انضم إلينا
اغلاق
بعكس ما يشاع.. النسيان قد يدل على ذكائك العالي!

بعكس ما يشاع.. النسيان قد يدل على ذكائك العالي!

  • ض
  • ض

"أَصابَ أبي الملل ذات مرة فقال: أريد أن أذهب للبيت.
ونحن أساسا في البيت، فقلت له: حسنا، اذهب.
كان رده: هل ستأتي معي أم ستبقى هُنا؟

فأجبته: سأبقى هُنا.
نظر حوله وكأنه يُريد تذكر ما يُريد أخذه معه، وبعدها جاء إليّ مرة أخرى عند الطاولة وبدا عليه الإحراج من هذا الموقف، تردد قليلا ولكنه تكلم في النهاية:
هل يُمكنك -على الأقل- أن تُعطيني عنوانا أو أي إرشادات أخرى؟ مثلا أن تقول لي سِر حتى نهاية الشارع العلوي حتى ترى البيت الفُلاني الذي من المفترض أن يكون بيتي؟"

(أرنو جايجر، ملك في منفى العمر)

 

في قطعة أدبية مؤثرة للكاتب النمساوي آرنو جايجر، يبسط المساحة فيها لكل ما عاشه من مشاعر لا يُمكن وصفها بدقة من خلال حروف مُفردة واحدة، ولا حتى حرفين، ولا أكثر. بعض المشاعر -حقيقة- لا يملك المُعجم أن يصفها بإنصاف. فالشعور الذي أراد جايجر أن ينقله لنا استهلك وصفه أكثر من 135 صفحة تقفز بين ماضيه تارة وتستقر في حاضره تارة أخرى، تسبح فيها المفردات بين دموع عائلة ترى المرض يأكل كل ذكرى خُزّنت يوما في عقل والدهم. والدهم الذي كان مَلكهم، بعجرفته، بانتقاده، بطباعه الغليظة، إلا أن النسيان ألقى به في منفى لم يعد يتذكر به أنه الملك، وأن له عرشا وأبناء وذكريات، لم يعُد يتذكر كم يبلغ من العمر، ولا حتى من الشخص الذي يشاركه فراشه. الزهايمر الذي -كالعادة- تبدأ أعراضه بنسيان بعض الأمور، وهذا ما رأيناه أيضا في فيلم "لا تزال أليس" (Still Alice)، أليس، الأستاذة الجامعية التي تتقن عدة لغات، والتي يُمكن اعتبارها قاموسا بشريا لعدة لغات بدأت بنسيان مفرداتها شيئا فشيئا، وكانت في العمر الذي يُستبعد فيه احتمالية مرض الزهايمر، إلا أنها شُخّصت بالزهايمر المُبكر.

 

                  

تقول (س.ب) لموقع "ميدان" إن شقيقتها التي كانت تبلغ من العمر 18 عاما بدأت بنسيان بعض الأمور البسيطة مثل أن تُرسلها والدتها للحجرة المجاورة لإحضار شيء ما، ولكنها تصل لباب الحجرة وتُفكر: "ما الذي جاء بي هُنا؟"، وتكرر هذا الشيء مرة تلو الأخرى، وتفاقمت الحالة مع الفتاة بتشخيصها بأعراض نفسية، أدت في نهاية المطاف إلى تشخيصها بالذهان الحاد.

 

النسيان، شبح لا تعلم متى يزورك، ولا كيف زارك ولا سببه. يَبدأ زيارته بخطوات خفية، بإيقاع بطيء، ليُنبهك لخطر مستقبلي ولأمراض عقلية لا يُمكن وصفها بالسهلة. ولكن دراسة طبية نُشرت تقول بأن النسيان يدل على ذكائك العالي، فما الحكاية؟

  

الدماغ، دفّة الفرز والتهميش!

"نحن لا نتذكر الأيام، نحن نتذكر اللحظات. ثراء الحياة يكمن في الذكريات التي نسيناها"

(تشيزاري بافيزي، شاعر إيطالي)

 

في جامعة تورنتو، كندا، قدم الباحثون دراسة (1) تُثبت أن ما يتم ترويجه عن النسيان عبر الأفلام والمسلسلات على أنه دليل على الغباء أو مؤشر أولي يُنبه من خطر أمراض عقلية غير صحيح. بول فرنكلاند وبليك ريتشاردز القائمان على هذه الدراسة أوضحا بشكل مباشر أن النسيان وظيفة يقوم بها الدماغ لا تقل أهمية عن وظيفة التذكر، فالنسيان والتذكر يُعدان عُنصرين أساسيين يتساويان في الأهمية. بالإضافة إلى أن النسيان دليل على المرونة التي يتمتع بها الدماغ في فرز المعلومات المهمة عن تلك غير المهمة فيتخلّص منها، في محاولة منه لإفساح المجال للمعلومات الأكثر أهمية. (2) في الواقع، يقترح الباحثون أن هدف الذاكرة ليس الاحتفاظ بأدق المعلومات مع مرور الوقت، ولكن توجيه وتحسين صنع القرار الذكي من خلال التمسك فقط بالمعلومات التي قد تُفيدنا باتخاذ القرارات، بعض الذكريات ليست سوى عامل تشويش يؤثر بشكل واضح على قراراتنا.

 

 

يقول الأستاذ المساعد ريتشاردز بليك: "الهدف الحقيقي للذاكرة هو تحسين عملية صنع القرار"، ورُبما هذا التصريح يُعد ناسفا لكل ما اعتقدناه يوما أو فكرنا به على اعتبار أنه دور الذاكرة، كتذكر التفاصيل وأدق أدقها. ففي الماضي، كانت البحوث البيولوجية العصبية حول الذاكرة تميل إلى التركيز على الآليات الخلوية المشاركة في تخزين المعلومات، ولكن تم إيلاء اهتمام أقل بكثير بكل ما يتعلق بالنسيان. حتى الآن، غالبا ما يُفترض أن عدم القدرة على التذكر يرجع إلى فشل الآليات المعنية بتخزين المعلومات أو تذكرها، إلا أن الدراسة جاءت لتقول إن نسيان بعض الأمور البسيطة مثل موعد مع الأصدقاء، مكان المفاتيح، أو عندما تتذكر فقط جوهر المحادثة أو اللقاء الاجتماعي بدلا من كل كبيرة وصغيرة حدثت أثناء اللقاء، فهذا يعني أن عقلك ينسى التفاصيل، ولكنه يخلق ذكريات مجردة أكثر فائدة في صنع القرار والتنبؤ بالمستقبل (3).

  

بول فرنكلاند من جهته يقول: "لقد وجدنا الكثير من الأدلة في الأبحاث الحديثة تشير إلى وجود آليات تعزز فقدان الذاكرة، وأن هذه الآليات متميزة بشكل يفوق تلك المَعنية بتخزين المعلومات". بمعنى آخر، يعمل دماغك بنشاط على نسيان تلك المفاتيح في الخزانة، ولأسباب من الممكن أن تكون وجيهة (4). وهذا يطرح تساؤلا سريعا: لماذا يبذل الدماغ الكثير من الطاقة بهدف التذكر، ويبذل طاقة أكبر بهدف النسيان؟ يُبيّن ريتشاردز أن الأسباب التي تدفع الدماغ لهذا الفعل يُمكن حصرها في سببين وجيهين، الأول، أننا في عالم يمشي بوتيرة مُتسارعة وهذا ما يُولد الكثير من المعلومات التي نُصادفها بشكل يومي، فتُصبح أي معلومات قديمة "عفا عليها الزمن" وغير مهمة، ويقول: "إذا كنت تحاول التنقل في العالم وكان دماغك ينشر باستمرار ذكريات متعددة متضاربة، فهذا يجعل من الصعب عليك اتخاذ قرار مستنير يُناسب وقتك الحالي". (5)

 

  

أما السبب الثاني، فيقول ريتشاردز: "لا يتم قياس كفاءة الدماغ على أن الشخص الأكثر كفاءة هو الذي يتذكر الفائز بكأس العالم لعام 1972"، هُناك ما يُسمى "التنظيم" في الذكاء الاصطناعي، وهو يعمل عن طريق إنشاء نماذج بسيطة تعطي الأولوية للمعلومات الأساسية ولكنها تقضي على تفاصيل محددة عند تحليل مجموعات البيانات الضخمة، مما يسمح بتطبيق أوسع. وهذا تحديدا ما يفعله الدماغ باستخراج المهم فقط من أحداث الماضي وإدماجه في أحداث الحاضر حسب أولويتها، ويتخلص من كل ما يعلق في المنتصف أو الأقل أهمية، ويختم بالقول: "الهدف من الذاكرة هو أن تجعلك شخصا ذكيا يُمكنه اتخاذ القرارات في ضوء الظرف الراهن، وجانب مهم في مساعدتك على القيام بذلك هو القدرة على نسيان بعض المعلومات". (6) (7) (8)

 

متى يَدُق ناقوس الخطر؟

"مشكلتي الحقيقية ليست النسيان، مشكلتي كثرة الذكريات"

(غازي عبد الرحمن القصيبي)

 

في الدراسة نفسها المذكورة أعلاه يوضح القائمون عليها أن نسيان الأمور العرضية غير مُقلق، بل يدُل على أن نظام الذاكرة الذي يتمتع به الشخص صحي وسليم، إذ لا مُشكلة من أن تكون شخصا عبقريا نسيًّا. ولكن إن كان الشخص ينسى أمورا مُهمة بشكل مُتكرر وأكثر من المعتاد فقد يكون ذلك مدعاة للقلق. إضافة إلى ذلك، تنجم معظم مشاكل الذاكرة بين الشباب لأسباب عاطفية أو تتداخل بها المشاعر المتضاربة، مما يؤدي إلى انصراف الانتباه وعدم التركيز، ويؤدي بالتالي إلى قُدرة أقل فعالية في صنع ذكريات جديدة أو استدعاء ذكريات قديمة. لكن لحسن الحظ، كل هذه الأسباب -تقريبا- مؤقتة أو سهلة الإصلاح، مثل:

 

الضغط العصبي: الضغط لا يجعلنا مُرهقين وسريعي الغضب وحسب، ولكن مخالب الإجهاد تصل للعقل أيضا. وجدت دراسة في مجلة "ساينس" (Science) أن الإجهاد يمكنه أن ينشط إنزيما يسمى "بروتين كيناز سي" في الدماغ، والذي يمكنه تقليص دائرة ذاكرتنا قصيرة الأمد. يُضعف الإنزيم قدرتنا على التركيز -خاصة- عندما نتعامل مع العديد من المواقف العصيبة، وهذا هو السبب في أنك قد تنسى مفاتيح منزلك في يوم يمكنك فيه التفكير في اجتماع كبير خاص بالعمل. (9) (10)

 

 

القيام بمهام مُتعددة: أسطورة تعدد المهام، التي تنصحك بالعمل على أكثر من مهمة بغية إنجازهم جميعا في الوقت نفسه. حسنا، اتضح أن هذا التركيز الضيق هو أمر سيئ بالنسبة لذاكرتك أيضا. حيثُ يمكن أن يؤدي الإفراط في نفسك والقيام بالكثير من المهام إلى الإجهاد، مما قد يتسبب في فشل ذاكرتك، كما أن الانقطاعات المتكررة بين مهمة وأخرى قد تجعل من الصعب على عقلك تكوين ذكريات جديدة أو منتظمة. (11)

 

قلة النوم: قد تكون من الأشخاص الذين لا يُلقون بالا لأضرار قلة النوم، ولا تهتم إطلاقا للتبعات الصحية المستقبلية التي سيكون سببها عدم حصولك على ساعات النوم الكافية، إضافة إلى كل ما سبق فإن قلة النوم تؤدي للإجهاد والقلق اللذين بدورهما يؤديان للتوتر مما يؤدي إلى المزيد من النسيان. (12) (13)

 

الاكتئاب: يبدو أن الاكتئاب هو النجم الساطع للعديد من المشاكل النفسية والصحية والعقلية، فعندما تشعر بالاكتئاب سيصعب عليك التركيز على أي شيء أو التعامل مع العالم بشكل طبيعي، هذا هو -بالفعل- السبب في أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب قد يواجهون صعوبة في تذكر الأشياء. يمكن لمستوى التشتيت الذي يُشكّله الاكتئاب أن يمنع عقلك من إنشاء ذكريات جديدة، الخبر الجيد أن الأطباء يجدون أن ذكرياتنا تميل إلى العودة إلى طبيعتها عندما نتعامل مع اكتئابنا. (14)

 

قصور الغدة الدرقية: القصور بقدراته شبه السحرية يؤدي إلى إبطاء عملية الأيض، وتشويه إحساسك بالحرارة، وتحفيز الشعور بالركود والكسل بشكل عام، كما أن الغدة الدرقية قد تؤدي إلى الأرق والاكتئاب، وكلاهما لهما ميل في جعل ذاكرتنا أكثر ضعفا وخمولا. (15)

   

   

الحمل: على الرغم من أن الدراسات لم تُثبت بنسبة 100% أن الحمل أحد الأسباب المؤدية للنسيان، فإن بعض الباحثين يعتقدون أن أعراض النسيان أو قصور الذاكرة يمكن أن تكون ناجمة عن أي شيء من التغييرات الهرمونية إلى الإجهاد والحرمان من النوم الذي يصاحب الحمل في كثير من الأحيان. (16)

   

في النهاية، تعتمد الذاكرة القوية على صحة وحيوية عقلك. سواء كنت طالبا يدرس للامتحانات النهائية، أو مهنيا عاملا مهتما ببذل كل ما في وسعه للبقاء يقظا في عمله، أو أحد كبار السن الذين يتطلعون للحفاظ على صحتهم كلما تقدموا في العمر، فهناك العديد من الإجراءات التي يمكنك اتخاذها لتحسين ذاكرتك وأدائك العقلي. فالدماغ البشري لديه قدرة مذهلة على التكيف والتغيير، حتى في سن الشيخوخة، وتُعرف هذه القدرة بالليونة العصبية. من خلال التحفيز المناسب، يمكن لعقلك أن يُشكّل مسارات عصبية جديدة، ويغير الروابط الحالية ويتكيف ويتفاعل بطرق متغيرة باستمرار. في هذا السياق يُقدم الموقع التعليمي Exploratorium بعض الألعاب الممتعة التي تُمرنك على التذكر واختبار نفسك جنبا إلى جنب دماغك. كما يُقدم موقع KeepYourBrainAlive بعض التمارين غير الاعتيادية لتمرين دماغك وتعزيز مهاراته المتعلقة بالذاكرة. وتذكر بأن تذكرك للتفاصيل الصغيرة ليس دليلا على ذكائك، وأن غياب تلك التفاصيل من دماغك لا يدل -إطلاقا- على قلة ذكائك!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار