انضم إلينا
اغلاق
ما بين الحقيقة والخيال.. لماذا أصبح للأبراج كل هذا التأثير؟

ما بين الحقيقة والخيال.. لماذا أصبح للأبراج كل هذا التأثير؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

إله الشمس، إله القمر، إله المطر، ومصفوفة لا حصر لها من الآلهة الذين تغيروا وتبدلوا على مر العصور، بل حتى إن هناك إلها ونصف إله في بعض الحضارات الممتدة بين قُطري هذا الكوكب. كانت عادة البشر القُدامى أن يُقدموا القرابين لآلهتهم، وكانت حضارة الآزتك -على سبيل المثال- تتقرب من إله المطر بقتلهم للأطفال الذين يبكون بصوت مُرتفع ابتغاء رضا الإله عليهم ومنحهم زخات من المطر. (1)

    

بعض الحضارات اعتبرت الأمطار غضبا من الرب، ولطالما ارتبطت أحوال الطقس عبر خيالات البشر بانفعالات الآلهة بشكل عام، حتى وضع أرسطو في 350 قبل الميلاد كتاب "الميتيورولوجيا" أي دراسة الجو، وبعدها وضع العالم الإغريقي ثيوفراستوس كتابا عن التنبؤ بالأحوال الجوية، وسُمي "كتاب الدلائل"، وربما كان هذا إنجازا يُخفف من ربط أحوال الطقس بمزاج الآلهة. فما الذي دفع كل هؤلاء لطرح أسئلة تتعلق بما وراء السماء؟ رغم علمهم بأنهم يجهلون الكثير منها ولم يحدث أن جاء أحد من السماء ليخبرهم عن مكنوناتها. 

    

   

كانت مراقبة الفلك من اهتمامات جُلّ الفلاسفة الذين بقي علمهم يُستزاد منه حتى يومنا هذا، وكان التنبؤ بأحوال الطقس مفيدا للكثير، للمحاصيل، للتقليل من الخسائر المادية، للتحذير من بعض الكوارث. والتنبؤ هو ربط العلم والتقنية لمعرفة شيء دقيق سيحدث في وقت لاحق -في المستقبل-. ثم جاء الصيدلاني والمنجم الفرنسي نوستراداموس لينشر كتاب "النبوءات" والذي كانت تنبؤاته لا تعتمد على علم ولا تقنية، إلا أنها تطابقت مع الكثير من الأحداث التي حدثت في وقت لاحق -في المستقبل-، على سبيل المثال، لمح نوستراداموس بعض الشامات على جسد صبي في حاشية الملكة كاترين -وكانت هذه وسيلة من وسائل التنبؤ قديما- وطلب أن يكشف عن باقي شامات جسده، إلا أن الصبي شعر بالحرج وهرب. ذهب نوستراداموس في اليوم التالي لرؤيته أثناء نومه ليُعلن أن هذا الصبي سيُصبح ملكا لفرنسا، كانت حينها الملكة كاترين على عرشها وتملك اثنين من الأبناء، إلا أن ذاك الصبي بالفعل أصبح ملك فرنسا وهو هنري الرابع. (2)

   

   

نشرت الإندبندنت البريطانية عن رغبة الناس في اختلاس نظرة للمستقبل، واستشهدت بمجموعة من تنبؤات نوستراداموس التي تحققت، فيقول نوستراداموس في رباعية من رباعياته:

  

"إن شبلا سيتغلب على أسد، في ساحة القتال،

وفي معركة واحدة، سيقلع عينيه

من خلال قفص ذهبي،

جرحان يشكلان جرحا ثم يموت ميتة قاسية"

  

يُقال بأن هذه الأبيات تتطابق مع أحداث وفاة هنري الثاني، حيث مات الملك هنري الثاني عام 1559 بعد أن قتله غابرييل دي مونتغمري خلال مبارزة ودية بالرماح، وكان مرسوما على ترس كل منهما أسد، وطارت شظية من رمح مونتغمري فدخلت عينه، واخترقت الأخرى خده وبقي عشرة أيام حتى مات(3)، إلى جانب الكثير من الكوارث والأحداث السياسية والحروب التي تنبأ بها على شكل رباعيات مثل الألغاز. إلا أن هذه الألغاز وجدت مكانا بين القادة وبعض الأسماء التي لمعت في التاريخ؛ حيث كان نابليون بونابرت يحمل كتاب "النبوءات" دائما معه، وكذلك هتلر الذي استعاره من زوجة وزير الإعلام جوبلز، كما كان لا يفارق مكتب الوزير الأول لإليزابيث الأولى ملكة بريطانيا، ووُجد أيضا في مكتبة الفاتيكان، وتُرجم إلى المئات من اللغات المتداولة. ورغم كل هذا التطابق فإن هُناك من يُشكك بمصداقية هذه الرباعيات وأنه من المُحتمل أن يكون قد عُدّل عليها حتى تتناسب مع مُعطيات الظروف الحالية، ولكن لا دليل على أي من هذه الادعاءات. كما أن هذه الألغاز كانت تُستغل لأغراض أخرى كالتعصب لتوجه أو حراك سياسي وغيره.

   

يحظى نوستراداموس بشعبية دفعت رومانيا لوضع صورته على طابع البريد عام 2003 (مواقع التواصل)

   

بين الكارما والأبراج

يُعد مفهوم الكارما من ركائز الديانتين البوذية والهندوسية، وتعني بأن ما يفعله الشخص من خير أو شر سيعود إليه، بكلمات أخرى "كما تدين تُدان"، فأفعالك يرتبط حاضرها بمُستقبلها، فكلما قدمت خيرا الآن وجدت الخير فيما بعد الآن. ورُبما هذا ما يجعل المرء فضوليا تجاه مستقبله، هل يحمل مكافأة على خير قدمه أم عقابا على شر ارتكبه. يقول عالم البيانات الهندي هيمانت كاثوريا:

  

"إننا نتجه إلى عالم التنجيم لا لأن نكشف عن الكواكب التي ستعترض طريقنا، بل لتُسهل علينا وتدّلنا على الطريق الذي يُناسب الكارما بأفضل حالاتها"

   

وكأفضل تشبيه لما يقوله كاثوريا، إن الأبراج تعمل عمل المرآة، فأنت تستطيع أن تلبس كل ملابسك لوحدك، ولكن ربطة العنق قد تحتاج إلى المرآة لكي ترى حركات يدك إن كانت تُناسب الاتجاهات التي ستُعقد بها ربطة العنق كما يجب! وهذا -تحديدا- ما كان يحاول رسمه كاثوريا في الدور الذي تلعبه الأبراج في الصورة الكُبرى، وهو أنك لن تحتاج إلى الأبراج في كامل أمور حياتك، ولن تحتاج إلى أي تنبؤات، إنما ستحتاج إلى بعض المساعدة في أن يقول لك برجك: "هذا يوم جيد للاستثمار"، أو: "هذا يوم سيئ لاتخاذ القرارات".. مرآة! (4) (5) (6)

  

ولكن السؤال الذي يُطرح -بديهيا- بعد سماع كل هذه الشروحات التي تُقنعك أن حركة ما بالسماء تؤثر عليك، وأن الصورة الكبرى للسماء لا تكتمل إلا بما يناسبها على الأرض، يتمثل فيما يلي: هل يمكن حقا لتفاعلات تحدث في السماء أن تؤثر على حياة الإنسان بصورة مباشرة؟ حسنا.. منسوب المياه في حركتي المد والجزر يرتبط ارتباطا وثيقا بحركة القمر، وهناك دراسة تقول إن تغير الطقس يؤثر على مزاج الإنسان، فكلما أصبح الطقس دافئا كان الشخص أكثر سعادة. أُجريت هذه الدراسة على أكثر من مليون شخص من مناطق متفرقة بين الولايات المتحدة والصين، وكانت النتيجة أنه كلما كانت درجة الحرارة متدنية كان الفرد عُرضة للاكتئاب. مرة أخرى؛ أي دراسة تناقش تأثير ما في السماء على الإنسان تجد ما يُعاكسها. فهناك دراسة أخرى تُثبت أن حركات الكواكب، أو الشهر الذي وُلدت به، أو درجة الحرارة التي كانت لحظة ولادتك، لا شأن لكل هذا بسماتك الشخصية. وعلاوة على ذلك، يعتقد 22% من الأميركيين أن التنجيم والأبراج اليومية تنتمي لعلم الفلك، وهذا خاطئ في المُطلق، علم الفلك يستطيع تحديد مواقع النجوم والكواكب ولكنه بكل تأكيد لا يربط كل تلك الحركات بحياتنا الشخصية، أما التنجيم فرُبما يخطئ البعض في نسبه لعلم الفلك لارتباط جذوره بالفلك، ولكن لا يوجد أي أساس علمي لكل التنبؤات التي تربط بين حركة الكواكب وتأثيرها المباشر على حياة الشخص الشخصية. (7) (8)

   

  

بين التاروت والأبراج

بطاقات أو أوراق التاروت تُعتبر أداة أخرى للتنبؤ بأحداث المستقبل بالترابط مع برجك. لا توجد أي وثائق تؤكد استخدامها الأول، ولكنها دخلت أوروبا لأول مرة مع مماليك مصر، لذا تعتبر هذه الأداة ابتكارا استُنبط من الحكمة المصرية القديمة. وجدت مكانا للنجاة في أوروبا بين حطام انهيار الثقافة المصرية هناك، وسرعان ما تم تعديل الرسومات المصرية بما يُناسب المنطقة التي توجد بها هذه البطاقات. تحتوي على رموز مختلفة تتغير قراءتها بتغير مكانها في الخريطة التي يرسمها لك قارئ التاروت. ويؤكد بعض ممارسي قراءة التاروت قدرتهم على علاج العقل الباطن باستخدام هذه الأوراق. إن كل ما تفعله هذه الأوراق هو رمي بعض الاحتمالات التي تُناسب الصورة الظاهرة على البطاقة، لتترك مهمة حبك الحكاية وربط القراءات لك، أنت بطل الحكاية، فمن أفضل منك بأخذ التلميحات وربطها بحياتك وفهم مغزى كل إشارة ظهرت على بطاقة التاروت: الحب، الصحة، العمل، العلاقات، وغيرها.

   

في السنوات القليلة الماضية وجد التاروت مكانا ثابتا ليُقرأ من بداية كل عام، للتنبؤ بأحداث سياسية، اقتصادية، كوارث، وحروب. يعتمد على طاقة كل برج. تشرح سارة عيد (9)، واحدة من اللواتي يداومن على تقديم قراءات التاروت على موقع يوتيوب أن التاروت يستند إلى العلم، وتحديدا إلى فيزياء الكم، بالاعتماد على الأنا العليا (المُثلى) في نظر الفلاسفة، والأكوان المتوازية التي تؤكد سارة أن التاروت هو بعض الإشارات التي تُرسلها لك أناك التي في المستقبل، فهي إما تُحذرك وإما تُشجعك. وتقول: "من المؤكد أنك شعرت فور دخولك لمكان لأول مرة بأنها ليست أول مرة وأن كل ما حولك مألوف، هذا تماما ما تُقدمه لك الأنا العُليا التي سبقتك وألفت هذا المكان". ولكن، وبالاعتذار مقدما من سارة، التي تُعزز شرحها بأن التاروت هو مجرد جسر يصلك بزمن آخر، لا يوجد أي علم يؤكد ربط التاروت بالطاقة أو بالفيزياء ولكنها طريقة اعتمدها الغجر قديما كنوع من التنجيم والتبصير. من الجدير بالذكر -أيضا- أن كلمة "تاروت" هي مقلوب كلمة "توراة" في الكتابة وفي النطق، وربطها البعض تاريخيا بعلاقة ممارستها بالماسونية. (10) (11)

    

   

مغناطيس المجهول

يروي طالب قصته (12) التي كانت وراء متابعته للأبراج وللتنبؤات اليومية والتي شاركها على منصة "Quora"، فيقول بأن والده توفي فجأة، وكان هذا قاسيا، وبعد عدة سنوات توجه أخوه الأكبر للنوم (36 عاما) ولكنه مات فجأة -أيضا- ولم يستيقظ، وهي أحداث جعلته يجد صعوبة في النوم خوفا من أن يُغمض عينه ويسبح في المجهول المظلم ولا يعود. بات يُتابع التنبؤات بعد أن كان مُنكرا تماما لها، ليشعر بالراحة رُبما، أو ليحصر احتمالات حياته بين يدي منجم سيُهديه ثوبا فضفاضا من الاحتمالات، ونحن عادة إذا لم تتطابق هذه الاحتمالات مع أحداث حياتنا لا نُلقي لها بالا، أما إذا صدقت فنحن نتبعها ونتتبع أثرها ونُصدق كل ما بعدها، ولكن؛ لماذا يلهث الواحد منا للكشف عن خبايا غده؟

    

   

من الطبيعي التفكير بأن الغد يحمل لك فرصا يجب انتهازها، ولكن ألم يكن اليوم هو الغد الذي اعتقدته بالأمس يحمل فرصة عليك انتهازها؟ هذا يجعل الغد بطريقة أو بأخرى بلا قيمة، فالغد مرتبط بما تفعله اليوم، فلن تستيقظ غدا لفعل شيء لم يكن جذره راسخا في تربة اليوم! ولكن الخوف من مجهول ستعيشه غدا هو شيء طبيعي طالما كان بنسبة معقولة تدفعنا لا شعوريا لتفعيل وضع الجاهزية لمجهول لا نعرف خططه، على الجانب الآخر؛ النجاح لم يكُن يعني أبدا جمع الأشياء، بمعنى أن النجاح في اجتياز الغد لا يمكنه أن يكون مضمونا قياسا بالمعلومات التي جمعتها حول الغد. يقول واين داير في مقدمة كتاب "سوف تراه عندما تؤمن به": (13)

    

"إنك لن تستطيع أن تشرب كلمة (ماء)، ولا يمكن للمعادلة التي تكوّن H2O أن تجعل إحدى السفن تطفو فوق سطح الماء، كما لا يمكن لكلمة (مطر) أن تُصيبك بالبلل. لا بُد أن تُجرب الماء أو المطر حتى تتعرف بالفعل على ما تعنيه هاتان الكلمتان. فالكلمات نفسها تُبعدك عن التجربة ولا تُشبه التجربة"

   

فلا يُمكنني الآن أن أكتب لك "التنبؤ خُرافة" وأتوقع منك أن تُصدق هذا، بل أتوقع أن أدفعك للتجربة وترك الحكم لك الذي يتطابق مع معتقداتك وأهوائك وميلك الشخصي نحو مفاهيم معينة تعتقد أنها تتناسب معك وتمنحك سلامك الداخلي، الذي بالتأكيد هو ما يدفعك ويجذبك لمغناطيس المجهول ويدفعك لمحاولة الكشف عن أكبر قدر ممكن من خبايا الغد. يقول إيكهارت تول في كتاب "قوة الآن"، مشيرا إلى مخزون القوة الهائل الذي تملكه أنت في لحظة "الآن": (14)

      

  

"لم يحدث شيء مطلقا في الماضي، بل حدث الآن. ولن يحدث شيء في المستقبل، بل سيحدث في الآن. الذي تفكر به على أنه الماضي هو أثر الذاكرة، مُخزن في الذهن لـ (آن سابقة) والمستقبل هو مجرد (آن) مُتصوَرة. فالماضي والمستقبل هما انعكاسان باهتان لنور الحاضر، فحقيقتهما مُستعارة من الآن"

   

ليقول بكلمات أخرى إن كل ما هو خارج الآن هو عدم، ليُضيف على ذلك أيضا أن التحرر من الزمن هو أعمق تحول للوعي يمكنك تخيله. التحرر من الحاجة النفسية إلى الماضي بحثا عن هويتك، والتحرر من الحاجة إلى المستقبل بحثا عن اكتفائك، وأنه يجب أن تكون نقطتك المركزية التي تُحركك هي "الآن". فكل القرارات التي تأخذها الآن هي القرارات التي تُناسب اللحظة التي سيُبنى عليها الغد، وليس العكس. لا يُمكنك تصور صورة خيالية للمستقبل -غير مضمونة- لتتخذ قرارات تتناسب معها اليوم!

   

خُلاصة القول؛ إن كان التساؤل عن أساس علمي يربط بين حركة زحل (كوكب المال) بحياتك المادية وازدهار اقتصادك، فلا أساس علمي لتأثير الفلك وحركة كواكبه على حياتك. وإن كان التساؤل عن ارتباط فيزيائي يربط بين أزمنتك المتوازية لتُلقي لك "الأنا العُليا" إشارة في رمز رُسم على ورقة، فلا ارتباط فيزيائي يُنشئ لك معادلة ثابتة تُفيد ذلك. وإن كان التساؤل عمّا إذا كانت هذه الأبراج صحيحة، فهناك ما يثبت أن هذه الأبراج السماوية لم تتغير في كتب التنجيم منذ 2500 سنة (15)، إلا أن موقع الشمس قد تغير مع كل دوران تُكمله، وهذا يعني أن برجك الفلكي قد يتغير أيضا اعتمادا على حركة الشمس ومكانها! أنت تجذب تنبؤاتك، وموقعك الحالي على سطح الأرض هو ما يُحدد موقعك غدا، احتمال المصادفة وارد في كل أمور الحياة، وقد يتحلى البعض بمهارات خارجة تماما عن نطاق العلم وأرضية المعادلات الفيزيائية. ولكن لكل مقام مقال، فلا يستطيع أحد اختراع أداة تُهديك طريقة مثلى تجعل استجابة دعائك مؤكدة، ويسميها "علم الدعاء"، فلا يُمكننا إخضاع أضلاع هذه المعادلة للعلم وتجريدها من الشق الغيبي الذي لا تُفهم إحداثياته!

آخر الأخبار