انضم إلينا
اغلاق
تصيبنا بالاكتئاب أو تسعدنا.. هذه الألوان تتحكم في مزاجنا

تصيبنا بالاكتئاب أو تسعدنا.. هذه الألوان تتحكم في مزاجنا

هند أكَلاو

محررة
  • ض
  • ض

في البدء كان الأبيض، رسمته مخيلة البشر في لون الحوريات المتكئات على جدار الفردوس، لون السلام الذي عم الأرض قبل أن تكسره صرخة آدم الأولى. في البدء كان الأبيض لون نور الإله، أجنحة الملائكة، لون البداية وأصل النهاية، لون الحياة ولون الموت. في البدء كان الأبيض، ثم كانت النفس البشرية منشورا تشظّى فيه الأبيض وتكسّر ألوانا.

       

كان نيوتن أول من بشّر بسيادة اللون الأبيض، وسبر أغوار العلاقة بين الضوء واللون، وإمكانيات إنتاج الظواهر الملونة المختلفة. لكن غوته الفيلسوف الألماني لم يستسغ أن تحرم النفس البشرية من أحد أهم مواضيعها ويستأثر به الفيزيائيون وأرباب الطبيعة الميكانيكية، فوضع نظرية في الألوان يعارض بها نظرية نيوتن.

     

كانت نظرية نيوتن صحيحة علميا، لكن غوته نظر إلى الألوان بعين الفيلسوف الفنان، وأولى التأثير النفسي للألوان الاهتمام الأكبر، فخصص له فصلا كاملا من كتابه "نظرية اللون" الذي نشره سنة 1810 وعنونه بـ"التأثير المعنوي والحسي للألوان".(1)

       

عجلة ألوان صممها غوته سنة 1809 (مواقع التواصل)

  

ابتكر غوته عجلة ألوان خاصة به، ورتب الألوان وفقا لما أسماه الترتيب الطبيعي. قسم كل الألوان إلى مجموعتين، ألوان مرتبطة بالإثارة والبهجة، وألوان مرتبطة بالضعف والمشاعر غير المستقرة، وتحدّث عن الكيفية التي تؤثر بها كل مجموعة على عواطفنا وكيف تُرسم أمزجتنا وفقا لمزايا كل لون.(2)

   

استمر تطور الموضوعات المتعلقة بالألوان، فكانت قوانين الألوان وتأثيراتها مهيمنة على تفكير الحركات الفنية المختلفة في بداية القرن التاسع عشر. وفي سنة 1839 نشر ميشيل أوجين شيفرول كتاب "قانون التباين المتزامن للألوان وتنسيق الأجسام الملونة" الذي أصبح القاعدة التي تستند إليها الحركة الانطباعية، ومكّنت دراسة تأثير الضوء على لون الأشياء الانطباعيين مثل مونيه من خلق إبداعات جديدة.(3) (4)

   

وفي وسط القرن العشرين انتقلت شعلة الاهتمام بالألوان من الفنانين إلى علماء الاجتماع والمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا، واتجهوا لدراسة استخداماتها الاجتماعية. ووصلت إلينا اليوم بنسخة حديثة وجدت لنفسها مكانا داخل كل المجالات المحيطة بنا سواء كنا واعين بذلك أم لا.(2)

     

دراسة للفنان كلود مونيه عن تأثير ضوء الشمس على كاتدرائية روان   (مواقع التواصل)

     

التداوي بالألوان ليس اكتشافا حديثا

افتتان البشر الأزلي بالألوان حملهم لاعتبارها مصدرا ليس للسحر والجمال والقدسية فقط، بل وللتداوي الجسدي والارتقاء الروحاني كذلك. أخذ الإنسان البدائي من الشمس أقباسا صفراء وحمراء وخضراء للنشاط والحيوية والكد في العمل، ومن سمرة الليل اتخذ الأرجواني والأزرق والنيلي مخادع للسكنى والاسترخاء. ثم ما لبث فراعنة النيل أن جعلوا للألوان إلها يداوي بها المرضى ويزيل عنهم السقم هو الإله تحوت. لم يتخلف الإغريق عن الركب، فجاء كتاب متون هرمس المنسوب لهرمس العظيم ليوصي بالاستشفاء بالألوان ضمن جملة تعاليمه.

   

وضعت العقيدة الهرمسية الألوان ضمن نظام كوني رباعي الأضلاع، ابتداء من العناصر الأربع التي بُني منها الكون وهي النار والماء والتراب والهواء، ثم الخصائص الأربع وهي البرودة والحرارة والرطوبة والجفاف، مرورا بالألوان الأربع التي ارتبطت بسوائل الجسد وهي الأصفر (عصارة الكبد الصفراء)، والأحمر (الدم)، والأبيض (البلغم)، والأسود (العصارة السوداء أو الكآبة)، انتهاء بالأعضاء الأربع وهي القلب والعقل والكبد والطحال. في هذا النظام الرباعي كان الاستشفاء بالتمائم والأحجار الكريمة والأقمشة الملونة والمراهم أساسيا لإعادة التوازن إلى هذه الأضلاع الأربع متى اختلّت. وحين شارف العصر الكلاسيكي في اليونان القديمة نهايته، شكّل النظام بنيان العلوم كله ومن بينها الطب إلى أن انطفئت شعلته مع تسيّد المسيحية ومحاربتها للتقاليد الوثنية.

 

في الشرق، حمل رئيس الفلاسفة وطبيبهم ابن سينا على عاتقه إكمال مسيرة العلاج بالألوان، فخط في كتابه "القانون في الطب" أهمية الألوان في العلاج والتشخيص. رسم ابن سينا مخططا يربط الألوان التي اعتبرها أعراضا ظاهرة بالحالة الجسدية والمزاج، وادعى أن الأحمر يستحث حركة الدم بينما يثبطها الأزرق أو الأبيض، في حين يقلل الأصفر من الألم والالتهاب. كما أنه ألمح إلى أخطار الألوان المحتملة على المرضى قائلا إن المصابين بالنزيف، على سبيل المثال، لا يجدر بهم التحديق في الأحمر أو التعرض للضوء الأحمر خوفا من زيادته، في حين قد يعينهم اللون الأزرق على تثبيط تدفق الدم وإبطائه.(6)

  

   

وجاء عصر النهضة في أوروبا لينفخ الروح في التداوي بالألوان في التقليد الغربي، لكن من بوابة السحر هذه المرة عن طريق بارسيلسوس الذي ادعى أنه تعلم مهارات العلاج بالألوان من اتصاله بالساحرات. ثم ما لبث عصر الأنوار أن أهال التراب على هذا الفن مجددا بدعوى مخالفته للعلم المعقول والنهج المادي التجريبي الجديد الذي سار عليه الطب الحديث. لكنّ باحثا أميركيا عاش في منتصف القرن التاسع عشر نشر كتابا عنوانه "الأزرق وأضواء الشمس" ادعى فيه أنه اكتشف تأثير الألوان على النباتات والحيوانات والبشر عبر مراقبة نمو النباتات في دفيئات ترشح ضوء الشمس الطبيعي لتمرر اللون الأزرق. ما لبث أقرانه أن وصفوا عمله بغير العلمي، لكن قاطرة العلاج بالألوان كانت قد انطلقت مجددا، على استحياء مرة وبجد مرات، حتى بلغت منتصف القرن العشرين وقد راكمت ما يكفي من الأبحاث والأدلة لتدخل بها ظافرة ساحة العلم المعترف به، ليس في مجال الطب فقط بل والاجتماع وعلم النفس كذلك.

    

بعد نجاح الكثير من تجارب علاج الأطفال الخدج عن طريق اللون الأزرق، واكتشاف أثر الألوان على ضغط الدم ومعدلات نشاط الأعضاء الحيوية، أورد مأمور أحد السجون الجديدة في الولايات المتحدة في تقريره أن نزلاء السجن المكوّن من أربعة عنابر اختلفت سلوكياتهم حسب لون عنبرهم، فقد كان نزلاء العنابر الحمراء والصفراء أكثر عنفا وعدوانية من نزلاء العنابر الزرقاء والخضراء. وتوصلت الأبحاث التي فحصت تأثير الألوان على السلوك الجسدي والنفسي إلى أن اللون الوردي كان له تأثير السحر في تهدئة ثورة السجناء العنيفين، فقد أرخى هذا اللون من قوة عضلاتهم في غضون 2.7 ثانية، في حين زاد اللون الأحمر من قوتهم العضلية بنسبة 13.5%. وقد اقترح أحد الباحثين أن ارتفاع نسبة الجرائم في شوارع المدن ليلا قد يكون ذا صلة بأضواء الشارع الصفراء التي تحفز العنف والعدوانية.

    

لم يتأخر علماء الأعصاب في الإدلاء بدلوهم محاولين تفسير هذه الظاهرة قائلين إن اللون الأزرق يستحث الجانب الودي التعاطفي في الشبكات العصبية، وقد نجحوا في علاج أمراض مثل ارتفاع ضغط الدم باستخدام جلسات الضوء الأزرق، في حين استخدموا الضوء الأحمر بنجاح لعلاج حالات أخرى مثل الصداع النصفي. وتمكّن أطباء الأورام من استحداث علاج جديد لتشخيص واستئصال الأورام السرطانية باستخدام الأشعة فوق البنفسجية والضوء الأحمر، وقد نجحوا في علاج ما يزيد على 3000 آلاف مريض باستخدام هذا العلاج التجريبي. (5)

  

اختر الألوان من حولك بحذر

 

بعدما وصلتك قاطرة الألوان التاريخية التي جمعت بين العلم والفن والطب فلا تتردد في الصعود إليها، فقد حان وقت نفض العشوائية عن جدران بيتك، واختيار ألوان تخدم مزاجك وعائلتك وأسلوب عيشك، وخلق مساحات متناغمة ومريحة تقوم بالدور الذي أُنشئت من أجله. لكن عليك أولا أن تقبض على معنى كل لون على حدة، وتتعمق في معرفة الاستخدامات الصحيحة له.

     

الأحمر
متى ما ذُكر الأحمر ذُكرت العواطف وذُكر الحماس، ومن المعروف أن هذا اللون يرفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، وفي علم نفس الألوان يعتبر مصدرا مهما للطاقة، لذلك فإن حضوره مهم في المساحات التي انتقيتها لاستقبال ضيوفك، سيُضفي الأحمر الحماس والبهجة على النقاشات والحوارات التي تخوضها في حضرة هذا اللون الدافئ. يمكنك كذلك أن تختاره لتترك انطباعا جيدا لدى زوارك وتشعرهم بالراحة والأمان، ومن المؤكد أنه سيكون الخيار الأنسب لطلاء جدران الغرفة التي وقع عليها الاختيار لتكون غرفة تناول الطعام، فالأحمر يمتاز بصيته الواسع فيما يخص القدرة على فتح الشهية على الطعام وتمرير الشعور بالحماس والمتعة أثناء تناول الطعام ومشاركته.(7)

  

  

الأصفر

إذا كنت تبحث عن لون مشرق صافٍ ودافئ فستجد في الأصفر ضالّتك حتما، يضفي الأصفر شعورا بالدفء والحميمية على المساحات الصغيرة والمداخل، ويمكنه أن يكون خيارا جيدا لجدران مطبخك لأنه يحفز عملية الأيض ويوفر لك مساحة للانطلاق بنشاط كل صباح. لكن للأصفر وجهان، إذ يمكنه أن يصير نقيض كل ما ذكر إن لم تكن حذرا في استخدامه، تشير الدراسات إلى أن الناس يكونون أكثر عرضة لفقدان أعصابهم والشعور بالغضب في المساحات التي يغلب عليها اللون الأصفر، كما يمكن أن يجد البعض أنه مؤذٍ بصريا إن لم يكن الحظ حليفا لهم لاختيار الدرجة المناسبة، لذلك يجب عليك أن تكون حذرا وأنت بصدد إدخال هذا اللون عقر دارك.(8)

  

  
الأخضر

يمكن للأخضر بدرجاته المتعددة أن يؤثر على بيتك بطرق مختلفة، المزج بين الأزرق المنعش والأصفر الدافئ مع الأخضر يجعل من هذا اللون لونا مناسبا لأي غرفة في منزلك تقريبا. يعزز الأخضر الشعور بالراحة والهدوء، ويخفف الاكتئاب ويريح الأعصاب، ودائما ما يحمل شعورا بالسلام والاسترخاء والاستقرار والتوازن، وبالإضافة إلى كل هذا يشجع الأخضر على الإبداع والإنجاز.

   

يمكنك أن تلجأ إلى الدرجات الهادئة لخلق مساحات تمدّك بالسكينة والراحة وتريح أعصابك وعينيك، هذه المواصفات تجعل من الأخضر اللون المناسب لجدران غرفة نومك حيث يمكنك الاسترخاء والتجرد من المنغصات التي تقابلك خارجا، يمكنك أيضا استخدامه في الصالون لتعزيز الشعور بالانسجام والراحة، أو في المطبخ لبث الشعور بالانتعاش والحيوية والحصول على مطبخ عصري ومشرق، لكن لا بد من الحرص على استخدام الدرجات الهادئة والخافتة والابتعاد عن الدرجات الغامقة حتى لا تجعلك متوترا أو توقظ الشعور بالانزعاج. (9)

    

  

الأزرق

يذكرنا الأزرق عادة بالسماء والبحر، ويرتبط بالهدوء والاتساع والحرية. يؤثر اللون الأزرق بشكل إيجابي على عقل وجسم الإنسان، ويساعد على الشعور بالراحة، ويحفز الدماغ لإنتاج مواد كيميائية تبعث على الهدوء والسكينة، كما يساعد على خلق التوازن والإبداع. يُنصح باعتماد الأزرق داخل غرف الأطفال، لأنه يساعدهم على النوم في هدوء وقضاء ليالٍ هنيئة، كما أنه خيار رائع للأشخاص الذين يعانون من الأرق أو الأشخاص الذين يميلون إلى قضاء الكثير من الوقت في التأمل.

    

لكن على الرغم من أن اللون الأزرق معروف بقدرته على منح الراحة، فإن درجاته الغامقة يمكن أن تنتقل بك من تجربة إيجابية إلى النقيض تماما، يحفز الأزرق الغامق إذا ما استُعمل بطريقة غير صحيحة الشعور بالكآبة والحزن والخمول. إذا كنت تود اعتماد الأزرق لونا رئيسيا في غرفة كاملة، فيُفضّل استخدام درجاته المشرقة والناعمة، مثل الفيروزي أو الأزرق السماوي. ابتعد عن درجات الأزرق المائلة للأرجواني لأنها قد تجعل الغرفة تبدو باردة وغير جذابة.(10)

       

    

البرتقالي

البرتقالي عنوان الانطلاق العاطفي والحماس والإيجابية، إذا كنت ترغب في خلق مساحة دافئة وحيوية، ترفع من إنتاجيتك، وتعزز ثقتك بنفسك، فيُفضّل أن تجعل البرتقالي لونا لها. إنه لون نابض بالحياة ومحفز، سوف يلهمك ويزيد أفكارك الإبداعية ويدفعك لتتحدى نفسك وتتعرف عليها أكثر. كما ينشط البرتقالي الجانب الاجتماعي فينا، ويدفع الناس للتجرد من القيود التي تكبّلهم ويقوي الروابط الاجتماعية. لذلك سيكون خيارا رائعا لغرفة المعيشة. أما إذا كنت تتبع حمية غذائية فسيكون وجوده بين ثنايا مطبخك لعنة لأنه يفتح الشهية ويدفعك للأكل. (11)

   

     

بعد أن عرفت كيف يمكن أن تؤثر الألوان على حالتك المزاجية، احرص في المرة المقبلة وأنت على أعتاب الانتقال لبيت جديد أو عندما تنوي إعادة طلاء جدران بيتك أو تغيير الأثاث أن تكون رحلة اختيار الألوان رحلة مدروسة بعيدة عن العشوائية، لأن اختيار اللون الخاطئ ربما يعني العيش بمزاج معطوب.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار