انضم إلينا
اغلاق
"عبادة المظهر".. لماذا لا يشعر من يخضع لعملية التجميل بالرضا؟

"عبادة المظهر".. لماذا لا يشعر من يخضع لعملية التجميل بالرضا؟

  • ض
  • ض

"لم يكُن يُريد لنفسه أن يكون مايكل جوزيف جاكسون، أراد أن يكون شيئا آخر، وأفنى عمره في عمل هذا، وحققه"

(جون راندي تارابوريلي. (1))

  

كان هذا ما قاله كاتب السيرة الذاتية لحياة مايكل جاكسون "مايكل جاكسون - القصة كاملة للسحر والجنون"، أسطورة البوب كما يُلقبه مُعجبوه. فالملامح الأفريقية التي نزعتها الجراحات التجميلية من أقدم جذورها من وجه مايكل جاكسون هو أمر مُثير للدهشة! وحين تُحاول أن تلعب لعبة الفروق بين صورتين لمايكل جاكسون في عمر الثامنة ولمايكل نفسه بعد ثلاثة عقود، فإن الفرق -الذي لن تجد غيره- سيكون بأنك تنظر لوجه مختلف تماما، وكأنه خُلق للتو.

 

ولو لم نكُن ننعم بالوسائل التي وثّقت تحولات وجه مايكل جاكسون ولون بشرته لما صدّقنا بأنه الشخص نفسه. الغرابة أيضا تقف خلف التغيرات المُستمرة لأنفه، والتغيرات هذه هي التي وصلت بأن يكون بلا أنف كما تقول دكتورة التجميل باميلا ليبكين لقناة "إيه بي سي نيوز" (ABC News) بأن مايكل جاكسون نتيجة عدد العمليات التجميلية المبالغ بها التي تم إجراؤها في الأنف قد وصلت به للحد الذي لم يعد هناك أنف يتنفس من خلاله، وليصل لمرحلة اللاعودة! (2)

 


لقد كان مايكل جاكسون في مراهقته يكره بشرته المليئة بحب الشباب، ولم يعجبه أنفه بسبب كبر حجمه، حتى إن إخوته كانوا يلقبونه بـ "الأنف الكبير". أجرى أولى عمليات أنفه في سن الـ 21 عندما كُسر. ولكن هذا لم يوقفه طوال سنوات، حيث كان يُرقق أنفه باستمرار، ويرفع وجنتيه، وحاجبيه، ويحدد فكه بطريقة تختلف تماما عن شكله الأصلي، حتى وصل لتغيير لون جلده الذي وصفه بأنه "بُهاق"، إلا أن الطبيبة ليبكين ترجح أنه من المحتمل أن يكون قد غير لون جلده كاملا ليتماشى مع البُهاق؛ فهي -كطبيبة تجميل- لم ترَ في حياتها بهاقا كهذا! وكأن سلسلة من نزع الجذور كانت تلتف حول مايكل جاكسون باستخدام عمليات التجميل، وكل تغيير في الواجهة يكشف عن عدم رضا في الأعماق. فما الذي يجعل الرضا صعبا على من أجرى التغيير، وكيف يُمكن للذي دفع آلاف الدولارات أن لا يكون راضيا بما غيّر؟



المُجتمع المُتطلب

لا شك أن العصر الذي ننتمي له هذه الأيام، والذي تُسيطر عليه القوى المتمركزة في وسائل التواصل الاجتماعي، له تأثير واسع في تغيير الكثير من المعايير المؤثرة على الفرد أو المجتمع ككل. فغاية الفرد في نهاية المطاف أن يتناسب ويندمج مع محيطه، مع مجتمعه الذي يغرس فيه بداية حلمه حتى نهايته. فمعايير المجتمع تؤثر على أغلب قرارات الفرد، بل وتوجّه مسار آماله وفق مقبول ومرفوض يتناسب مع المجتمع قبل أي شيء آخر. فيبدو من الواضح -والمُفَسَّر- وجود ضغط مجتمعي في مواضيع عدة تطول أعمق أفكار الفرد، بل وأكثرها سرية وحساسية.

 

من ضمن العوامل التي تُؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن ثقة الفرد في مظهره الخارجي هي المعايير المجتمعية -التي تتأثر بمواقع التواصل- الممتدة بين طرفي هذا العالم والتي تجلب صور الجمال الذي يختلف بين كل بُقعة عن غيرها في الخريطة. فأصبح إجراء عملية التجميل هو إجراء بسيط، هذا بالفعل ما أكّدته دراسة وجدت أن 37% من الفتيات العربيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15-17 سنة يجدن بأن عمليات تجميل الأنف، تركيب الرموش شبه الدائمة، وحقن وتكبير الوجنتين بالبوتوكس، لا يحتاج إلى الكثير من الوقت حتى يتقرر، بل بسيط كالذهاب في نزهة! هذا ما دفع الأطباء لتأكيد أن أهم الأسباب التي تدفع المراهقين للانجراف وراء سراب عمليات التجميل هو أن المجتمع أصبح يعطي أهمية كبيرة للمظهر الخارجي. (3)

 

 

حيث يُقدر عدد عمليات التجميل التي أجريت في الولايات المتحدة في عام 2015 أكثر من 10 ملايين إجراء تجميلي جراحي، وفي كوريا الجنوبية دراسات تُوضح أن أكثر من 60٪ من النساء في أواخر العشرينيات و40٪ من النساء في أوائل العشرينيات من العمر خضعن لعملية تجميلية. وكفة النساء أثقل من الرجال إذا ما كان الحديث عن الجمال، حيث إن 85% من الذين يجرون عمليات تجميلية هن من النساء. (4) فالمجتمع أصبح مُتطلبا ومُتعطشا لجعلك تقتنع أنه كلما أصبحت جميلا تُشبه المشهور الفلاني منحك ذلك سعادة أكبر. فيجب أن يكون حجم أنفك لا يزيد على كذا، ورقة شفتك لا ينبغي أن تقل عن كذا. وهذا ما يدفع النساء إلى الاعتقاد بأن مظهرهن الخارجي سيتم الحكم عليه خصوصا في أماكن العمل، حيث أكدت دراسة أن النادلات اللواتي يلبسن قبعة باللون الأحمر يحصلن على إكراميات أكثر من غيرهن، فبات المظهر الخارجي بداية من اختيارات الملابس إلى ملامح الوجه عاملا مساعدا في تقدم مهنتك. (5) (6)

لقد ضلوا الطريق للطبيب النفسي!

"شاهد صور الفنانات قبل وبعد عمليات التجميل"، "صور مُسربة للفنانة الفلانية قبل أن تجري 7 عمليات تجميل"، "أنكرت الفنانة خضوعها لعمليات التجميل"، وغيرها من العناوين التي تُؤجج الفضول! بين مفارقات من كانت تبدو أفضل، ومن التي تحسن مظهرها بعد قيامها بتعديل أنفها. هنالك الكثير من يضع نفسه موضع اختبار أن يُغير من ملامحه، هل سيبدو أجمل؟ هل ستبدو شابة نضرة أكثر؟ وغيرها من الاحتمالات التي يُعلق عليها الاختصاصي النفسي محمد السويدي بأنها أسباب نفسية أهمها انعدام الثقة في النفس، والتي بدورها تجعله راغبا في التعديل والتغيير، ووضعه لسيناريوهات في عقله أن تفاصيله التي يراها هو يراها الجميع معه. كم من مرة انزعجت من حاجبك الذي ترتفع زاويته قليلا أكثر من توءمه أمام المرآة، ولكنك حين تشتكي لأحدهم يُجيبك: "لم ألحظ هذا قبل أن تقوله!".

 

 

إن انعدام الثقة بالنفس يعني العجز الذاتي للمرء وانهيار احترامه لنفسه، والاستهانة بقُدراته، فيلجأ للترميم الظاهري الذي يجعله -وفق تخيلاته- مناسبا أكثر لمعايير المكان الذي يوجد به، والذي يتطلب مظهرا مُعينا يقدم له النجاح والحب والتقدير على طبق من فضة! ولا يُعمم الحديث هنا عن كل عمليات التجميل، فهناك دواعٍ تجميلية لأسباب طارئة وحرجة كالحروق والحوادث التي تترك تشوهات في الوجه أو الجسم، ولكن مشكلة انعدام الثقة يقتصر بها الحديث على إجراء عملية تحت السكين لا تحتاج إليها! فبعد أن تغير حجم أنفك، ستُقنعك "وسائل الإعلام" بأنك قد بلغت منتصف الطريق، فهناك معايير أخرى للوجنتين مثلا، وهكذا. فيُصبح الرضا محض خيال يُرسم بعيدا عنك كلما حاولت الوصول له وجدت سكينا بينك وبينه!

 

ووفق دراسة قدمتها جامعة لافال وسبع دراسات أخرى في علم الأوبئة أكدت أن النساء اللواتي أجرين عمليات تجميل في الثدي كانوا أكثر عرضة للانتحار بمرتين أو ثلاث مرات مقارنة بمعدلات الانتحار العامة. وتُشير الدراسات أيضا إلى أن 10% من الذين يلجأون للجراحات التجميلية يحتاجون أساسا إلى التوجه لطبيب نفسي لا لغرفة العمليات. وهذا ما يقودنا للذهاب بصورة العمليات التجميلية بتخيلها كدوامة تبتلع من يُعاني مشكلة نفسية لا تجميلية ولكنه أساء تشخيص نفسه وحكمه على ذاته. (7) 

لوحة للفنانة ليزلي أولداكر، من سلسلة لوحات احترام الذات (مواقع التواصل)


في لوحة للفنانة ليزلي أولداكر، التي كانت جزءا من سلسلة بعنوان "احترام الذات"، تتمحور حول كيفية رؤيتنا لأنفسنا داخل المجتمع، وكيف أنه بات من الصعب أن نتفرد في شيء وفق معايير مجتمعية تتبدل كل يوم، فأصبحنا نُشبه بعضنا البعض إلى حين تغيير المعايير المتفق عليها مجتمعيا. فيجب علينا الاحتفاظ بما يمنحنا التفرد، ولربما وجبت الإشارة هنا إلى دور الإعلام الذي يُركز على جوانب استهلاكية محددة من الجمال، ويصب تركيزه على مشكلات جسدية تخفي في جوهرها مشكلات نفسية دفينة، ويعمل هذا النمط الاستهلاكي على تقديم حلول جراحية لمشكلة ليس لها أي أساس عضوي. إذ يبدو أنه سيكون من الأفضل حل مشكلة صورة الجسد مع الإجراءات النفسية والثقافية بدلا من الإصلاحات الطبية أو الجراحية. وربما يجب أن نثق بفكرة أن الجمال لا يُمكن أن يكون بقالب واحد فقط!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار