انضم إلينا
اغلاق
"المستهترون بالكتب".. كيف تدمر موضة القراءة مفهوم المعرفة الحقيقي؟

"المستهترون بالكتب".. كيف تدمر موضة القراءة مفهوم المعرفة الحقيقي؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

     

"الكتب هي دليل على أن البشر قادرون على إتيان السحر"

(كارل ساجان في "كوزموس")

   

قال جورج مارتن(1) ذات مرة إن "النوم جيد، لكن القراءة أفضل من النوم"، أما أوسكار وايلد فقد قال: "إذا لم تستمتع بتكرار قراءة الكتاب نفسه أكثر من مرة بالقدر نفسه، فلا حاجة لك إلى أن تبدأ بقراءته من الأساس"، وأضاف(2): "أنا أستمتع بالكتب لدرجة تجعلني لا أهتم بكتابتها"، في الحقيقة فإن الكتب، ولذة القراءة بها، قد نالت على مر التاريخ الكثير من الاهتمام، أعطانا ذلك فكرة تقول إنه حينما نقرأ فمن المفترض أن نستمتع بتلك اللذة بالضبط كما يحدث في إعلانات الشيكولاتة، لكن هل القراءة لذيذة فعلا؟

 

في الحقيقة، فإن لهذه الفكرة نتائج كارثية على مفهومنا عن ذواتنا، فحينما تحاول أن تقرأ في كتاب عن الفلسفة الوجودية، حتّى وإن كانت مقدمة قصيرة جدا للمبتدئين، على سبيل المثال، أو آخر عن ميكانيكا الكم، فإنك بالطبع لن تشعر بأي لذة، سوف تُرهق بعد الصفحة الأولى، ويبدأ الملل بالتسرب إلى أعماقك شيئا فشيئا، وربما بعد الصفحة الثالثة ستقرر الانسحاب قليلا وتصفح هاتفك النقّال، ثم تنسى الكتاب تماما بعد فترة قصيرة وكأنه لم يكن بجانبك يوما ما.

 

لذيذة كإعلانات الشيكولاتة


الآن، فيمَ ستفكّر؟ بالضبط، ستظن أنه لا علاقة لك بالقراءة، هؤلاء الذين يستمتعون بالقراءة هم، ربما، فئة خاصة من البشر، ربما هم أكثر ذكاء منّا، هؤلاء الذين يتغزلون في القراءة وكأن ممارستها تشبه أن تشرب عصيرا باردا في نهار صيفي بعد يوم عمل طويل، أي لا بد وأنهم يمتلكون سرا ما يُمكّنهم من ذلك.

 

لكن ذلك، بكل بساطة، ليس حقيقيا. بمعنى أن القراءة بالفعل قد تسبب درجات من النشوة والسعادة في أثناء ممارستها، لكن ذلك يحدث فقط في حالة قراءة الروايات، وليس كل الروايات بل فقط البسيطة منها، أما القراءة في العموم فهي مهمة صعبة، في بعض الأحيان تكون قاسية ومعقدة، ويتطلب الأمر بذل الكثير من الجهد من أجل الانتهاء من بضع صفحات في الكتاب نفسه، أو قد يتطلب الأمر أن تعيد قراءة فصل أو كتاب بالكامل من أجل تحقيق درجة من الفهم فيه.

 

في العلوم، على سبيل المثال، فإن كتب تبسيط العلوم هدفها هو تقديم المعارف العلمية لهؤلاء الذين لا يفقهون شيئا عنها، بالتالي فإن تلك الكتب ليست مقدمة لشخص آخر يفهم العلم أكثر منك، كتاب "الكون في قشرة جوز" مقدم لك ولكل هؤلاء من غير المتخصصين في علم الكونيات، لكنك -على الرغم من ذلك- ستعاني مع تلك النوعية من الكتب، لأن تلك هي طبيعة القراءة عن شيء جديد حتّى لو كان سهلا. بالطبع قد يكون أسلوب الكاتب غاية في البساطة، لكن رغم ذلك لن يحدث أن تتلذذ بالقراءة كما تسمع أو تقرأ في الاقتباسات الفانتازية الشهيرة.

 

كلما كان النص أكثر تعقيدا كان الاستمرار في القراءة تحديا حقيقيا. في الكتب الفلسفية، على سبيل المثال، مهما كانت بسيطة، فإنك ستواجه معها دائما هذا النوع من التحديات، لهذا السبب فإن القراءة -كمهارة- تحتاج إلى الكثير من الوقت كي تألفها، وحينما يحدث ذلك فإن القراءة نفسها لا تصبح أكثر سهولة بقدر ما تألف آليات القراءة وتصبح أكثر قدرة على الهضم، أما إذا مارست القراءة بصورة متقطّعة فسوف تتعرض لتحديات كبيرة دائما. ويمكن لك كي تتعلم أكثر عن تلك النقطة أن تراجع تقريرا سابقا للكاتب بعنوان(3) "دليل المبتدئ.. كيف تقرأ الفلسفة؟".

نحن لا ننظر للقراءة كمحاولة للتعرف إلى العالم بقدر ما نعتبرها شكلا من أشكال الظهور الاجتماعي كمثقفين وأصحاب عقليات متزنة

مواقع التواصل

 

هل نقرأ حقا؟

لكن ما سبق، بدوره، يفتح الباب لتساؤل أكثر أهمية قد تظن للوهلة الأولى أن إجابته سهلة، حيث: لماذا تقرأ بالأساس؟ ما الذي يدفعك لتزور أحد معارض الكتب أو أن تتجول في سوق الكتب القديمة أو أن تجتذب رواية من أحد رفوف بائعي الجرائد لتقرأها؟ من المفترض أن تكون الإجابة الأكثر مناسبة هنا هي "لأنني أود أن أعرف"، أليس كذلك؟

 

في تلك النقطة دعني أقول إننا لا نفعل ذلك. بمعنى أوضح، فالبعض يقرأ، في الكثير من الأحيان، لأن القراءة هي "موضة"، هؤلاء المشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي يضعون صورا لهم جالسين في أحد المقاهي الفاخرة، ويظهر أنهم يستمتعون بالفعل بتلك الكتب، في تلك الحالة نحن لا ننظر للقراءة كمحاولة للتعرف إلى العالم بقدر ما نعتبرها شكلا من أشكال الظهور الاجتماعي كمثقفين وأصحاب عقليات متزنة. نحن هنا لا نقرأ، بل فقط نود أن نظهر بمظهر من يقرأ.

 

من جهة أخرى، قد نقرأ لأجل أن نعوّض عن بعض نقاط النقص في شخصيّاتنا، قد يتصور أحدهم أنه إذا تعلم الكثير من الاصطلاحات الفلسفية والعلمية المعقدة فإنه سيكتسب سلطة على الآخرين بحيث تعوّض ضعفا في ذاته، هنا يمكن له أن يرتدي عباءة التعقيد الفلسفي والعلمي، خاصة حينما يستخدم اصطلاحات ملتوية ولغة مقعّرة، من أجل أن يتمكّن من استعراض عضلاته المعرفية من حين لآخر.

 


لكن على الرغم من أن كونك قارئا نهما هو شيء جيد، وضرورة لحياة مقبولة في هذا العالم القاسي، أو كما قال4 راسل ذات مرة، على عكس الرأي الرائج في وسائل التواصل: "لا تشعر بالغيرة من سعادة أولئك الذين يعيشون في جنة الحمقى، لأن الأحمق فقط هو من سيعتقد أن تلك هي سعادة"، فالجاهل يشقى بجهله، أو كما قال(5) سقراط: "حياة لم نتساءل عنها ونتفحّصها لا تستحق أن تعاش"، لكن في النهاية فإن ذلك لا يسمح لك أن تقلل من شأن من لا يقرأون، أو تعتبر أنك في طبقة أفضل منهم، أضف إلى ذلك أن القراءة من أجل الوصول لتلك الحالة التي تستشعر خلالها أفضلية على خلق الله لن تستمر طويلا.

 

ذلك لأنه لكي تتعلّم شيئا ما عبر القراءة يجب أن تبذل الكثير من الجهد والوقت، والسبب الوحيد الذي يمكن أن يساعدك لتحمل كل ذلك هو فقط قناعتك بأنك تقرأ لكي تصبح حياتك أفضل، أما غير ذلك فسوف تنفض عنه سريعا لأن النتائج التي ستتحصل عليها لن تتوافق مع قدر الجهد المبذول أبدا، ما سوف ينفّرك منها سريعا. الحالة الوحيدة التي يمكن أن تدفعك للاستمرار في القراءة هي قناعتك أنك تبذل هذا الجهد في سبيل منفعة شخصية مهمة.

 

في تلك النقطة يمكن أن نتأمل دراسة صدرت مؤخرا، في مجلة العلوم الاجتماعية من عدة جامعات أسترالية وأميركية، أوضحت عبر فحص على الإنترنت لعيّنة قوامها 160 ألف شخص أن هؤلاء الذين ترعرعوا في منزل يحوي مكتبة كانوا أصحاب قيمة أكبر في القدرات اللغوية والحسابية والتكنولوجية، بل وظهر تناسب واضح بين عدد الكتب وارتفاع القدرات في تلك العيّنة (تأمل بقية التقرير(6) المرفق إن أحببت للتعلم أكثر عن هذا الجانب).

القراءة هي مرادف للتعلّم، ولا يمكن لنا أن نحقق أي فائدة من خلالها دون التقيد بهذا المفهوم

الجزيرة
 
ما العلاقة بين القراءة وراتب آخر الشهر؟

في الحقيقة، هناك رأي رائج في أوساط علم النفس يقول بضرورة ممارسة القراءة لأجل تحسين قدراتنا، والتي تنعكس بدورها على أمور خاصة ومهمة جدا كمستواك الاجتماعي والمادي وأوضاعك الوظيفية وعلاقاتك، بداية من الزواج ووصولا إلى الصداقة. رغم ذلك، فنحن لا نتعامل مع القراءة بجدية من هذا المنطلق، منطلق المصلحة الخاصة، بل نظن أنها غاية في حد ذاتها، وهو ما يعطينا انطباعا خاطئا عن فكرة الاستمتاع، أو اللذة، الخاصة بالقراءة، أو انطباعا آخر خاطئا أيضا يصوّر القراءة كدرجة من درجات الرفاهية. بينما في الواقع فإن اللذة الحقيقية هي تلك التي تتلقاها حينما تتعلم بعض الأشياء عن مفهوم جديد. كان كارل بوبر، فيلسوف العلم الأشهر، كان يقول دائما(7) إن العقلانية هي الاستمرار في التعلّم، التعلّم من أخطائنا.

 

القراءة هي إذن مرادف للتعلّم، ولا يمكن لنا أن نحقق أي فائدة من خلالها دون التقيد بهذا المفهوم، ذلك لأن الكتاب في حد ذاته ليس كيانا مقدسا يجب أن نلجأ إليه كلما أردنا التحصّل على المعرفة،  ولكنه نقطة في شبكة معرفية تفرّعت بصورة مذهلة في العقود القليلة الماضية، هنا أصبحت الكتب هي فقط إحدى وسائل التعلّم، ويمكن لوسائل أخرى على الإنترنت، كالمقالات الطويلة أو المحاضرات على يوتيوب أو المساقات، أن تشارك هي الأخرى في المهمة نفسها.

 

لذلك، يمكن أن تغنيك مجموعة من المحاضرات عن قراءة كتاب ضخم، ويمكن لمقال على موسوعة ستانفورد الفلسفية أن يحقق لك فائدة جمة، حول موضوع ما، أكثر من الكتب؛ ذلك لأن الهدف بالأساس هو تعلّم شيء ما، ثم بعد ذلك الانتقال إلى شيء جديد. الكتاب إذن ليس هو المصدر الوحيد للمعرفة، في الحقيقة فإن أحد المظاهر التي تدعو للأسف هي انكباب الكثيرين على الكتب فقط، بينما لا يجد يوتيوب اهتماما واسعا مشابها في الوطن العربي، رغم كل ما يحويه من كنوز(8) حقيقية لكل متعلّم.

 

من جهة أخرى فإن أحد أشهر الأخطاء الشائعة في الفهم، تلك التي تسببت بها تلك الفكرة القائلة إن الكتاب هو هدف في حد ذاته، هي تصوّر أنك تقرأ لكي تحفظ المعلومات التي تقرأها، ثم يشكو البعض من أن ذلك لا يحدث، لكن الهدف من القراءة ليس حفظ المعلومات بقدر ما هو تشرّب الفكرة التي يقصدها الكاتب.

الفكرة ليست بالأساس في أن تقرأ كثيرا، وإن كانت القراءة بنهم مهمة، بل أن تستخدم ما تقرأ لتصنع منه شخصك

مواقع التواصل
 
ما التسامح؟

حينما تقرأ في علم الكونيات، على سبيل المثال، فإن الهدف ليس التعرّف إلى الكيفية التي تعمل بها نسبية الزمان والمكان على وجه الدقة، أو حفظ اصطلاحات كـ "نصف قطر شفارتزشيلد" أو "حد شاندراسيخار"، بل إدراك قدر الغرابة الذي يحف هذا الكون، ذلك الذي لم نكن نعرف عنه أي شيء قبل أن نقرأ كتابا ما لشون كارول مثلا. ليس ضروريا أن تحفظ كل شيء عن المدرسة الوضعية المنطقية في الفلسفة، بل أن تتأمل كيف كانت تنظر إلى العالم، وكيف يمكن لك أن تنظر أنت إلى العالم بالطريقة نفسها، والعالم هنا هو كل شيء بداية من السياسة وصولا إلى رحلتك اليومية إلى الجامعة.

 

في النهاية، فإن الفكرة ليست بالأساس في أن تقرأ كثيرا، وإن كانت القراءة بنهم مهمة، بل أن تستخدم ما تقرأ لتصنع منه شخصك، بالضبط كما يُصاغ السيف على يدي حدّاد بارد الروح، أو كما تخرج للوجود وردة طبيعية لم تحتج إلى سماد، لذلك قد يكون ما تقرأ قليلا للغاية لكنه كان قادرا على تغيّر وجهة نظرك للعالم، أو إعطائك نافذة جديدة تطل منها على الطبيعة.

 


لهذا السبب فإن القراءة ليست مرادفا للتلقين، بل هي فرصة للتحرر، حينما تقرأ لعدد كبير من المفكرين وفي عدد ضخم من الموضوعات فإن هناك شيئين أساسيين تتعلمهما قبل كل تلك المعارف والمعلومات المكدّسة، الأول هو الحس النقدي، بحيث تقابل أي فكرة بدرجة من الحذر، مهما كانت الفكرة جميلة وباهرة أو ذات وجاهة للوهلة الأولى، ومهما كانت متسقة مع الواقع وذات مرجعية جيدة، ومهما بدت بديهية أو مسلما بها، تعطيك القراءة قدرا من الحرية في إخضاع تلك الفكرة للتشكك.

 

أما الثاني فهو أن القراءة لا تدفع لليقين في قدر معارفك بقدر ما تدفع للتأمل، سوف تتعلم الكثير عن هذا العالم، عن الكون وسدمه ومجراته ونظرياته التي تقدم لك الواقع في صورة لم تكن لتتخيّلها في أكثر الروايات فانتازية، فيكون أول ما تصل إليه من نتائج هو ما قاله سقراط قديما: "فكل ما أعرفه هو أنني لا أعرف".

 

من تلك النقطة التي تدرك فيها مدى جهلك، وتتعلم فيها عن قابليتك لأن تخطئ كأي إنسان، تصبح أكثر تسامحا مع العالم، أو كما قال(9) كارل بوبر ذات مرة: "ما التسامح؟ يسأل فولتير، ويجيب: إنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية. إننا جميعا من نتاج الضعف: كلنا هشون وميالون لارتكاب الخطأ. لذا دعونا نسامح بعضنا بعضا، ونتسامح مع جنون بعضنا بعضا في شكل متبادل. وذلكم هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة. المبدأ الأول لحقوق الإنسان برمتها".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار