انضم إلينا
اغلاق
"انتهاك البراءة".. كيف يمكن حماية فتياتنا من مواقع التواصل؟

"انتهاك البراءة".. كيف يمكن حماية فتياتنا من مواقع التواصل؟

كاميليا حسين

كاتبة مهتمة بشؤون الأسرة والعلاقات وأساليب الحياة الحديثة
  • ض
  • ض

أطفال في عمر التاسعة يفكرون في إنقاص وزنهم وربما بدأ بعضهم بالفعل في اتباع حمية غذائية، وآخرون في الحادية عشرة من العمر بدأوا في إزالة الشعر الزائد من أجسادهم، مراهقون يتحدثون عن رغبتهم في إجراء جراحات تجميلية، وآخرون لا يعرفون أنفسهم سوى عبر فلاتر إنستغرام وسناب شات، ويستمدون ثقتهم من عدد المتابعين والإعجابات (اللايكات) التي يحصلون عليها. هذا ليس كابوسا لكنه عالم المراهقة اليوم تحت ضغوط وتأثيرات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي توغلت في حياة أبنائنا.

 

أطفال أم كبار؟

تُمثّل سنوات المراهقة المبكرة تحديا كبيرا في حياة الأبناء والآباء على حد سواء، ربما لم يعد أبناؤك يعترفون بحاجتهم إليك، ربما كفّوا عن مشاركتك ما يمرون به من تجارب، لكنهم ما زالوا بحاجة إليك، ولتشجيعك ومؤازرتك والأهم لرؤيتك كنموذج يُحتذى به في الحياة الواقعية. حيث يتأثر بالتغيرات الهرمونية التي تحدث في هذه المرحلة، وتتصاعد الضغوط التي يشعر بها، سواء كانت ضغوط الأقران أو الضغوط الأكاديمية والدراسية التي تصل إلى أقصاها في المرحلة الثانوية. كما يصبح أكثر إدراكا لبيئته، وكل هذه الضغوط قد تزيد من خطورة تعرضه للقلق والتوتر والاكتئاب.

  

طبقا لمنظمة اليونيسيف يمكن تقسيم مرحلة المراهقة إلى قسمين، المراهقة المبكرة من 10 إلى 14 سنة، والمتأخرة من 15 إلى 19 سنة. في مرحلة المراهقة المبكرة تبدأ التغيرات البدنية عادة بطفرة في النمو يتبعها تطور الأعضاء الجنسية، وكلها تغييرات واضحة وظاهرة. أما التغييرات النفسية والداخلية فعلى الرغم من أنها أقل وضوحا فإنها بالعمق نفسه، فطبقا لبحوث علم الأعصاب الحديثة هناك نمو كهربي وفسيولوجي مذهل يحدث في نمو المراهقين في سنوات المراهقة المبكرة، حيث يتضاعف عدد خلايا الدماغ ويعاد ترتيب شبكة الخلايا العصبية، مما يؤثر بشكل كبير على القدرات العاطفية والعقلية، ومن الملاحظ أن التطور النفسي والجنسي يظهر في الفتيات بمرحلة أسبق من الفتيان بفارق من عامين إلى ثلاثة أعوام، نظرا لتطور الفص الجبهي المسؤول عن التفكير المنطقي وصنع القرار مبكرا في الفتيات عنه في الفتيان.

   

 يميل المراهقون في مرحلة المراهقة لتجربة أشياء جديدة ومختلفة سعيا للتعرف على هوياتهم

مواقع التواصل الاجتماعي
   

وفي هذه المرحلة يزداد وعي الفرد بجنسه ويبدأ في تعديل سلوكه ومظهره بما يتلاءم مع المعايير المتصورة عنه.(1) تترافق هذه المرحلة في الغالب مع مرحلة الدراسة المتوسطة (الإعدادية) وبالإضافة إلى التغيرات النفسية والجسدية يمكننا أيضا ملاحظة العديد من التغيرات السلوكية المرتبطة بسعي المراهق نحو تحديد هويته واهتمامه بلفت الأنظار والحصول على القبول من زملائه وأقرانه وأن يبدو مرحا/ شهيرا/ "cool". وهو ما يؤدي به أحيانا إلى اللجوء لسلوكيات غير معتادة كالحديث في الصف في أوقات غير مناسبة أو إطلاق النكات السخيفة.

 

كما يبدو المراهق وكأنه يدور في فلكه الذاتي، حيث ينشغل بمظهره ويبدي اهتماما بكل ما يتعلق به (لماذا يبدو شعري هكذا؟، هل أنفي كبير؟، ما هذه البثور؟، هل ملابسي مناسبة للموضة؟). كما يميل المراهقون في هذه المرحلة لتجربة أشياء جديدة ومختلفة سعيا للتعرف على هوياتهم.(2) وفي ظل سعي المراهقين المحموم في هذه المرحلة تجاه تحديد هوياتهم وزراعة الصورة التي يرغبون في أن تُمثّلهم يصبحون هدفا رئيسيا لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي تستغل رغبتهم في أن يصبحوا "كبارا"، مما يعرضهم للعديد من الرسائل الخطرة وغير المناسبة. وعلى الرغم من مدى خطورة هذه المرحلة في حياة الأطفال/المراهقين فإن الكثير من الأهل يستسلمون لمنح أبنائهم الهواتف الذكية في هذه المرحلة.

 

وحش منصات التواصل الاجتماعي

وكنتيجة لوجود الهواتف الذكية المتصلة بالإنترنت في أيدي نسبة كبيرة من المراهقين فإن أغلبهم صاروا يقضون جل وقتهم في التنقل بين صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتشكل حياتهم عبر القصص والمنشورات التي يشاركونها على الإنترنت، ربما لا يتذكر أبناؤك آخر القصص التي شاهدوها على تطبيق سناب شات، فهي سرعان ما تختفي من على الشاشة لكن أثرها يبقى طويلا في نفوسهم.

 

طبقا لدراسة حديثة فإن الوقت الذي يقضيه الطفل في مرحلة المراهقة المبكرة يؤثر عليه بشكل كبير في بقية سنوات المراهقة، وقد وجدت الدراسة أن هذا التأثير يتضح بشكل أكبر في الفتيات. ربما لا يتذكر أبناؤك آخر ما شاهدوه على تطبيق سناب شات فكل شيء سريع يظهر ويختفي بسرعة، لكن تأثيره يظل طويلا.(3)

 

    

الفتيات يتأثرن أكثر

وفقا لدراسة بريطانية حديثة فهناك ارتباط بين معدل الوقت الذي يقضيه المراهقون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وبين صحتهم النفسية وظهور أعراض الاكتئاب لديهم. ووفقا للدراسة فإن هذه النسبة كانت أعلى في الفتيات المراهقات منها في الفتيان. وقد وجدت الدراسة أن نسبة ظهور أعراض الاكتئاب ارتفعت بين المراهقين بداية من عام 2011، وهو العام الذي شهد ارتفاعا ملحوظا في معدلات استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي.(4)

 

طبقا للدكتورة جينيفر باولا لاندر، أستاذة علم النفس السريري والمتخصصة في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في فترة المراهقة المبكرة والمراهقة، فهناك الكثير من الأمور التي تواجه المراهقات على مواقع التواصل الاجتماعي والتي يمكن أن تؤثر على ثقتهن بأنفسهن، ومن بينها: ردود الأفعال سواء الإيجابية أو السلبية على ما تشاركنه، وعدد الإعجابات (اللايكات) التي تحصل عليها، وعدد المتابعين، وعدد المشاركات (الشير) الذي تحصل عليه منشوراتها. إذ يُفسَّر الإعجاب (اللايك) باعتباره نوعا من القبول الاجتماعي، وهو ما يجعل عدد الإعجابات (اللايكات) يؤثر على درجة ثقة المراهقة بنفسها، خاصة في عالم اليوم، إذ اكتسبت الشهرة المستمدة من عدد المتابعين والإعجابات (اللايكات) تأثيرا كبيرا، فما يراه المراهقون من نماذج لأشخاص "عاديين" يقدمون محتوى مثل نصائح التجميل أو ينشرون بعض الـ "ميمز" المضحكة ليصلوا إلى شهرة كبيرة قد تجر عليهم صفقات مربحة أو حتى الظهور في برامج التلفاز.

 

وتستمر هذه الضغوط حيث تتعرض الفتيات منذ الصغر لقصف مستمر من الرسائل الموجهة من الإعلام والرموز الثقافية المهيمنة وبعض الرموز السياسية أحيانا والتي تركز على مظهرهن. وقد أدى هذا الاتصال المستمر بوسائل التواصل الاجتماعي إلى تفاقم التركيز القاسي على المظهر والتعرض لأحكام النظراء القاسية وضغوطهم، والدليل على ذلك هو ارتفاع نسبة الاكتئاب في المراهقين بعد عام 2011.(5)

 

لماذا تتأثر الفتيات أكثر من الفتيان؟

يمكن التنبؤ بالسبب، فكما سبق أن أشرنا يبدأ التطور النفسي والجسدي في الفتيات مبكرا عنه في الفتيان، ويعد ازدياد الفضول نحو العالم خارج حدود الأسرة واحدا من أهم التغيرات النفسية الرئيسية في هذه المرحلة، ونظرا لمحدودية فرص التواصل والتفاعل أمام بعض الفتيات خارج حدود الأسرة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي توفر لهن فرصة مثالية للتواصل مع العالم الخارجي والتعرف عليه، ومحاولة إعادة تعريف نفسها وإعادة خلق هويتها وصورتها، وبمرور الوقت يبدأن في تكوين روابط قوية مع العالم الافتراضي، وإذا وقعت لهن أي حوادث سيئة فإن هذا يدفعهن لتفادي العالم الحقيقي أكثر وأكثر، كما يؤثر فيما بعد على نموهم وصحتهم النفسية. بينما يحصل الفتيان عادة على فرص أكثر لاستكشاف العالم والتواصل في العالم الحقيقي، وعلى الرغم من أن عملية تطورهم قد تتأخر عامين أو ثلاثة عن الفتيات فإن التجارب التي يتعرضون لها قد توفر لهم المزيد من النضج مما يخفف من الأثر السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي عليهم.(6)

 

 

   

خطورة وسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة المراهقة المبكرة

في هذه المرحلة المبكرة فإن قشرة الفص الجبهي في دماغ المراهق ما زالت قيد النمو والتطور، وهذا الجزء من الدماغ يشارك في عمليات اتخاذ القرار والتخطيط وكبح التصرفات غير اللائقة أو الخطرة والوعي بالذات وبمن حولك. ونظرا لعدم تطورها بشكل كامل يصعب على المراهقين التعامل مع الإغراءات والمشتتات التي تقابلهم عند استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي. كما قد يؤدي الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي في المراهقة المبكرة لنشأة نمط إدماني لاستخدامها في المستقبل، كما أنها تؤثر على اكتساب المهارات الاجتماعية وتطورها الطبيعي حيث يستبدلها المراهقون بتعلم مهارات التواصل الحقيقية وجها لوجه. وعلينا ألا نغفل عن أن الهدف الأساسي من وسائل التواصل الاجتماعي هو التسلية، فهي ليست وسائل للتعلم أو اكتساب الخبرات، لكنها مجرد وسائل للترفيه مرتبطة بمنصات تسويق تهتم بجمع المعلومات الشخصية والتفضيلات الخاصة بالأبناء في كل مرة يستخدمونها لاستخدامها فيما بعد.(7)

 

كيف يمكنك حماية أبنائك؟

في ظل هذا التنامي المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي تبدو الرغبة في عزل الأبناء وحمايتهم بشكل مطلق رغبة خيالية وكل ما يمكنك أن توفره هو توفير تجربة آمنة قدر الإمكان، ويمكن تحقيق ذلك عبر الاهتمام بما يلي:

 

- يفضل أن تؤجل خطوة استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي ﻷقصى ما يمكن، لا تستسلم سريعا أمام إلحاحهم، وامنحهم فرصة للنضج بعض الشيء بما يمكنهم من استخدامها ببعض الحكمة، لا تسمح لهم بإنشاء حسابات على مواقع التواصل قبل بلوغ الثالثة عشرة من العمر.

 

- ساعدهم على إنشاء حسابات أسرية بدلا من حسابات الأفراد، وهي خدمة توفرها بعض الشبكات الاجتماعية، سيتيح لهم هذا فرصة التواصل مع أصدقائهم في إطار آمن.

 

- احرص على تقليص الوقت الذي يقضونه في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديده بإطار واضح تتفقون عليه معا.

 

- ساعدهم على التخطيط للقاءات حقيقية مع أصدقائهم، لا يحتاج أبناؤك إلى 868 صديقا من فيسبوك ولا 322 متابعا على إنستغرام قدر احتياجهم إلى 4 إلى 6 أصدقاء مقربين لمساعدتهم على التطور الاجتماعي بشكل صحي. شجعهم على دعوة الأصدقاء في المنزل للعب أو مشاهدة فيلم أو تناول وجبة يعدونها بأنفسهم.

 

- اقض معهم المزيد من الوقت، بشكل عام يُظهِر المراهقون الأكثر ارتباطا وتواصلا مع أسرهم مزيدا من السعادة والنجاح في حيواتهم. وعلى الرغم مما يبدو من رغبة المراهقين في الابتعاد عن أسرهم والاستقلال عنهم فإنهم بحاجة إلى الأسرة أكثر من أي وقت مضى. يحتاجون إلى الشعور بأن هناك من يستطيعون العودة له بعيدا عن دراما وسائل التواصل الاجتماعي.(8)

   

 تذكر أن القيم والأفكار التي عملت جاهدا على زراعتها في أبنائك ما زالت موجودة لكنها تحتاج إلى إعادة الصياغة والإنعاش

مواقع التواصل الاجتماعي
    

- قبل البدء في الاندماج في عالم وسائل التواصل الاجتماعي تأكّد من توعية أبنائك بشكل كافٍ ومن فهمهم لأبعادها، وعوامل الأمان فيها (مثل عدم مشاركة المعلومات الشخصية، وكيفية التعامل مع التحرشات الجنسية والتنمر السيبري).

 

- احرص على وجود جذور قوية لهم في العالم الحقيقي، كلما ارتبط أبناؤك أكثر بالعالم الحقيقي قلّ ارتباطهم بوسائل التواصل الاجتماعي والوقت الذي يقضونه في استخدامها، يشمل هذا علاقات الصداقة الواقعية والاندماج في أنشطة رياضية وفنية واجتماعية.(9)

 

- لا تسمح باستخدام الهاتف الذكي أثناء وقت تناول الطعام مع العائلة (وهذه القاعدة تشمل الوالدين أيضا).

 

- راقب سلوكهم على وسائل التواصل الاجتماعي واحرص على متابعة صفحاتهم الشخصية، شاهد معهم برامجهم المفضلة على التلفاز وتصفح مجلاتهم وتناقش معهم كي تستطيع أن تفهم ما يجذبهم وما يلفت أنظارهم.

 

- تعزيز قبول الذات: في هذا الوقت ومع مرحلة البلوغ والتغيرات الجسدية المصاحبة له والتي تختلف معدلاتها من شخص إلى آخر، وهو ما يجعل هذه المرحلة صعبة في بعض الأحيان، خاصة في ظل قوالب الجمال النمطية التي تطرحها وسائل الإعلام، عليك أن تساعد أبناءك وتعزز لديهم قبول الذات، وعلمهم أن الاهتمام بالصحة يأتي في المقام الأول.(10)

 

تذكر دائما أن القيم والأفكار التي عملت جاهدا على زراعتها في أبنائك في مرحلة الطفولة ما زالت موجودة لكنها تحتاج إلى إعادة الصياغة والإنعاش كي يستطيعوا المرور بسلام من هذه المرحلة. وتذكر أنك ستظل دائما المثال المحتذى لأبنائك حتى لو أظهروا العكس، فاحرص على أن تكون إلى جانبهم دائما.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار