انضم إلينا
اغلاق
لماذا يعد طفلك أذكى من الروبوت في مهارات التعلم؟

لماذا يعد طفلك أذكى من الروبوت في مهارات التعلم؟

The Guardian

صحيفة بريطانية
  • ض
  • ض

في أحد أيام يوليو/تموز المشمسة من عام 2005، كان كلٌّ من دِيب روي وروبال باتل يقفان في ردهة المنزل، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة تتخللها ملامح الحرمان من النوم المشتركة بين جميع الآباء والأمهات. في ردهة المنزل الكائن في بوسطن توقّفا لالتقاط صورة من أجل إرسالها إلى الجد، فيما هما يتحدثان بسرور عن الوافد الجديد.

 

بالمظهر المألوف لزوجين من سكان الضواحي لم يكن هذان الزوجان كأي والدين آخرين. فقد كان روي خبيرا في مجال الذكاء الاصطناعي وعلم الروبوتات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بينما كانت باتل اختصاصية بارزة في النطق واللغة في جامعة نورث إيسترن. لسنوات، كانا يخططان لتجميع أكبر مجموعة منزلية من الفيديوهات على الإطلاق.

 

من سقف البهو لمعت نقطتان سوداوان مخفيّتان، كل واحدة بحجم قطعة معدنية. وكان يعلو غرفة المعيشة المفتوحة على غرفة الطعام نقاط إضافية. إنها ما مجموعه 25 نقطة موزعين على أنحاء المنزل، منها 14 ميكروفونا و11 كاميرا، وهي جزء من نظام تم إعداده للعمل لدى عودتهما من المستشفى، بهدف تسجيل كل حركة يقوم بها المولود الجديد.

   

أثناء العشاء في إحدى الأمسيات، تفاخر روي أمام باتل، أنه قد صنع بالفعل روبوتا يتعلم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الأطفال

مواقع التواصل الاجتماعي
   

بدأ الأمر قبل عقد مضى في كندا، لكن الحقيقة هي أن روي صنع لنفسه أول روبوت وهو في السادسة في مدينة وينيبيغ، في السبعينيات، وواصل تطوره حتى عقود من بعد ذلك. مع استحالة شغفه إلى مهنة، تنامت تساؤلاته حول دماغ الرجل الآلي. ما الذي يتطلبه أن يجعل الأجهزة التي صنعها تفكر وتتحدث؟ أخبرني روي: "خِلْتُ أن بوسعي قراءة الأدبيات المتعلقة بكيفية تفكير الأطفال، وأن ذلك سيمنحني مخططا لبناء لغتي وتعليم الروبوتات".

 

أثناء العشاء في إحدى الأمسيات، تفاخر أمام باتل، التي كانت آنذاك تستكمل درجة الدكتوراه في علم أمراض النطق البشري، أنه قد صنع بالفعل روبوتا يتعلم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الأطفال، وأطلق عليه اسم "توكو". كان مقتنعا أنه إذا حصل الروبوت على نوع المدخلات التي يحصل عليها الأطفال، فإنه سيمكنه أن يتعلم منها.

 

كان "توكو" أكثر قليلا من مجرد كاميرا وميكروفون مُثبَّت على هيكل ميكانو (Meccano) المبني على شكل طائر الطوقان بعينين تشبهان كرة الطاولة، ومنقار أصفر معقوف وجذع يلفه ريش أحمر. فبالرغم من شكله فإنه كان ذكيا، حيث قام روي بتدريس توكو باستخدام تقنية التعرّف على الصوت وخوارزميات تحليل الأنماط لتمييز الكلمات والمفاهيم في دوامة الكلام اليومي. بينما تعلمت أجهزة الكمبيوتر في السابق اللغة رقميا، وفهم الكلمات وعلاقتها بكلمات أخرى، كان إنجاز روي هو صنع آلة تفهم علاقة الكلمات بالأشياء. عندما طُلب من توكو اختيار الكرة الحمراء بين مجموعة من العناصر المادية، كان بإمكانه فعل ذلك.

 

     

كانت باتل تدير مختبرا للأطفال الرُضّع في تورنتو، سافر روي إلى هناك لمعرفة ما يمكنه أن يتعلّمه. من خلال مراقبة الأمهات والرضع، أدرك أنه كان يدرّس توكو بشكل سيئ؛ حيث أوضح لمجلة وايرد (Wired) عام 2007: "لم أقم بتنظيم خوارزمية التعلم الخاصة بي بشكل صحيح. يعلم كل والد أنه عندما تتحدث إلى رضيع يبلغ أحد عشر شهرا من عمره، فستظل تحدثه في موضوع ضيق للغاية. إذا كنت تتحدث عن كأس، تلتزم بالحديث عن الكأس فقط وتتفاعل مع الكأس حتى يشعر الطفل بالملل ومن ثم يتوقف الحديث عن الكأس".

 

كان روبوته يتعلم من خلال كل صوت يتناهى إلى سمعه، ويقوم بفحص كل وحدة صوتية تمكن من التقاطها عند أي لحظة كان يتعلم فيها شيئا جديدا، ولكن روي عدّل الخوارزمية لإضفاء تحسينات على أحدث تجاربه، وبدأ بتغذيته بالأصوات عبر تسجيلات مختبر الأطفال الذي تديره باتل. فجأة بدأ توكو في بناء المفردات الأساسية بمعدل لم يسبق له مثيل في أبحاث الذكاء الاصطناعي. أصبح حلم روي بـ "إنسان آلي يمكن أن يتعلم من خلال الاستماع ورؤية الأشياء" على وشك أن يتحقق أكثر من أي وقت مضى، لكنه كان بحاجة إلى التغذي على التسجيلات وكان من الصعب العثور عليها.

  

لم يسبق لأحد أن درس حقا ما يحدث للطفل في تلك السنوات الحاسمة الأولى؛ كانت القاعدة بالنسبة للباحثين هي إجراء جلسات مراقبة أسبوعية لمدة ساعة، وهي الطريقة التي اتبعتها باتل في دراسة الأمهات والرُضّع في مختبرها. وإن كنتَ ستدْرُس الطريقة التي يتعلّم بها الطفل الكلام، فستحتاج إلى شخص غريب الأطوار بما يكفي لتأسيس منزل يحتوي أجهزة تسجيل مخفية.

  

من تجارب دِيب روي وروبال باتل (مواقع التواصل )

  

سمعتُ لأول مرة عن تجربة باتل وروي أثناء العمل مدرسا في لندن. حضر معظم الأطفال الذين قمت بتدريسهم إلى المدرسة في سن الحادية عشرة حيث لم تكن لغتهم بالمستوى المطلوب، وكأستاذ مبتدئ فقد بذلت مجهودا استثنائيا لمساعدتهم في الوصول إلى المستوى المطلوب. وفي حين بدت أساليبي قديمة جدا، كان نهج روي علميا أكثر. كنت آمل أن تؤدي النتائج التي توصل إليها إلى اكتشاف السر الذي يمكن أن يساعد الأطفال في تحقيق إمكاناتهم الكاملة. إذا استطعنا إنشاء آلات تتعلم مثل البشر، فهل يمكننا أيضا تطوير آلات يمكن أن تساعدنا في إتقان التعليم البشري؟

 

قبل بدء التسجيل، اتفق روي وباتل على بعض القواعد الأساسية: أولا، ستكون التسجيلات متاحة فقط لدائرة من الباحثين الجديرين بالثقة. ثانيا، إن شعر هو وباتل في أي وقت بعدم الارتياح أثناء التصوير، فإنهما سيقومان بحذف اللقطات، ثالثا، في حال تطلب الأمر شيئا من الخصوصية، سيتم إيقاف تشغيل النظام مؤقتا. كان النجاح مسألة غير مضمونة، لكن الأمر كان يستحق العناء بالنسبة لهم. إن كُتب لتجربتهم النجاح، فإنها ستكون فاتحة في فهم الطريقة التي تعمل وفقا لها عقول الأطفال الرضع.

 

بالنسبة إلى روي، كان توكو بمنزلة بينوكيو لدى النجار جيبيتو. وفي حين أراد روي معرفة ما يمكن للأطفال الحقيقيين تعليمه للروبوتات، أردت أنا أن أعرف ما إذا كانت أشرطة الفيديو المنزلية تلك قادرة على إخبارنا بطريقة لتعزيز عملية التعلم لدى أصغر البشر سنا.

 

في عام 1995، نشر باحثان، وهما بيتي هارت وتود ريسلي، نتائج دراسة تتبعا فيها 42 عائلة في مدينة كانساس لمقارنة تجارب الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة من عائلات فقيرة مع أقرانهم الأكثر ثراء. وبدءا من الرُضّع بعمر تسعة أشهر، وكانوا يراقبونهم بانتظام على مدار عامين ونصف، يسجلون ويكتبون كل ما تلفظ به الوالدان والطفل أثناء زياراتهم لمدة ساعة. وأتت النتائج واضحة: فقد تنبأ عدد الكلمات التي سمعها الطفل في عيد ميلاده الثالث بنجاحه الأكاديمي في سن تسع سنوات. وكان هناك فارق هائل، فقد قدّروا أن الأطفال الأكثر ثراء كانوا بحلول سن الرابعة قد سمعوا 30 مليون كلمة أكثر من الأطفال الأكثر فقرا.

 

    

قال هارت وريسلي: "إن مشكلة الاختلافات في المهارات بين الأطفال في وقت دخول المدرسة أكبر وأكثر استعصاء وأهمية مما كنا نعتقد". وقد أظهر بحثهم أن من المفيد التدخل في أبكر وقت ممكن: "كلما تأخرت الجهود، أصبح التغيير المحتمل أقل إمكانية".

 

وإذا عُرف السبب بطل العجب؛ لقد كانت هناك فجوة لا بد من ردمها بالكلمات. لقد أدت نتائج تجربة هارت وريسلي إلى انتشار لعبة "حمّى الكلمات" (Word-Rush) التي لا يزال هناك إقبال عليها حتى اليوم. في حين تقاطر أولياء الأمور في كل أرجاء العالم الناطق بالإنجليزية لشراء البطاقات التعليمية وألعاب العقل لأطفالهم. لكن تجربتي في الفصول الدراسية توحي بأن التفسير كان مبسطا إلى حد ما، أعني أن يكون تطور العقل البشري عبارة عن مدخلات ومخرجات مثل أجهزة الكمبيوتر. وكان في اعتقادي أن تعلم الأطفال لم يقتصر على كمية الكلمات التي سمعوها.

 

ويبدو أن كاثي هيرش باسيك تشاطرني الرأي، وهي أستاذة تنمية الطفولة المبكرة في جامعة تمبل، بنسلفانيا. وأفادت أنه "كما تملؤنا صناعة الوجبات السريعة بالسعرات الحرارية الفارغة، فإن ما نسميه "صناعة التعلم" قد أقنع الكثيرين بيننا أن حفظ المحتوى هو المطلوب لنجاح التعلم والتمتع بحياة هانئة". كما أنها قامت بتأليف كتاب مؤثر يبيّن تحفظاتها عن ألعاب الحفظ، وحمل عنوان "لم يسبق لِأينشتاين أن استخدم البطاقات التعليمية: كيف يتعلم الأطفال حقا، ولماذا يحتاجون إلى اللعب أكثر والحفظ أقل". وبحسب رأيها، فقد كانت لديها الإجابة عن هذا السؤال.

  

كاثي هيرش باسيك، أستاذة تنمية الطفولة المبكرة في جامعة تمبل (مواقع التواصل )

 

تحتل هيرش باسيك مكانة مرموقة في مجال تنمية الطفولة المبكرة، فقد ألّفت لوحدها 12 كتابا ومئات المقالات الأكاديمية، وهي عضو بارز في هيئة التدريس، كما أنها تدير مختبر "تيمبل للرُضّع والأطفال"، وشعارها هو "عندما يُعلِّمُ الأطفالُ البالغين".

 

في المختبر، حيث كان العلماء يتفحصون أول سلوكيات الأطفال، طور الباحثون تجارب بارعة لقياس التغيرات في معدل ضربات القلب لإظهار بعض الأشياء التي عرفها الأطفال بالفعل في عمر ثمانية أشهر. وقالت هيرش باسيك: "إنهم يعرفون أن الهاتف لن يسقط عليهم. ويعلمون أنه إذا وضعت هذا الطبق على الطاولة، فإنه لن يخترقها، وهذا رائع. ويعلمون أنني إن كنت جالسا معهم إلى الطاولة، ولم يتمكنوا من رؤية الجزء السفلي من جسدي، بأن هذا الجزء لا يزال موجودا".

 

حتى وقت قريب، كان العلماء يميلون إلى التفكير في الرُضّع باعتبارهم كائنات غير عقلانية وغير منطقية تتمركز حول ذاتها. وقد وصف وليام جيمس في كتابه "مبادئ علم النفس"، الصادر عام 1890، تجربة الأطفال مع الحمل الزائد الحسي[3]: "إن الطفل الذي تتعرض عيناه وأذناه وأنفه وجلده وأمعاؤه لأكثر من معلومة في آن واحد، يشعر بأنها جميعا تسبب له الارتباك". وقد ساهم هذا الفهم في رؤية التعلم من منظور ميكانيكيّ مفاده أن التكرار المفرط للكلمات هو الأكثر أهمية؛ لكن ذلك غير صحيح.

  

  

حتى في الرحم، يتعلم الأطفال؛ في تلك المرحلة يلتقطون الأصوات، إن بوسع الأطفال بعمر الساعة تمييز صوت الأم عن صوت شخص آخر. يأتون للعالم بعقول تتحرق للتعلم عبر التحفيز الحسي. إننا نُولَد مستكشِفين بطبيعتنا، جاهزين للاستطلاع العلمي. علينا فهم ذلك إذا ما أردنا استيفاء إمكانيات التعلم لدينا.

 

وأوضحت هيرش باسيك: "إننا ندخل العالم جاهزين لقراءة ’الإشارات التامة للبيئة‘". فكّرت مرة أخرى في توكو، فهو يقرأ البيئة المحيطة أيضا، أو على الأقل ما شاهدته الكاميرات التي تُمثّل أعينه والميكروفونات التي تُشكّل أذنيه. لكن الروبوتات يمكنها الوصول فقط إلى الطرق التي تمت برمجتها بها، ولا يمكنها أن تتعلم إلا من خلال المنبهات التي تم توجيهها للاهتمام بها؛ والتي تمدّها بمجموعة صغيرة من التجارب التي تُشكّل سلوكياتها. لا يوجد معنى في أساليب الروبوتات، بينما الأطفال من ناحية أخرى متعلمون اجتماعيون.

 

وأردفت هيرش باسيك: "لقد وُلدنا ونحن على أتم استعداد للتفاعل مع البشر الآخرين وثقافتنا". إن عبقرية الأطفال البشرية الحقيقية لا تكمن في أنهم ببساطة يتعلمون من البيئة، فهذا في مقدور المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ولكن في أن بوسع الأطفال الرضع فهم الناس من حولهم، ولكي أكون أكثر دقة، تفسير نيّاتهم.

  

  

مع تطور النوع البشري، أصبح الإبلاغ الاجتماعي والثقافي ممكنا. كانت اللغة هي نقطة البداية، وهي إمكانية وجود كائنين ينسبان معنى مشتركا إلى مفهوم أو رمز مجرّد. ألا يمكننا رؤية بدايات ذلك في سلوك الأطفال الرُضّع؟ إن بوسع الأطفال الرضع الذين تقل أعمارهم عن عام مثلا التكلم مع من يعتنون بهم في محادثات بدائية. بالثرثرة، وتبادل النظرات، ومبادلة الأغراض، ومحاكاة تعابير وجوههم أو تصرفاتهم. وتجربة الأدوات عبر وضعها في أفواههم، وضرب الأشياء من حولهم.

 

في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ، كتب البروفيسور مايكل توماسيلو أن طفولتنا تتعلم "في بيئة من القطع والأدوات التي صنعها الإنسان وبيئة من الممارسات الاجتماعية الجديدة، والتي تُمثّل في أي زمن شيئا يشبه الحكمة الجماعية لمجموعة اجتماعية طوال تاريخها الثقافي بأكمله".

 

إذا كان علينا جميعا أن نحقق إمكاناتنا كمتعلمين، فإن السؤال الذي يتعين علينا الإجابة عنه هو كيف يجب علينا تشكيل بيئتنا. لقد تكيفت أدمغة البشر خصيصا من أجل التعلم. فالفترة الطويلة التي قضاها النوع البشري في عدم النضج هي إستراتيجية تطورية محفوفة بالمخاطر، جعلتنا ضعفاء في الماضي أمام الحيوانات المفترسة أو المرض، وأخّرت قدرتنا لسنوات عديدة على التكاثر، ولكن المردود كان هائلا. فقد أصبح بوسعنا صهرُ كميات هائلة من أحدث المعلومات من بيئتنا ومجموعتنا الاجتماعية في التطور المعرفي لدينا.

  

تبدأ قدرتنا على فهم الأشخاص الآخرين من الشهر التاسع، حيث يبدأ الأطفال بالتطور من خلال التأكد من أن الآخرين ينتبهون إليهم

مواقع التواصل الاجتماعي
 

لطالما اعتبر العلماء أن الجدل حول الطبيعة مقابل الاكتساب (الخلق مقابل التنشئة) هو مغالطة. إن الدماغ البشري يتطور بنسبة كبيرة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفولة. في تلك السنوات، يتعلق نمو الدماغ بالبيئة، ويشكل نفسه بالتفاعل مع التجربة الحسية. وكما أظهر هارت وريسلي في دراستهما "فجوة الثلاثين مليون كلمة بين أطفال الأثرياء وأطفال الفقراء"، يمكن أن يكون لهذه التجربة تأثير كبير على ما سيصبح عليه ذلك الشخص.

 

لقد تطورنا بحيث نكون نوعا من المعلمين والمتعلمين في آن. تبدأ قدرتنا على فهم الأشخاص الآخرين من الشهر التاسع، حيث يبدأ الأطفال بالتطور من خلال التأكد من أن الآخرين ينتبهون إليهم، وهذا التأكد يتم عبر الإمساك بالأشياء أو الإشارة إليها. وفي عمر السنة، يتأكدون من انتباه الآخرين إليهم من خلال النظر إلى الشيء نفسه أو لمسه أو الاستماع إليه. وفي سن العام والنصف يكون بوسع الأطفال توجيه الآخرين والأشياء: "استمع لهذا! انظر هناك!". الاهتمام المشترك هو نقطة البداية للتعلم البشري الواعي، ولهذا لا يتعلم الأطفال الكلام من خلال محادثات الفيديو أو الصوت أو الاستماع لحوارات الوالدين، لم يتطور البشر لفعل ذلك. لذلك من المهم أن نتحدث مع أطفالنا، ولهذا السبب لا يمكننا التعلم من الروبوتات حتى الآن.

 

إن الآثار المترتبة على فهم كيف نتعلم الأصوات أشبه بالمنطق المشترك: فعلى كل جيل أن يضمن بأن ينعم الجيل اللاحق في سنواته الأولى بالأدوات والرموز والممارسات الاجتماعية للثقافة الحالية. بحثا عن نوع بيئة التعلم التي قد تصقل قدراتنا الطبيعية على أفضل وجه، قمت بزيارة "مركز بِن غرين للطفولة المبكرة"، وهو مركز متخصص في تنمية الطفولة المبكرة في مدينة كوربي في مقاطعة نورثمابتونشير. لدى زيارتي، كانت الساحة الخارجية باردة وسماؤها ملبدة بالغيوم، لكن ذلك لم يثنِ الأطفال عن اللعب في الخارج. بجانب شجرة البامبو، كان هناك طفلان صغيران تعالت أصواتهما الفرحة وهما يتراشقان مياه النافورة. على الناحية الأخرى، كان المعلم ينحني لمساعدة طفل بدأ في تعلم المشي، يرتدي قميصا كتب عليه "إن لم تسرع سيفوتك القطار"، وفي جزء آخر من حديقة المركز كان هناك أربع فتيات صغيرات يحفرن الرمال في دلاء ملونة ويتحدثن معا.

  

  

لقد ذاع صيت مركز "بن غرين" بسمعة جيدة عالميا، بفضل تميزهم في تطوير الطفل ودعم الأسرة في وقت مبكر، وهو نموذج أولي ألهم تدخلات متتالية للأطفال في سنواتهم الأولى من قبل الحكومة، بما في ذلك مراكز "شور ستارت" و"إيرلي إكسيلانس" في بريطانيا. تحدثت مع المديرة أنجيلا برودجر، وكانت قد استلمت للتو المنصب الذي شغلته مارغي ويللي سابقا والتي أسست المركز في عام 1983. في الثمانينيات، كانت كوربي من بين أفقر المدن في المملكة المتحدة، حيث كان معظم سكانها من العمال المهاجرين الأسكتلنديين الذين تأثروا بإغلاق مصانع الفولاذ التي تم نقلها جنوبا، حيث تم فصل 11000 شخص من العمل. تم بناء المركز ليكون بمنزلة شريان الحياة للجيل القادم، واليوم يخدم 1400 أسرة من الأسر الأكثر فقرا في المملكة المتحدة.

 

سألت مديرة المركز أنجيلا برودجر عن تعلم اللغة؛ كنا نعرف أن الكلمات مهمة، لكنني لم أسمع الكثير من الكلام خلال وقت اللعب. قالت برودجر: "إذا لم تعمل على التطور الشخصي والاجتماعي والعاطفي أولا، فلن تكون مستعدا للتعلم بعد". وأوضحت أنه قبل أن يتمكن الأطفال من اكتساب أدوات الكلام واللغة، يجب عليك التأكد من شعورهم "بالانتساب والانتماء". فكثيرا ما اعتقدت أن مناهجنا للتعلم المبكر لا تُلقي بالا لهذه الخطوات، بدا لي وأنهم يعتقدون بأن التركيز على الانتساب والانتماء أمر لطيف وليس ضروريا ولكن البحث أظهر خلاف ذلك.

 

في الخمسينيات، اقترح المحلل النفسي البريطاني جون بولبي نظرية "التعلق"[4]. لقد افترض أن الرُضّع غير القادرين على تنظيم مشاعرهم الخاصة كانوا عرضة للانزعاج عندما كانوا جائعين أو حزينين أو وحيدين. كان هناك حاجة إلى مقدم الرعاية لمساعدتهم على "تنظيم" مشاعرهم، والتي من شأنها، بمرور الوقت، تعليم الطفل التنظيم الذاتي شريطة أن تساعدهم تجاربهم المبكرة على القيام بذلك. إذا لم يتم التخفيف من التجارب السلبية من خلال الحب الآتي من شخصية أبوية، فيمكن لتلك التجارب السلبية أن تترسخ.

  

قالت" لي" إن الأطفال يتواصلون معنا باستمرار، كان علينا فقط أن نتعلم فهمهم. وأضافت برودجر: "الأمر يتعلق بمراقبة نظراتهم، ما الذي يحاول الأطفال استكشافه؟

مواقع التواصل
  

كانت الآثار المترتبة على الأطفال الذين نشأوا في البيئات الموبوءة بالفقر أو المآسي كبيرة. هذا هو السبب الذي جعل مركز بن غرين يهتم بتحديد رفاهية الأطفال وانتمائهم كأولوية. وهو الأمر الذي يفسر بعض السلوكيات في المدرسة حيث كنت معلِّما، فبينما كنت أفوّت إشارات الأطفال الذين يستجيبون إلى ضغوط البيئة التي نشأوا فيها، كانوا في مركز بن غرين يعملون على نحو وثيق مع مقدمي الرعاية لضمان أن يقوم الأطفال ببناء علاقات وطيدة ومغذية تساعدهم على الازدهار في الحضانة وفي نهاية المطاف في المدرسة. لطالما اعتقدتُ أن الأطفال يريدون أن يخرّبوا فحسب، ولم يجل ببالي أبدا أنهم قد يكونون ببساطة مشروطين ببيئتهم للتصرف بطريقة معينة. ذكرت برودجر: "السلوك هو دوما علامة على أطفال يحاولون إخبارك بشيء ما".

 

في أثناء جولتنا في المبنى، أخبرتني برودجر أن مهارة العاملين في مركز بن غرين كانت في اهتمامهم بما يدور في عقول الأطفال، وتفسيره كدليل على ما كان يشير إليه الصغار حتى قبل أن يكونوا قادرين على النطق به بأنفسهم. قالت لي إن الأطفال يتواصلون معنا باستمرار، كان علينا فقط أن نتعلم فهمهم. وأضافت برودجر: "الأمر يتعلق بمراقبة نظراتهم، ما الذي يحاول الأطفال استكشافه؟ ما الذي يحاولون اكتشافه؟".

 

اللعب الإبداعي هو الأساس الذي يُبنى عليه الإبداع واللغة والرياضيات والعلوم. إذا بدأت مبكرا جدا باستخدام البطاقات التعليمية، فسوف تفقد هذه المرحلة التنموية. عللت برودجر قائلة: "الأمر يتعلق بالحرية والمخاطرة". يأخذون الأطفال إلى الغابة بضعة أيام في الأسبوع، يشعلون النيران ويسمحون للأطفال باستخدام المقص وركوب دراجات بي إم إكس (BMX) (وهي دراجة رياضية يتم قيادتها على الطرق الوعرة وتستخدم في السباقات). إذا أرادوا اللعب بالخارج، فإنهم يخرجون للعب؛ إذا كانوا يتوقون للعودة إلى الغرفة الدافئة حيث يحبو ويتدحرج الأطفال الرُضّع فهذا هو المكان الذي سيذهبون إليه. البيئة تملي التعلم، الكبار يهدفون فقط للاتصال ومشاركة الاهتمام مع الأطفال، يمكن للقراءة والكتابة الانتظار؛ يجب أن تكون دُور الحضانة اجتماعية بقدر الإمكان، وأن تتبع قيادة الأطفال في لعبهم. قبل أن يتمكن الأطفال من التعلم، علينا التأكد من أنهم يشعرون بالانتماء.

  

  

بدا الأطفال سعداء هنا، يتعلمون الانتماء ويضعون الأسس لنجاحهم المستقبلي عبر اللعب. ومع ذلك تساءلت عما إذا لم نتمكن من القيام بالمزيد لتسريع التعلم المبكر. كانت الآثار المترتبة على تجربة روبوت ديب روي هي أن كل لحظة مهمة. هل سنترك كل هذا الوقت من عمر الأطفال للمصادفات؟

 

كتب الخبير الاقتصادي جيمس هيكمان: "إن ظرف الولادة هو أكبر مصدر لعدم المساواة في الولايات المتحدة". وينطبق ذلك أيضا على شتى دول العالم اليوم، حيث إن أقوى مؤشر للتنبؤ الأكاديمي هو مقدار ما يكسبه والداك. على الرغم من أن ثلثي أطفالنا يحصلون على درجة C أو أعلى في امتحانات "الجي سي إس إي" (امتحان قدرات عالمي لطلاب المرحلة الإعدادية) ، فإن هذه الدرجة تنحدر لدى ما يزيد على ثلث الأطفال المسجلين على قائمة وجبات الطعام المجانية في المدارس (أي الطلاب الفقراء). كما أظهر هيكمان أن أفضل طريقة لمعالجة عدم المساواة هي الاستثمار في تنمية الأطفال في أبكر وقت ممكن في حياتهم. لا يكفي إجراء التغييرات والتحويلات على المدارس، يجب أن نبدأ العمل مع الأطفال في وقت أبكر من ذلك.

 

في جامعة تيمبل، أخبرتني هيرش باسيك أنه لا يمكننا ببساطة إسقاط الأطفال أمام أجهزة الآيباد ونتوقع أنهم سيتعلمون شيئا ما، لكن هذا لا يعني أنه يجب علينا التخلي تماما عن الأجهزة الذكية. تهدف بعض تجارب معمل هيرش باسيك إلى سد الفجوات التنموية بين الأطفال الأغنياء والفقراء. تغطي مواضيع أخرى مواضيع مثل تطوير اللغة والوعي المكاني، وكلها تستخدم التكنولوجيا بطرق مختلفة. قالت لي هيرش باسيك: "ما لا يمكن للآلة فعله هو أن تكون شريكا، فالآلة ليست اجتماعية، إنها تفاعلية دون أن تكون متكيّفة".

  

استلزم تعلم الطفل اللغة التفاعل مع البشر وليس الكلمات، إذ لم يتمكن الأطفال التعلم من الشاشات

مواقع التواصل الاجتماعي
  

كانت مهمة هيرش باسيك هي تغيير طريقة تفكيرنا في التعلم، خاصة بالنسبة للأطفال الأكثر فقرا. قالت لي: "كانت لدينا هذه الرؤية أنه من المهم جدا حصول الأطفال الفقراء على الأساسيات. في الماضي كنا نظن أنه يجب علينا التخلي عن العطلة على الرغم من أننا نعلم أن العلاقات المادية الملموسة تساعد الأطفال على التعلم وتساعد على بناء عقول أفضل. اعتقدنا أن علينا الاكتفاء بالقراءة والرياضيات والتخلي عن الفنون وكل هذه الأمور الزائدة عن الحاجة مثل الدراسات الاجتماعية". وما زال العديد يفكرون بهذه الطريقة.

 

كان عبئا ثقيلا عليها، كان صناع القرار وعامة الناس يستخدمون العلم بما يتناسب مع غاياتهم الخاصة. فلم تكن البطاقات التعليمية مفيدة في نظر العلماء، ولم يعتقد أي عالِم أنك يجب أن تبدأ في تعلم القراءة والكتابة في عمر أصغر من أي وقت مضى؛ لقد كان هذا كله من نسج مخيلة الحكومات. وقد أضفت الأبحاث الحديثة مزيدا من العمق على دروس اللغة الواردة في دراسة هارت وريزلي بولاية كانساس. جربت العالمة النفسية باتريشيا كول في عام 2003 تعليم الأطفال الرضع الأميركيين لغة الماندرين. تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات (مجموعة تتعلم من الفيديو، ومجموعة تتعلم من التسجيلات الصوتية، ومجموعة تتعلم من معلم بشري)، فقط تلك التي لديها معلم بشري تعلمت شيئا ما. في عام 2010، كشفت دراسة عن أقراص الفيديو الرقمية الخاصة بمفردات الأطفال "بيبي أينشتاين" (التي أطلق عليها "مخدرات للأطفال") أن الأطفال الذين يشاهدونها "لم يظهروا فهما أفضل للكلمات من البرنامج أكثر من الأطفال الذين لم يشاهدوها أبدا". كما أن الأطفال لم يتعلموا الكلمات عن طريق التنصت على حوارات الوالدين أو الاستماع إلى برنامج إذاعي. استلزم تعلم الطفل اللغة التفاعل مع البشر وليس الكلمات، إذ لم يتمكن الأطفال التعلم من الشاشات.

 

لا تزال المدارس مذنبة بتجاهلها هذه الأفكار في تعليم الأطفال. تشرح إيريكا كريستاكيس، خبيرة في مرحلة الطفولة المبكرة ومؤلفة كتاب "أهمية أن تكون صغيرا" (The Importance of Being Little)، التراجع البطيء في التعلم في مرحلة ما قبل المدرسة من منهج متعدد الأبعاد قائم على الأفكار إلى مناهج ثنائية الأبعاد قائمة على التسمية والتصنيف. تسأل دافنا باسوك في جامعة فيرجينيا عما إذا كانت روضة الأطفال هي بالفعل بمثابة صف أول مستحدث. لقد أضحى من الشائع التوقع أن أطفال الروضة، الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة أو ستة أعوام، يمكن لهم أن يقرؤوا الآن. ومع ذلك فإن هذا التوقع يتعارض مع كافة الأدلة؛ حيث وجدت دراسة من كامبريدج قامت بمقارنة مجموعات من الأطفال الذين بدأوا دروس محو الأمية الرسمية في عمر خمس سنوات وبين الأطفال الذين بدأوا في عمر سبع سنوات أن البدء قبل سنتين لم يحدث أي فارق على الإطلاق في قدرة القراءة لدى الطفل عند بلوغه سن الحادية عشرة، "لكن الأطفال الذين بدأوا في تعلم القراءة في الخامسة طوروا مواقف أقل إيجابية تجاه القراءة وأظهروا استيعابا أقل للنص من أولئك الذين بدأوا تعلم القراءة فيما بعد".

 

 

هذه النتائج واضحة: إذا بدأت في فك الشيفرة قبل أن يكون لديك فهم أساسي للسرد والتجربة والإحساس والعاطفة، فإنك تصبح قارئا أسوأ وسيقل حبك لها. تعامل مع الأطفال مثل الروبوتات أثناء التعلم المبكر وعندها ستجعلهم متأخرين مدى الحياة. بدلا من ذلك، أرادت هيرش باسيك أن يجد الأطفال الفرح في التعلم والنمو. كان حبها الأكبر بعد الأطفال مكرسا للموسيقى، غالبا ما اعتادت الغناء خاصة على الهاتف لحفيدتها.

 

واقترحت هيرش باسيك في كتابها ست خطوات للتعلم الحديث: التعاون، والتواصل، والمحتوى، والتفكير النقدي، والابتكار الخلاق، والثقة. لقد كنت أفكر في البديهيات، ولكن على عكس الكثير من سياسة التعليم فإن هذه الخطوات مستمدة من الأدلة العلمية. وقالت: "إذا كان لي أن أغيّر شيئا واحدا، فينبغي أن يكون أننا ’نتعلم من الناس في مراحل العمر الأولى‘".

 

كانت البصيرة نفسها هي التي دفعت زوجا من العلماء من سكّان الضواحي (روي وباتل) إلى بدء التسجيلات الصوتية والمرئية. كان ديب روي يرتدي ملابس سوداء وما زال يبدو شابا عندما التقينا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. عندما التقيت ديب روي كانت بعض الشعرات الرمادية اللون التي تخللت شعره هي الدليل الوحيد على أحد عشر عاما من الأبوة. وبالنظر إلى الوراء، بدا مشروع "Speechome" البشري[5] -وهو الاسم الذي أُطلق على التجربة التي قام بها وزوجته باتل في منزلهما- منعطفا مثيرا في حقل الذكاء الاصطناعي في بداية الألفية. التقطوا إجمالا 90,000 ساعة من الفيديو و140,000 ساعة من الصوت. غطت البيانات التي وصل حجمها إلى 200 تيرا بايت 85% من السنوات الثلاث الأولى من حياة ابنهم، وثمانية عشر شهرا من حياة أخته الصغيرة. لكن يتراكم الغبار الآن على هذه اللقطات، قال روي: "ما زلت أملك المجموعة الكاملة. أنا في انتظار يوم زفافه لعرض بعض اللقطات وإزالة الملل عن الجميع".

 

    

بطريقة ما، كان أيضا مقطع فيديو منزلي ذا فائدة؛ فقد طوّر روي مع فريقه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أساليب جديدة لتصوّر ودراسة البيانات التي تم التقاطها: "النقاط الاجتماعية" أظهرت أمرين مترابطين بإحكام، بالإضافة إلى الآثار البصرية للحظات العطاء التي تجمع فيها الوالدان والطفل معا للدردشة أو التعلم أو الاستكشاف، كانت "المسطحات اللغوية" [6] عبارة عن جبال مغطاة بالثلوج التي ملأت جميع أنحاء غرفة المعيشة والمطبخ (أي تم استخدام كلمات محددة فيها كثيرا)، وأعلى القمم كانت حيث كانت كلمات معينة مسموعة في أغلب الأحيان. لقد تبيّن أن هذه الأدوات كانت مربحة بشكل خيالي كوسيلة لتحليل الحديث على تويتر. أمضى روي وطالب دراسات عليا عقدا في بناء شركة إعلام جديدة.

 

عاد روي الآن إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كانت مجموعته الجديدة تسمى مختبر الآلات الاجتماعية؛ لقد تخلى عن بناء روبوتات تتنافس مع البشر، وبدلا من ذلك حوَّل اهتمامه إلى زيادة التعلم البشري. كانت عملية تربية الطفل هي التي غيّرت رأيه.

 

في المرة الأولى التي نطق فيها ابنه بشيء لم يكن مجرد هذر أو تمتمة، كان روي يجلس معه ينظر إلى الصور. وأوضح روي: "لقد قال (fah)، ولكنه كان يشير بوضوح في الواقع إلى صورة سمكة (Fish) معلقة على الحائط كنا ننظر إليها. الطريقة التي أكّد لي بها أنها لم تكن مجرد مصادفة، كانت بعد نطقه هذه الكلمة إذ نظر إلي وكأنه يقول "وجدتها"، كان أشبه بشخصية كرتونية لمع مصباح فوق رأسه جراء إدراكه أن الكلمة التي نطقها صحيحة. لم يكن حينها يبلغ من العمر عاما بعد، ولكن هناك كائن واعٍ، بمعنى أنه يمتلك استبصارا ذاتيا".

  

  

علّق روي على تجربته: "أعتقد أن وضع قبعة على الذكاء الاصطناعي كان عبرة للتواضع. كان درسا جعلني أدرك أن هناك الكثير فيما يخص موضوع تعلم الأطفال". لم يعد روي متأكدا من قدرة البشر على صنع إنسان آلي مطابق للإنسان الحقيقي، ولم يعد يؤمن حتى بفكرة أن على البشر محاولة ذلك. لم يكن يبدو أن ثمة طائلا من تطوير روبوتات استلزمت طفولة كاملة لإنسان لكي تتحول إلى روبوتات تحاكي تجربة إنسان بالغ. هذا بالتحديد ما كنا نقوم بفعله، وهذا كله دون التطرق لمسائل مثل الخيال أو العواطف أو الهوية أو الحب؛ وهي أمور كانت مستحيلة لتوكو (الروبوت). ذُهِل روي عند مشاهدة ابنه: "التطور الذي يشهده متعلم اللغة البشري معقد ولا يصدق". البشر الرُضّع لم يكرروا فقط ما سمعوا، لقد خلقوا وكوّنوا معنى جديدا ومشاعر مشتركة.

 

لم تكن عملية التعلم عبارة عن فك شيفرات كما كان يعتقد روي في البداية، بل كانت أكثر استمرارية وتعقيدا واجتماعية وبشكل غير متناهٍ. كان يقرأ السيرة الذاتية لهيلين كيلر لأطفاله، وقد صدمه اللحظة التي أدركت فيها هيلين فهم اللغة للمرة الأولى. كانت هيلين الصماء الضريرة بسبب مرض أصابها في الطفولة تبلغ من العمر سبع سنوات عندما اكتشفت سر اللغة. وكتبت: "فجأة شعرت بغموض في الوعي كشيء منسي"، وبطريقة ما عرفت سر اللغة! عرفت حينها أن "م-ا-ء" تعني الشيء الرائع الذي كان يتدفق بين يدي. تلك الكلمة الحية أيقظت نفسي وأعطتها الضوء والأمل والفرح وجعلتها حرّة! كل شيء كان له اسم، وكل اسم ولد فكرة جديدة. عندما عدنا إلى المنزل، بدا كل شيء لمسته يضجّ بالحياة.

 

كان روي قد بدأ العمل مع هيرش باسيك في الآونة الأخيرة، بعدما رأى بأن الآلات قد تزيد من التعلم بين البشر، لكنها لن تحل محلهم أبدا. لقد اكتشف أن التعلم البشري كان مجتمعيا وتفاعليا. بينما بالنسبة للروبوت، كان اكتساب اللغة مجردا قائما على المعادلات والصيغ. بالنسبة لنا، كان متجسدا وعاطفيا وذاتيا ينضح بالحياة. إن مستقبل الذكاء لا يكمن في الآلات والأجهزة، وإنما في تطوير عقولنا الخاصة.

---------------------------------------------------

هوامش

[1] ميكانو (Meccano): هو نظام بناء نموذج تم إنشاؤه في عام 1898. يتكوّن النظام من شرائح معدنية قابلة لإعادة الاستخدام ولوحات وعوارض زاوية وعجلات ومحاور وتروس وأجزاء بلاستيكية متصلة ببعضها البعض باستخدام الصواميل والبراغي ومسامير التثبيت (المعروفة أيضا بالمسامير اللولبية). تمكن من بناء نماذج العمل والأجهزة الميكانيكية.

[2] وورد رَش (word-rush): لعبة البحث عن كلمات خلال وقت محدد (غالبا ستون ثانية).

[3] الحمل الزائد الحسي: يحدث عندما تعاني إحدى حواس الجسم أو أكثر من الإفراط في التحفيز من البيئة.

[4] نظرية التعلق: هي نظرية تصف طبيعة العلاقات طويلة المدى بين البشر، وتعتقد بأن الطفل بحاجة إلى تكوين علاقة مع شخص واحد على الأقل من مُقدمي الرعاية لكي يحصل على النمو العاطفي والاجتماعي بطريقة طبيعية، فهي تشرح كيف تؤثر علاقة الطفل بأبويه على نموه.

[5] Speechome: مجموع مكونات الكلام البشري مثل الصوت الذي هو أصغر وحدة متباينة في النظام الصوتي للغة. وتم صك المصطلح على وزن "جينوم".

[6] المسطح اللغوي: هو المكان الذي يتم استخدام كلمة معينة فيه، مثلا المسطح اللغوي لكلمة "ماء" يكون نشاطه الأكبر في المطبخ.

----------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا الموضوع مترجم عن The Guardian ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار