انضم إلينا
اغلاق
لعبة الثقة.. هل يمكن أن تصبح مغناطيسا للحظ؟

لعبة الثقة.. هل يمكن أن تصبح مغناطيسا للحظ؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

"أنا أؤمن جدا بمفهوم الحظ، وأجد بأنني كلما عملت واجتهدت أكثر، كسبت من الحظ أكثر وأكثر"

(توماس جيفرسون)

 

رُبما تقطن في مكان ما، في هذا الوطن العربي، يؤمن بثقافة موروثة تعتقد بأن انسكاب القهوة فأل خير يدل على قدوم عريس محتمل سيدق الأبواب، أو إن كنت تتابع مسلسلا تركيا ستجد بأن أهل البيت يرشون الماء خلف المسافر مُرفقا بالدعاء له بـ "اذهب وارجع مثل الماء" كدعوة له بالحظ والتوفيق في سفره والابتعاد عن المشاكل. وإذا ما جال الحظ أنحاء العالم، ستجد أن لكل ثقافة حظا ومعادلات لجلب الحظ تختلف عن غيرها، حيث نشر موقع (1) Business Insider بعض أغرب المعتقدات في مختلف أنحاء العالم التي يجب الانتباه لها في حال زيارتها، حتى تحمي نفسك من شُبهات أن تكون نذير شؤم يحوم في هذه المناطق!

 

في الفلبين على سبيل المثال، لا يُلبس اللون الأحمر في العواصف الرعدية، فهناك اعتقاد بأن هذا اللون يجذب الصواعق لمن يرتديه. وفي نيجيريا يُمنع تقبيل الطفل على شفتيه، حيثُ يُعتقد بأن هذا الفعل سيتسبب بسيلان لعابه باستمرار بعدما يبلغ، وستكون المُلام على ذلك! وفي إيطاليا والبرتغال، يُعتبر المشي للخلف أكبر فعل يجلب الحظ السيئ لفاعله، فيُعتقد أن الشيطان يكون في الخلف وبهذا الفعل سيجدك ويلاحقك ويجلب لك السوء والحزن. كما يرتبط الحظ بالنجاح، حيث يُمكن لذروة النجاح أن تحصل بين ليلة وضحاها، ولكنك ستكون مُجبرا على قطع أميال من النجاح لتصل إلى ذروته. حتى مباراة كرة القدم، يقف الفوز بها أحيانا على آخر دقائق من اللعبة ستحسم طرفها الذي يتغلب بنقطة واحدة تتأرجح بالمسافة بين أرجل الحظ؛ وأيضا لن تصل إلى هذه المرحلة إذا لم تقطع شوطين مثاليين. فهل يُمكن أن يُصنع الحظ؟ أو أن تجد طريقا يُقربك منه؟

 

    

إرادة حُرة أم أن الحظ يتحكم بنا؟

"الحظ هو بقايا الرغبة"

(جون ميلتون)

 

لو وُجه لك سؤال يطلب منك أن تُحدد مكانك، سواء بين صفوف المحظوظين أم أولئك الذين لا يُحالفهم الحظ، وبالأخذ في عين الاعتبار أن الحظ مسألة عشوائية، تحدث مصادفة دون فهم بدايتها، فهل يمكنك أن تحكم على نفسك بشكل قاطع في أن تُحدد ما إذا كنت شخصية محظوظة أم لا؟ هذا ما ناقشته ماريا كونيكوفا (2) في محاضرة كان عنوانها "هل الحظ يؤثر على نجاحاتنا؟"، وسألت بشكل مُنصف: هل تعتقد بأنك عالق في المنتصف بين الحظ وعدمه؟ وللإجابة عن هذا السؤال، ولتحديد مكانك بشكل قاطع، يجب أيضا فهم معنى الحظ، فهناك مغالطات تدمج بين الحظ والمهارة، وبين الحظ والموهبة. ولهذه النقطة نصيب كبير في كتاب ماريا كونيكوفا حيث كتبت باستفاضة عن التحيزات البشرية الشائعة بالتفكير بكل ما يتعلق بالمصادفة، بداية من وهم السيطرة، والتّبِعات السلبية لمشاكل الثقة المفرطة؛ في محاولة منها لرسم الخط الفاصل بين الخيال -الذي لا تتحكم به- وبين الواقع -الذي يُمكنك السيطرة عليه-، وهذا الفصل من شأنه أن يجعل صنع القرار أفضل وأكثر اتزانا.

 

تُشير في محاضرتها أيضا إلى أن هناك عددا كبيرا من الناس الذين يعتقدون أن لا وجود للحظ الذي يتحكم بنا أو بمصائرنا، بل أنت تصنعه وتصل لما تُريد، دون عشوائية، دون مصادفة، دون أي شيء خيالي! وهذا تحديدا ما قالته أوبرا وينفري في إحدى مقابلاتها التلفزيونية:

 

 "لا شيء في حياتي يُعتبر حظا، ولو كان بإمكاني محو مفردة واحدة من القاموس ستكون الحظ، كل ما في الأمر أنك كنت متأهبا للحدث الذي حدث! لا لأن الحظ يلعب دوره، بل لأنك كنت على أتم الاستعداد لاستقبال نتائج عملك" (3)

 

ولكن كونيكوفا لا تتفق مع هذا التصريح، وترى بأن الحظ هو نوع من المصادفة التي لا نتحكم بها، ولكن أدمغتنا قادرة على التقاطها من المحيط، وتخزينها في الذاكرة دون غيرها، كمثال على ذلك تروي قصة جدها الذي كان يستقل القطار بشكل يومي، ولكنه في يوم من الأيام قرر أن يعود لبيته مشيا على أقدامه، ولحُسن حظه أنه فعل ذلك، ففي ذلك اليوم سُجل عدد وفيات ضخم ممن استقل ذاك القطار بسبب حادث مؤلم! وتُعلق: "إنها قصة الحظ الخاصة بعائلتي والتي نتوارثها بأن الكون أرسل رسالة لجدي لغرض إنقاذه، ولكن الحقيقة هي أن جدي شخص يحب المشي، وقد فعلها أكثر من مرة بأن يمشي عوضا عن القطار، ولكن ذاكرته تلتقط هذه المرة دون غيرها لأنها مليئة بالحظ -أو المصادفة- الذي أنقذ حياته!".

  

  

تُقدم ماريا نصيحة أخرى وتستشهد بدراسة أُجريت على طلاب جامعة هارفارد عن طريق إجراء تحدي القطعة النقدية، التي تسألك بعد قذفها في الهواء ما إذا كانت "صورة-كتابة". وبالرغم من أن هذا التحدي لا يقتضي أي مهارات إطلاقا وهي محض مصادفة بحتة، فإن أولئك الذي سجلوا إجابات صحيحة بتسلسل مستمر دون انقطاع كانت إجاباتهم بـ "نعم" عن أسئلة مثل: هل تعتقد بأنك ماهر في هذه اللعبة؟ هل تظن بأنك مع الممارسة أكثر ستصبح أمهر؟ على الرغم من أن لا مهارة هنا، بل على العكس، الثقة في أن هؤلاء الطلاب يُسيطرون على مصادفات لعبة عملت على إفساد إجاباتهم فيما بعد! ومن هُنا تأتي نصيحة ماريا بأن الثقة في أن الحظ الجيد يحوم حولك هو أمر جيد طالما لم ينتقل للإيمان المُطلق بأنك المسيطر على مكان الحظ، فوهم السيطرة على الخيال قادر على أن يُفسد أي فُرصة أمامك، لأنك ببساطة لا تُسيطر على الخيال، ولا تتحكم بالمصادفة. (4)

 

كيف تستعد لمصادفة الحظ؟

"الحظ له قدرة على التبخر إذا ما اتكأت عليه"

(براندون مول)

 

يرى أستاذ الفهم العام لعلم النفس في جامعة هيرتفوردشاير ومؤلف كتاب "عامل الحظ" ريتشارد وايزمان أن أفضل طريقة لاستحضار الحظ تكمن في جعلها صفة مستقرة ملازمة. حيث قرر أن يبحث عن الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم محظوظين على الدوام حتى جمع 400 شخص قادر على أن يصف نفسه بالمحظوظ -قطعا-. رأى أن أولئك الأشخاص يمتلكون مهارة في خلق الفرص أو ملاحظتها، وبارعون في الاستماع لحدسهم، ولديهم توقعات إيجابية تخلق مناخا قابلا لتحقيق الفرص -أو المصادفات- بالإضافة إلى تمتعهم بمواقف مرنة بكل ما يتعلق بتجارب الحياة. أما النفوس التي تعتقد بأنها قليلة الحظ، أو ليست محظوظة، أو سيئة الحظ عموما؛ هم الأكثر توترا وقلقا ولا يرون الفرص حتى لو كانت فوق رؤوسهم! (5) وفي كتابه يُقدم أربعة مبادئ تجعلك محظوظا ومغناطيسا لاجتذاب الحظ: (6) (7)

 

  

المبدأ الأول: زيادة الفُرص والتفاعلات الخاصة بك. كتب الدكتور وايزمان أن المحظوظين يبنون ويحتفظون بـ "شبكة حظ" قوية، مما يعني أن الناس يمكن أن يصبحوا محظوظين بزيادة عدد التفاعلات التي يقومون بها. فبذلك ينفتحون على تجارب جديدة؛ فعندما تكون مستعدا لتلقي أي شيء يأتي إليك، فأنت تسمح بفُرص عديدة لدخول حياتك أيضا.

 

المبدأ الثاني: أصغِ إلى حدسك ومشاعرك ولا تستهن بهما. يقول المؤلف إن المحظوظين يُؤمنون ويستمعون إلى مشاعرهم، حيثُ يلعب الحدس دورا مهما في منحك التوجيه في العديد من المواقف. كما يمكنك تعلم كيفية تعزيز الحدس عن طريق تقييم مدى نجاحه وعن طريق التعلم من تجاربك السابقة.

 

المبدأ الثالث: توقّع حُسن الحظ. يرى وايزمان إن المحظوظين يميلون إلى توقع أن حظهم سوف يستمر -مرة أخرى أن الحظ مستقر- وأنهم يتوقعون أن كل شيء يقومون به سيتحسن. ويقول أيضا إن الحظ هو مسألة فرصة تجتمع بالتحضير. فعندما تتوقع فرصا وتركز عليها؛ فإن ذلك يؤدي في النهاية إلى العثور عليها.

 

المبدأ الرابع: حوّل حظك السيئ إلى جيد. في هذا المبدأ الأخير يتحدث الدكتور وايزمان عن كيف يرى الناس المحظوظون إيجابيات حظهم السيئ. يعتقد المحظوظون أن أي حظ ضئيل أو مشاكل سيتبين أنها الأفضل على المدى الطويل. فعندما تتعامل مع سوء الحظ تماما كرد فعل؛ يمكنك حينها التعلم منه ومن الموقف مع الانتقال إلى المستقبل دون إحباط أو تبلد. ربما يكون أفضل وصف لهذا هو "كلما اجتهدت كنت أوفر حظا".

  

   

ما وجهة نظر العلم في كل هذا؟

"الحياة ليست سهلة. كلنا نملك مشاكل وحتى بعض المآسي التي تحتاج إلى التعامل معها، والحظ ليس له علاقة بها. الحظ السيئ هو فقط العذر الخرافي لأولئك الذين ليس لديهم الذكاء الكافي للتعامل مع مشاكل الحياة".

(جوان لوريري نيكسون)

 

ماذا لو أن جيناتك كانت هي المسؤولة عن إكسابك المهارات التي تمنحك جاهزية استقبال الفرص التي تجعلك محظوظا؟ نعلم بأن الـ "DNA" يجعلنا نأخذ من والدينا جميع المزايا التي يُمكننا رؤيتها، مثل لون الشعر، ولكنها أيضا تمنحنا تلك التي لا نستطيع رؤيتها، مثل سرعة نقل أجسامنا للأكسجين بالدم، أو كيفية اتصال الخلايا العصبية في دماغنا ببعضها البعض. وعلى السياق نفسه، فإنه من غير المنطقي أن يتحكم لون شعرك بالسرعة التي تركض بها، فكيف يُمكن لحمضك النووي أن يرتبط بفُرص الحظ؟ في عام 1953 اكتشف جيمس واتسون وفرانسيس كريك بشكل واضح بنية جزيء الحمض النووي (نموذج الحلزون المزدوج). بعد سنوات من البحث والتطوير للعمل على التسلسل الدقيق لرمز الحمض النووي الخاص بنا؛ حدد العلماء بدقة أين توجد جميع الاختلافات بيننا في هذه السلسلة، وأدرك الباحثون أن جميع مزايانا الشخصية تأتي من اختلافات صغيرة في 4 إلى 5 ملايين مكان في الحمض النووي. في معظم الأوقات تكون هذه الاختلافات صغيرة ولكنها تُميزنا! (8)

 

 

الخلاصة من كل هذا أن الجينات قد تحمل لك الصفات التي تُهيئك، والتي تمنحك بذرة الموهبة أو المهارة التي يجب أن تعمل عليها لكسب الفرص التي تُتاح حولك بما يُناسبها. هنالك من يملكون جينات تجعلهم متميزين ومحظوظين في المجال الرياضي، كصفات معينة في العضلات، وهنالك من يملكون ما يُميزهم فنيا، فسيلتقطون فرصة أن يقتربوا من ملحن يتابعون أعماله لمحوه في مقهى! اللاعب لن يتعرف على الملحن ولن يسعى للاقتراب منه، والموهوب فنيا لن يُصبح بطل كرة قدم أو يُفكر في صفات عضلاته! كلٌّ سيلتقط فرصته ونصيبه من الحظ الذي يتناسب مع ما يملك من مهارات، وما يبذله من جهد وسعي وإيجابية وانفتاح نحو تجارب الحياة. وأيضا يعود الأمر لإدراك الفرد، ومسؤوليته تجاه نجاحه أو فشله، فيستحيل أن ينجح المرء حظا، أو يفشل مصادفة! فإن كان عملك يبدأ الساعة التاسعة صباحا، وخرجت من منزلك في الثامنة والنصف، فليس الحظ السيئ هو من جعل أزمة السير تؤخرك عن عملك، بل أنت من منح الحظ فرصة الفشل لا النجاح.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار