل لكل صوت خارجي، نبتاع سماعات الأذن التي تُصفي وتعزل أسماعنا عن كل ما هو خارج السماعات. الطريف أن العلم حين أثبت فوائد الصمت لأدمغتنا، لم يكن حينها معنيا -بحق- بدراسة الصمت. هذا ما أكده صاحب أشهر دراسة معنية بتأثير الموسيقى النفسي على الجسد في عام 2006 لوتشياني بيرناردي بقوله: "لم يكُن مقصودا -على وجه التحديد- أن أبحث في آثار الصمت أو الهدوء على الدماغ". [4] فعلى مر السنوات، كانت خُلاصة أي دراسة تبحث في آثار ضجيج ما، تنتهي بأن انقطاع الضجيج يُكسب الجسم الراحة، ويُحفز ضجيج الأفكار الداخلي. بمعنى آخر، كانت فوائد الصمت نتاجا لخُطة لم يُخطط لها. كيف يُمكن فَهم كل هذا؟

   

دقيقتان لا أكثر!

في الدراسة المذكورة أعلاه، كان برناردي يدرس التغيرات الفسيولوجية العصبية تحت تأثير الموسيقى، الأكثر دهشة، أن الوقت الصامت بين موسيقى وأخرى كان له تأثير أيضا. فالوقت الهادئ الذي لا يتجاوز الدقيقتين كوقت مُستقطع بين ضجيج وآخر أثبت أن له دور راحة يوازي بل ربما يتغلب على ساعة من تأثير الموسيقى الهادئة على الدماغ واستثارات الجسم المختلفة. [5]

  

 

الصمت والقشرة السمعية

على الرغم من أنه من الواضح أن الصمت الخارجي يمكن أن يكون له فوائد ملموسة، فإن العلماء يكتشفون أنه في ظل أغطية جماجمنا "لا يوجد في الواقع شيء مثل الصمت"، كما يقول روبرت زاتشر، وهو خبير في علم الأعصاب الصوتية. "في غياب الصوت، غالبا ما يميل الدماغ إلى إنتاج تمثيلات داخلية للصوت".

  

تخيل، على سبيل المثال، أنك تستمع إلى أغنية ما عبر أثير الراديو، وحدث عطل مُفاجئ في الراديو. وجد أطباء الأعصاب أنه إذا كنت تعرف الأغنية بشكل جيد، فإن القشرة السمعية في الدماغ تظل نشطة، كما لو أن ألحان الأغنية ما زالت تُعزف. يقول ديفيد كريمر، الذي أجرى هذه الأنواع من التجارب في مختبر كلية دارتموث: "إن ما تسمعه -في هذه الحالة- لا يولده العالم الخارجي، أنت تسترجع ذاكرتك فحسب". لا تُعتبر الأصوات دائما مسؤولة عن الأحاسيس -أحيانا تكون أحاسيسنا الذاتية مسؤولة عن وهم الصوت. وهذا تذكير إلى القوة الدماغية الديناميكية التي لا تعتمد على الدوام على أي منشطات حسية. [6]

   

    

الصمت.. وقرن آمون

عالمة الأحياء في جامعة ديوك (Duke University) إميك كريست، لم تكن أيضا تجري دراساتها تحديدا لاكتشاف الصمت، بل كانت تختبر تأثير الأصوات على أدمغة الفئران البالغة. ولم يكن الصمت أو لحظات الهدوء سوى أداة للسيطرة على الفترة ما بين المحفزات السمعية الأخرى لا ينتج عنها أي تأثير. على الرغم من أن جميع الأصوات كان لها تأثيرات عصبية قصيرة الأمد، لم يكن لأحدها تأثير دائم. ومع دهشتها العظيمة، وجدت كريست أن ساعتين من الصمت في اليوم دفعتا إلى تطوير الخلايا العصبية في منطقة قرن آمون، الجزء الدماغي المرتبط بتكوين الذاكرة، بما في ذلك الحواس. بينما تؤكد كيرست أن النتائج التي توصلت إليها هي نتائج أولية، فإنها تتساءل في ذات الوقت إذا كان لهذا التأثير تطبيقات غير متوقعة. لطالما ارتبطت حالات مثل الخرف والاكتئاب بانخفاض معدلات تكوين الخلايا العصبية في قرن آمون. وتقول إنه إذا أمكن إنشاء صلة بين الصمت وتكوُّن الخلايا العصبية لدى البشر، فربما سيتمكن حينها أطباء الأعصاب من أن يجدوا استخداما علاجيا للصمت. [7]

   

تأمل النفس

جوزيف موران، عضو هيئة التدريس في مختبر أبحاث الجيش الأميركي، الذي نشر بحثا بعنوان "ما الذي يمكن أن تخبرنا به شبكة الوضع الافتراضي للدماغ عن معرفة الذات؟"، الوضع الافتراضي المنطقة الموجودة في القشرة المخية قبل الجبهة (الموجودة في الجزء الأمامي من الدماغ والمسؤولة عن التفكير المجرد وتحليل الفكر وتنظيم التفكير). هو دائما نشط، وتلقي وتحليل المعلومات. على سبيل المثال، فإن القدرة على اكتشاف الخطر تحدث تلقائيا في هذا الجزء من الدماغ. ويكون نشطا للغاية خلال التأمل الذاتي (فهم أنفسنا) وفقا لموران. يُوضح موران أنه عندما يكون الدماغ في وضع الراحة هذا، فإنه قادر على دمج المعلومات الداخلية والخارجية في مساحة عمل واعية. وعندما يكون هناك صمت، تتمتع مساحة العمل الواعية بحُرية أكبر في معالجة المعلومات الداخلية والخارجية، مما يسمح لك باكتشاف مكانك في العالم بشكل أفضل. [8]

  

   

قوة الهدوء

"المسافات والأماكن الهادئة لا تعني خُلوها تماما من الصوت، قد يكون هناك تغريد للعصافير وحفيف للشجر وخرير للماء، ولكنها تعني الضرورة القصوى، لافتقارها تماما لأي ضوضاء صنعها الإنسان"

سامانثا لارسون

 

في كتاب "الهدوء: قوة الانطوائيين في عالم لا يكف عن الكلام"، الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب هو أن العالم الحالي يُسيء للانطوائيين، التي تقول الكاتبة سوزان كين بأن ثلث العالم يتشكل من الانطوائيين أساسا. ولا يجدر بنا الخلط هنا بين مفهومي الانطوائي والخجول، الانطوائي هو الشخص الذي يستمع أكثر من كونه يتحدث، الذي يُبدع إذا عمل لوحده أكثر من إبداعه في جو الفريق، الذي لا يُمانع أن يبقى على روتين حياته نفسه دون تغيير، الذي يُحاكي أقصى طموحاته في جو هادئ تماما والذي يكتفي بعدد محدود من الأصدقاء. وتُوضح الكاتبة أن ثلثي العالم المتبقي هم أصحاب الحياة الجامحة، والتي يعيشونها على حساب ثلث العالم الانطوائي. حيثُ إن المنفتحين فرضوا طريقة حياتهم الصاخبة كأسلوب حياة عام، كطرق اختيار الموظفين، وطرق إدارة الشركات. حيث إنه -وتحت هذه المعايير- أصبح النجاح حليف كل منفتح منطلق اجتماعيا فقط، وبات الانطوائي الهادئ يُعامل معاملة المريض الذي يجب أن يُعالج ليصبح منفتحا ناجحا! 

  

الأمر لا يقف هنا، بل يمتد أيضا ليصل إلى تربية الأطفال، حيث يهتم الأهالي أن يكتسب طفلهم الكثير من الأصدقاء، أن يكون اجتماعيا بشكل مكثف، وأن يكون صاحب شعبية كبيرة في المدرسة أو في الأجواء التي يوجد بها. وما أن يلحظ الأهالي الانطوائية التي تغلب على أسلوب لعب طفلهم مثلا، كالجلوس وحيدا للتركيز في لعبة ما فإن هذا المشهد سيثير بهم تساؤلات جمة عن أن طفلهم يعاني خطبا ما. وجدت سوزان كين الكثير من المغالطات والحقائق المنتشرة، كبيئة العمل المفتوحة التي يُفترض أن تزيد من إبداع الموظف، بينما أعظم المخترعين والمُبدعين وصلوا لأعظم اختراعاتهم لوحدهم تحت ظرف العُزلة البحتة! وتستشهد الكاتبة بالكثير من الدراسات التي تُثبت أن العزلة لها دور مهم في صقل المواهب واستخراج أنقى مكنونات الفكر.

  

 

لرُبما الهدوء الذي لا يُعد مُنتجا ملموسا بكيان واضح، والذي يُستهان بقوته التي يُمكن كسرها بأي صوت صغير، هو ثروة سيلهث العالم وراءها كُلما تطور، وسيبحث الدماغ عن أي بقعة هادئة تمنحه ضجيجه الداخلي. فكأنها علاقة عكسية، كلما زاد الضجيج من حولك خَفَت ضجيج أفكارك الداخلي وتشتت أفكارك، وكلما كان الهدوء مُسيطرا على ما حولك أُفسح المجال لضجيج أفكارك الداخلية، وإبداعاتك اللامحدودة. يقول عالم النفس الأميركي رولو ماي:

  

"من أجل أن تكون منفتحا على الإبداع، يجب أن يكون لديك القدرة على الاستخدام البناء للعزلة. إذ يجب على المرء التغلب على الخوف من أن يكون وحيدا "

تقارير متصدرة


آخر الأخبار