انضم إلينا
اغلاق
ربما تكون مصابا بأحدها.. إليك الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعا

ربما تكون مصابا بأحدها.. إليك الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعا

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض

يوما بعد يوم، عاما تلو الآخر، تزداد الاضطرابات النفسية باطّراد مفجع، كنشوب النيران في غابة أثناء هبوب الرياح. ورغم أن هذه الاضطرابات لا يتم تشخيصها بشكل كافٍ أو حتى الإبلاغ عنها بشكل مباشر أو على نطاق واسع نظرا لما يتسم به المرض النفسي عادة من الوصم الاجتماعي، خاصة في البلدان التي بدأت لتوها في إدراك أن هناك ما يُدعى بالصحة النفسية من الأساس، فإن الإحصاءات التقريبية لانتشار هذه الاضطرابات مخيفة بشكل كبير. بحسب منظمة الصحة العالمية، يعاني شخص من بين كل 6 أشخاص من واحد أو أكثر من اضطرابات الصحة العقلية، أي إنه على الصعيد العالمي يعاني أكثر من مليار شخص من اضطرابات الصحة العقلية. [1] [2] لكن يا تُرى ما الاضطرابات الأكثر شيوعا؟

  

الاكتئاب.. ثمة فراغ في الروح

"يا صاحبي، إني حزين.. طلع الصباح، فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح

في غرفتي دلف المساء.. والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير

حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم"

(الحزن – صلاح عبد الصبور)

  

  

  

الاكتئاب، ذاك الوحش الكاسر الذي يُعد السبب الرئيسي لاعتلال الصحة والعجز على الصعيد العالمي، والمساهم الأساسي في العبء العالمي الكلي للمرض، هو أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا وانتشارا، حيث يعاني منه ما يُقدّر بنحو 400 مليون شخص، أكثرهم من النساء. [3] [4] لكن رغم ضراوة الاكتئاب كاضطراب يؤثر على الشعور والتفكير والسلوك للدرجة التي يسبب معها صعوبة في القيام بالأنشطة اليومية العادية، فإن استخدام كلمة الاكتئاب في وصف الحالة الشعورية المرتبطة بالضيق أو الحزن المؤقت جعلته أمرا تافها غير جدير بالاهتمام، كاستخدام المراهقين لكلمة "الحب" في أي علاقة لم تدم حتى ليومين.

  

يختلف الاكتئاب تماما عن نوبات الضيق والحزن والحالة المزاجية السيئة التي نمر بها جميعا في غِمار الحياة اليومية نتيجة لمشكلات العمل أو العائلة وغيرها. لكن على نقيض نوبات المزاج تلك التي يسهل النجاة منها، فإن الاكتئاب السريري لا يمكن الخروج منه ببساطة، كالغرق بالنسبة لشخص لا يستطيع السباحة، بيد أنه يتطلّب عادة علاجا طويل المدى حتى يمكن التخلص منه. [5] تحدث الاضطرابات الاكتئابية بدرجات متفاوتة في الحدة والخطورة تتراوح من نوبات خفيفة ومتوسطة حتى النوبات الحادة، ويعد الاكتئاب السريري أكثرها حدة ويُعرف علميا باسم "الاضطراب الاكتئابي الكبير". [6]

  

يشير الاكتئاب السريري إلى طيف واسع من مشكلات الصحة العقلية التي تتسم بغياب التأثير الإيجابي الذي يبدأ بفقدان الاهتمام والمتعة بالأشياء والأمور التي لطالما كانت ممتعة، والتغيرات المزاجية التي يصبح بسببها المزاج في حالة انحطاط، إضافة إلى مجموعة متفرقة أخرى من الأعراض العاطفية والمعرفية والجسدية والسلوكية مثل: مشاعر الحزن والبكاء أو اليأس والخواء، ونوبات الغضب والإحباط حتى من الأمور البسيطة، الشعور بانعدام القيمة والشعور بالذنب ولوم النفس بشكل مفرط، والإرهاق والتعب والافتقار إلى الطاقة، ومشكلات التفكير وصعوبة التركيز واتخاذ القرارات.

    

  

مع تغيرات الشهية التي تتجلّى في خسارة أو زيادة الوزن بشكل مفرط، واضطرابات النوم بما فيها الأرق أو النوم لفترات طويلة مبالغ فيها، حتى الأفكار المتكررة عن الموت أو الأفكار الانتحارية وفقدان الرغبة في الحياة. [7] غالبا ما يبدأ اضطراب الاكتئاب الشديد ببطء نتيجة لحالة اكتئاب تستمر لأسبوعين من المزاج المكتئب الذي يتسم بتضاؤل الاهتمام بكل شيء تقريبا، مصحوبا بالأعراض العاطفية والسلوكية والجسدية السابقة التي تؤدي إلى مشكلات ملحوظة في القيام بأنشطة الحياة اليومية مثل: العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية. [8]

  

حتى يمكن الجزم بأن ما يمر به الشخص هو اضطراب اكتئابي يجب توافر خمسة أو أكثر من الأعراض السابقة بشكل واضح ومستمر لمدة أسبوعين، مع حتمية أن يكون من بينها المزاج المكتئب أو فقدان الاهتمام والمتعة. حتى الآن لا يوجد سبب رئيس مسؤول عن الإصابة بالاكتئاب، كما هو الحال مع كثير من الاضطرابات النفسية الأخرى. ورغم أن العديد من العوامل قد تتضافر معا لتسبّب الاكتئاب مثل: العوامل البيئية والثقافية والتنشئة الاجتماعية، والاختلافات البيولوجية والصفات الوراثية، والهرمونات وكيمياء الدماغ والنواقل العصبية، فإن اللوم يُلقى عادة على كيمياء الدماغ باعتبارها السبب الرئيسي الأول المسؤول عن الإصابة بالاكتئاب، رغم أن جل ما توصلت له البحوث بشأن النواقل العصبية حتى الآن ما هو إلا ارتباطات مجردة لم تصل إلى علاقة سببية. [9]

  

اضطرابات القلق.. عندما يمتلك القلق 6 أوجه

"القلق لا يفرغ الغد من أحزانه، لكنه يفرغ اليوم من قوته"

(تشارلز سبورجون – مؤلف بريطاني)

  

      

القلق هو الابن البار الذي يجد نفسه مضطرا لمجاراة ضغوط الحياة، وابن العم لأغلبية الاضطرابات النفسية بما فيها الاكتئاب، التي تجد نفسها مضطرة لدعوته إلى الحفل. يُعتبر القلق بمنزلة استجابة طبيعية للإجهاد، وقد يكون ذا تأثير صحي وفعال في بعض الحالات التي نتعرض فيها لخطر ما، حيث يأخذ على عاتقه مهمة تنبيهنا بتلك المخاطر وتدريبنا على الاستعداد لها ورسم خطة محكمة لمواجهتها بأقل الخسائر. معظمنا يختبر القلق في مواقف كثيرة ومختلفة طوال حياتنا، على سبيل المثال لا الحصر، قد تُصاب بالقلق عند الذهاب إلى اختبار ما أو مقابلة عمل، أو عند انتظار نتيجة كل منهما، وعند انتظار مولودك الأول، أو عند التحدث أمام مجموعة كبيرة من الجمهور، إلخ.

    

ثمة فروق جوهرية بين القلق في مستوياته الطبيعية الذي نشعر به كجزء طبيعي من انفعالات الحياة وتقلبها، وبين القلق المرضي الذي يُصنّف كاضطراب. على نقيض النوع الأول، فإن اضطرابات القلق تحدث بصورة مفرطة مبالغ فيها مقارنة بالخطر الحقيقي، وقد تشمل نوبات متكررة من المشاعر المفاجئة من القلق الشديد أو الخوف أو الذعر التي تصل إلى ذروتها في غضون دقائق، وقد تستمر لفترات طويلة ومتواصلة يصعب السيطرة عليها أو التحكم فيها للدرجة التي تتداخل مع أنشطة الحياة اليومية وقدرتنا على العمل. [10]

  

تُمثّل اضطرابات القلق 14.6% من إجمالي العجز الناجم عن المرض العقلي على الصعيد العالمي، وهي ثاني أكثر الاضطرابات النفسية واضطرابات الصحة العقلية شيوعا وانتشارا على المستوى العالمي خاصة بين النساء مقارنة بالرجال، فوفقا لإحصاءات عام 2016 فإن أكثر من 275 مليون شخص يعانون من اضطرابات القلق، نحو 62% منهم من الإناث مقابل 38% من الرجال. ([11]) تُعتبر اضطرابات القلق هي المظلة الرئيسية التي يقبع تحت ظلها عدة مجموعات فرعية من اضطرابات القلق هي: اضطراب القلق المعمم، واضطراب القلق الاجتماعي، والرُهاب، واضطراب الوسواس القهري (OCD)، واضطراب الهلع، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). ([12])

      

اضطراب الهلع ينطوي على نوبات مفاجئة ومتكررة من القلق الشديد أو الخوف والذعر تصل إلى ذروتها في غضون دقائق مصحوبة بالعديد من الأعراض البدنية الأخرى

وكالة الأنباء الألمانية
     

اضطراب القلق المعمم: يشمل القلق المستمر الذي يصعب السيطرة عليه بشأن كل شيء تقريبا حتى الأمور العادية والروتينية بدرجة لا تناسب الظروف الفعلية على الإطلاق، مما يتعارض مع أنشطة الحياة اليومية.

  

اضطراب القلق الاجتماعي: ينطوي على مستويات عالية من القلق المرتبط بالتعرض إلى المواقف الاجتماعية بما فيها التحدث أمام الجمهور، ذلك بسبب الخوف من التعرض إلى الإحراج أو الصورة الذاتية السلبية التي قد يُحكم بها من قِبل الآخرين. [13]

  

حالات الرهاب المحددة: تتميز بوجود قلق كبير عند التعرّض لشيء محدد أو وضع معيّن ووجود رغبة في تجنبه مثل رهاب المرتفعات أو رهاب العناكب، إلخ.

  

اضطراب الوسواس القهري: يتميز بنمط من الهواجس والمخاوف غير المنطقية التي تدفعك إلى القيام بسلوكيات قهرية بصورة متكررة تتداخل مع أنشطة الحياة اليومية بدرجة مزعجة. على سبيل المثال، قد يعاني الشخص المصاب بالوسواس القهري من الخوف من التعرض للتلوث عند لمس الأشياء التي لمسها الآخرون، لذا لتخفيف حدة هذه الهواجس، يقوم بغسل يديه بشكل إلزامي مع الإفراط في استخدام المنظفات حتى تتقشر يديه أو يُصاب بالأكزيما. [14]

  

اضطراب الهلع: ينطوي على نوبات مفاجئة ومتكررة من القلق الشديد أو الخوف والذعر تصل إلى ذروتها في غضون دقائق مصحوبة بالعديد من الأعراض البدنية الأخرى.

اضطراب ما بعد الصدمة: يتمحور حول تعرض الشخص إلى حدث مخيف مروّع، فينشأ لديه اضطراب ما بعد الصدمة الذي يتضمن استرجاعا متكررا للحدث المؤلم مع التعرض للقلق الشديد والكوابيس المزعجة أو الأفكار المروعة التي يصعب السيطرة عليها حول الحدث.

    

    

رغم أن جميع الاضطرابات السابقة تقع تحت مظلة اضطرابات القلق، فإن كلًّا منها يتسم بمجموعة أعراض فريدة من نوعها. بحسب التصنيف الدولي للأمراض التابع لمنظمة الصحة العالمية، فإن اضطرابات القلق تشترك في مجموعة من الأعراض الرئيسية المتكررة هي: الخوف بما يتضمنه من أرق وشعور بالانهيار وصعوبة التركيز، والتوتر الحركي كالتعب والصداع والارتجاف وعدم القدرة على الاسترخاء، إضافة إلى فرط النشاط اللاإرادي مثل: الدوار وزيادة التعرق وعدم انتظام ضربات القلب وصعوبة التنفس وجفاف الفم. [15]

  

حتى يمكن الجزم بأن ما يمر به الشخص هي اضطرابات القلق يجب توافر ما لا يقل عن ثلاثة من الأعراض السابقة واستمرارها لأكثر من 6 أشهر. [16] حتى الآن، وكأغلبية الاضطرابات النفسية، فإن الأسباب وراء اضطرابات القلق ما زالت غير مفهومة، لكن يعتقد العلماء أن العديد من العوامل تتضافر معا لتسبب اضطرابات القلق مثل: الخبرات الحياتية والاجتماعية والبيئية، والاختلافات البيولوجية والوراثية، وبنية الدماغ. [17]

  

الاضطراب ثنائي القطب.. من الهوس إلى الاكتئاب

"الاضطراب ثنائي القطب نظام مزاجي مثل الطقس، مستقل تماما عن الأشياء التي تحدث في حياتك"

(كاري فيشر – ممثلة وروائية أميركية)

    

تنطوي نوبات الاكتئاب على انخفاض في الحالة المزاجية مثل: الشعور بالحزن والفراغ أو اليأس والرغبة في البكاء، والشعور بالتعاسة وانعدام القيمة وفقدان الاهتمام بالهوايات

مواقع التواصل
   

يُعتبر الاضطراب ثنائي القطب هو ثالث الاضطرابات النفسية انتشارا على الصعيد العالمي، حيث يعاني منه ما يُقدَّر بنحو 60 مليون شخص، بزيادة 33% عن عام 2016. [18] الاضطراب ثنائي القطب شديد الشبه للغاية بمياه المحيطات وهي تتأرجح بين موجات المد والجزر، حيث يرتفع منسوب المياه تارة مسببا المد وينخفض تارة أخرى مسببا الجزر. كذلك الاضطراب ثنائي القطب الذي يتميز بحلقات متكررة من التقلب بين الهوس (Mania) أو الهوس الخفيف وبين الاكتئاب.

  

تنطوي نوبات الهوس والهوس الخفيف على ارتفاع في الحالة المزاجية وزيادة الطاقة والنشاط، وارتفاع الثقة بالنفس والروح المعنوية، وسرعة توارد الأفكار مع التشتت وسوء اتخاذ القرارات، وانخفاض الحاجة إلى النوم. [19] بينما تنطوي نوبات الاكتئاب على انخفاض في الحالة المزاجية مثل: الشعور بالحزن والفراغ أو اليأس والرغبة في البكاء، والشعور بالتعاسة وانعدام القيمة وفقدان الاهتمام بالهوايات والأشياء الممتعة، وقلة الطاقة والنشاط وانخفاض القدرة على التفكير والتركيز، إضافة إلى اضطرابات الشهية وفقدان الوزن أو زيادته، واضطرابات النوم إما بالأرق وإما بالنوم لساعات طويلة. [20] 

    

      

يُقسِّم الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الاضطراب ثنائي القطب إلى نوعين رئيسيين، أولهما يتميز بنوبات الهوس الحادة التي تدوم أسبوعا واحدا على الأقل وعادة يحتاج معها الشخص إلى رعاية طبية، يسبقها أو يليها نوبات اكتئاب تستمر لأسبوعين على الأقل، ومن الممكن أيضا حدوث نوبات الاكتئاب ذات السمات المختلطة التي تتميز بوجود أعراض الاكتئاب والهوس في الوقت ذاته. [21] أما الاضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني فينطوي على التقلب بين نوبات الهوس الخفيف والاكتئاب، والهوس الخفيف هنا لا يعني أن تكون أعراضه أقل حدة عن الهوس الحاد، بل يتميز بأعراض الهوس الحاد نفسها لكن يمكن تشخيصها بوضوح عند استمرارها لمدة أربعة أيام على الأقل.

  

رغم أن نوبات الهوس في الاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول تستمر لفترة أطول ويمكن أن تكون حادة وخطيرة، فإن نوبات الاكتئاب في النوع الثاني قد تستمر لفترات أطول وبالتالي يمكن أن تسبب إعاقات كبيرة. لكي يتم تشخيص الاضطراب ثنائي القطب، يجب أن تسبب نوبات الهوس الحاد منه والخفيف أو الاكتئاب تغييرا ملحوظا في السلوك المعتاد للشخص، كما يجب أن تستمر لفترة مواتية لنوع الاضطراب سواء الأول أو الثاني. [22] قد يأتي بالتزامن مع الاضطراب ثنائي القطب العديد من المشكلات الصحية والنفسية الأخرى مثل: اضطرابات القلق واضطرابات الأكل وغيرها.

  

كالعادة، مثل الاضطرابات النفسية الأخرى، يعتبر السبب المسؤول عن الاضطراب ثنائي القطب مجهولا، ولكن يعتقد العلماء والباحثون أن الأسباب المسؤولة عن الاضطراب تتضمن العديد من العوامل التي تتضافر معا مثل: الاختلافات البيولوجية، حيث كشفت الأبحاث عن وجود تغيرات عضوية في الدماغ لدى المصابين بالاضطراب، والعوامل الوراثية، إذ يعتبر الاضطراب أكثر شيوعا لدى الأشخاص الذين لديهم أقارب من الدرجة الأولى من المصابين بالاضطراب، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والبيئية الأخرى.

  

اضطرابات الأكل.. عندما يكون الطعام نقمة

  

تُعد اضطرابات الأكل هي أحد الاضطرابات النفسية المُعترف بها رسميا من قِبل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، فتأتي في مرتبة متقدمة بين أكثر الاضطرابات النفسية انتشارا، حيث تؤثر على ما يزيد على 30 مليون شخص في الولايات المتحدة الأميركية وحدها. تتعدد أنواع اضطرابات الأكل وتتراوح بين تناول كمية ضئيلة للغاية أو كمية كبيرة جدا من الطعام، لكن أشهرها هي: اضطراب فقدان الشهية العصبي (Anorexia nervosa)، واضطراب الشره المرضي العصبي (Bulimia nervosa)، واضطراب الأكل الشره (Binge eating). [23]

  

اضطراب فقدان الشهية العصبي: هو أكثر اضطرابات الأكل انتشارا، إذ يتميز بانخفاض وزن الجسم عن المعدل الطبيعي مع الخوف الشديد من زيادة الوزن، حيث يبذل المصابون به مجهودا كبيرا للتحكم في أوزانهم وأشكالهم بشكل يتعارض مع صحتهم، فيقيدون أنفسهم بنظام غذائي قاسٍ يعتمد على القليل من السعرات الحرارية، وغالبا ما يعتمدون على طرق أخرى لفقدان الوزن مثل: الإفراط في ممارسة الرياضة، أو استخدام المسهلات وعقاقير إنقاص الوزن. بمرور الوقت يُصاب الأشخاص الذين يعانون من فقدان الشهية العصبي بالعديد من المشكلات الصحية التي قد تتطور في الحالات الخطيرة إلى الإصابة بفشل القلب والدماغ ومن ثم الموت. [24]

  

اضطراب الشره المرضي العصبي: ينطوي على نوبات متكررة من الإفراط في تناول الطعام بكميات كبيرة في فترات قصيرة، ثم الشعور بالعجز والخجل وعدم القدرة على التحكم والسيطرة في هذه النوبات. ورغم أن الأشخاص المصابين باضطراب الشره المرضي العصبي لديهم وزن صحي على عكس أولئك المصابين بفقدان الشهية العصبي، فإنهم يخشون من زيادة الوزن، فيلجأون إلى العديد من السلوكيات التي قد تعوّض الإفراط في تناول الطعام مثل: التقيؤ القسري أو الصوم وممارسة الرياضة بصورة مفرطة.

      

  

اضطراب الأكل الشره (نهم الطعام): صُنّف مؤخرا كأحد اضطرابات الأكل، بأعراض اضطراب الشره المرضي العصبي نفسها، ففي كلتا الحالتين يقوم الشخص بأكل كميات كبيرة من الطعام بسرعة وانتظام حتى عند عدم الشعور بالجوع أو بعد الشبع الشديد، وبعد الأكل بشراهة يعاني الشخص المصاب بالأكل الشره من الشعور بالخجل مع عدم القدرة على التحكم في تناول الطعام. لكن على عكس الشره المرضي العصبي، لا يحاول الشخص المصاب بنهم الطعام التعويض عن الإفراط في تناول الطعام بممارسة الرياضة أو استخدام سلوكيات التطهير القسرية التي يستخدمها نظراؤهم من المصابين بالشره المرضي العصبي. [25]

  

لطالما شاع أن اضطرابات الأكل تحدث بسبب العوامل البيئية والثقافية فقط، لكن كأغلبية الاضطرابات النفسية الأخرى لا يزال السبب الرئيس المسؤول عن حدوث اضطرابات الأكل مجهولا، ورغم ذلك يعتقد الباحثون والخبراء أن اضطرابات الأكل تنجم عن تضافر معقد للعديد من العوامل معا بما فيها العوامل البيئية والثقافية والاجتماعية، فضلا عن العوامل البيولوجية مثل العوامل الجينية والوراثية، إضافة إلى حالة الصحة النفسية والعاطفية. [26]

   

الفصام.. ليس كما يعتقد معظم الناس!   


  

"لا يمكن فهم الفصام، دون فهم اليأس"

(رونالد لينغ – طبيب نفسي)

  

الفصام هو أكثر الاضطرابات النفسية والعقلية التي يُساء فهمها فهما حقيقيا، رغم أنه يؤثر على أكثر من 21 مليون شخص على الصعيد العالمي. على نقيض ما يُروّج له خاصة في السينما، لا ينطوي الفصام على امتلاك المصاب به لشخصيات متعددة تتصارع مع بعضها البعض لقيادة الموقف، بل ينطوي على حالة ذهان تتسم بوجود مجموعة كبيرة من الاضطرابات شديدة العمق تطأ القدرات الفكرية والإدراكية، والقدرات الانفعالية واللغوية والسلوكية. رغم تنوّع أعراض اضطرابات طيف الفصام، فإنها تتميز بثلاث فئات رئيسية مختلفة من الأعراض، أولها إيجابي، وثانيها سلبي، وثالثها ضعف الإدراك. [27]

     

    

تنطوي الأعراض الإيجابية على: الأوهام والهلوسة والسلوك الحركي غير المنظم. تختلف الأوهام عن الهلوسة، فتنطوي الأوهام على اعتقادات خاطئة غير واقعية، على سبيل المثال، من يعاني من الأوهام قد يعتقد أنه يتعرض للأذى أو يُطارد من قِبل منظمة سرية أو فضائيين، أو يعتقد أنه شخص آخر تماما أو شخص مشهور، أو يمتلك قدرة خارقة، إلخ. [28] بينما تنطوي الهلوسة على فقدان الصلة بالحقيقة عبر الشعور بأحاسيس وهمية مع رؤية أو سماع أشياء غير موجودة، ورغم عدم وجود هذه الهلوسات من الأساس، فإنها بالنسبة للشخص المصاب بالفصام حقيقية للغاية ولها كامل القوة والتأثير على مجرى حياته.

    

يتجلى السلوك الحركي غير المُنظم عادة في اختلال السلوك مثل: القيام بالتصرفات الطفولية أو الضحك المفرط دون سبب، أو الاهتياج المفاجئ والحركة المفرطة غير ذات مغزى، والنقص التام في الاستجابة. أما الأعراض السلبية عادة ما تتضمن اللا مبالاة الواضحة وندرة الكلام، والافتقار إلى العاطفة أو التناقض في التعبير العاطفي وصد ردود الفعل، وقلة الدافع للانخراط في البيئات الاجتماعية ثم الانسحاب الاجتماعي، وقلة الأداء وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وفقدان القدرة على الشعور بالسعادة والمتعة.

      

  

بينما يتجلى ضعف الإدراك في التفكير غير المنظم الذي يظهر على هيئة الحديث غير المنظم وانقطاع الأفكار أو عدم القدرة على ترتيبها، وضعف الاتصال الفعال واستخدام كلمات وتعابير غير ذات معنى لا يمكن فهمها في بعض الأحيان. [29] بحسب التصنيف الدولي للأمراض التابع لمنظمة الصحة العالمية، فإن الشرط الرئيس لتشخيص اضطراب الانفصام هو توافر عرض واحد أو أكثر من الأعراض الإيجابية والسلبية بشكل واضح لمعظم الوقت خلال فترة شهر واحد على الأقل. حتى الآن، لم تستطع البحوث التوصل لسبب واحد مسؤول عن الإصابة بالفصام، حيث يعتقد الباحثون أن اضطراب الفصام ينجم عن تفاعل معقد للغاية بين الجينات والوراثة وكيمياء الدماغ وطيف واسع من العوامل البيئية والنفسية والاجتماعية. [30]

    

أما عن العلاج، فيُستخدم العلاج السلوكي المعرفي بصورة شائعة في علاج الكثير من الاضطرابات النفسية بداية من اضطرابات القلق بأنواعها مرورا بالاضطراب ثنائي القطب وحتى اضطرابات الأكل والاكتئاب، حيث يساعد المرضى على إدراك التفكير السلبي غير الدقيق والنظر للمواقف الصعبة بشكل أكثر وضوحا والاستجابة لها بطريقة أكثر فعالية، مع التعرف على طرق التعايش مع مواقف الحياة المجهدة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار