انضم إلينا
اغلاق
السعي نحو السراب.. هل ثمة توازن بين العمل والحياة؟

السعي نحو السراب.. هل ثمة توازن بين العمل والحياة؟

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض

"أقف على نهاية حبل معلّق. لا أستطيع الحفاظ على كل الكرات في الهواء. لا أملك الرضا. كيف أحافظ على الحب بيني وبين زوجتي وأطفالي، كيف أحافظ على هذا المنزل، وكيف أحافظ على شغفي؟ كيف أجد التوازن؟"

    

بهذه العبارات تبدأ جانيت لوبلانك مقالها الذي كتبته تحت عنوان: "تبا للتوازن، جرب الانحياز.. عن جمال سقوط لاعب السيرك"، لتجيب عن سؤال التوازن في حياتنا بطريقة ربما لم يألف معظمنا سماعها، تقول: "إجابة قصيرة: لا تبحث عن التوازن. إجابة طويلة: عزيزي، أنت حقا وبكل تأكيد لا تحتاج إلى التوازن". لقد حطمت لوبلانك بإجابتها هذه حلم الوصول إلى توازن مثالي بين الحياة والعمل، وهو ما يسعى معظم الناس في عصرنا الحالي إلى تحقيقه بلا جدوى. وبالرغم من أن فكرة التوازن تحمل وقعا لطيفا في النفس فإنها في الحقيقة مثل السراب تبدو مغرية من بعيد لكنها غير حقيقية وليس لها وجود.

  

إن ما يزعمه دعاة فكرة التوازن أن كل شخص يمكنه تحقيق توازن مثالي بين الحياة العملية والحياة الخاصة يضمن له أقصى قدر ممكن من السعادة، إذ يعتقدون أنه ثمة صيغة سحرية يمكن الوصول إليها إذا عملوا بجد وانضباط كافٍ، الأمر الذي سيُمكّنهم من الحصول على كل شيء؛ صحة جيدة وجسم رياضي، ووظيفة مميزة ومكانة مرموقة وراتب كبير، ومنزل جميل في حي راقٍ، وسيارة فاخرة، وحساب بنكي ممتلئ بالأموال، وأسرة رائعة، والكثير من وقت الفراغ لقضائه مع العائلة والأصدقاء. وكأن بمقدورهم السيطرة على كل شيء في الحياة، إلا أنه وكما يبدو فللحياة لعبتها الخاصة، وأحكامها التي تتجاوز خيالاتنا.

     

  

لماذا يُعد التوازن خرافة؟

"التوازن بين العمل والحياة هو أحد أصعب الأشياء التي يمكن القيام بها، هذا التوازن الذي يُعد بعيد المنال عن معظمنا لم ينجح معي. اعتقدت أنني أستطع تطبيقه، لكنني اضطررت للتضحية بالزواج بسبب إغراءات الوظيفة العظيمة. أعتقد أنه يستحيل على معظمنا تحقيق هذا التوازن"

(مارثا ستيوارت – سيدة أعمال وكاتبة أميركية)

  

عندما نسمع مصطلح التوازن بين العمل والحياة يتبادر إلى أذهاننا أن هناك ميزانا يقع في إحدى كفتيه العمل وعلى الكفة الأخرى الحياة الشخصية، كل كفة منهما ستساوي الأخرى، أو تناظرها على الأقل، دون طغيان أحدهما على الآخر. لكن، هل من الطبيعي أساسا أن يتم تقسيم الوقت مناصفة بين العمل وبقية الحياة الخاصة بكل ما فيها؟ قد يكون هذا طبيعيا في عالم مثالي تماما يفتقر إلى المديرين الظالمين ومهام العمل العاجلة ومواعيد التسليم النهائية، في عالم لا تعاني فيه من الأرق أو تتعرض للمرض أو تقضي ساعات في المواصلات، لكننا لسنا في عالم مثالي. وفقا لنموذج التوازن بين العمل والحياة، فإن العمل والحياة الخاصة يتألفان من عدة عوامل منفصلة لكنها قد تتداخل مع بعضها البعض أحيانا، وبالتالي التوازن السليم هو فن تنفيذ أكبر عدد ممكن من العوامل في كلا الجانبين دون التحيز لأحدهما على حساب الآخر.

  

يتضمن جانب العمل عدة عوامل منها: الإنتاجية وتقدير العمل وبيئته الاجتماعية، ويتضمن جانب الحياة الخاصة العديد من العوامل الأخرى منها: الأسرة والعائلة، والصداقات والعلاقات الاجتماعية، والهوايات والاهتمامات، والصحة البدنية، وجودة النوم، والاسترخاء والتأمل الذاتي. وأحيانا تتداخل العوامل من كلا الجانبين مثل تداخل بيئة العمل الاجتماعية مع العلاقات الشخصية والصداقات. [1] تخيل معي، كل هذه العوامل عليك أن توازن بينها وتمنح كلًّا منها حقها بالتوازي مع بقية العوامل الأخرى حتى تنعم بتوازن سليم بين العمل والحياة. إن الآلات نفسها قد لا تكون قادرة على القيام بذلك، إذ إن السبب الرئيس الذي يجعل الآلات فعالة بدرجة كبيرة تفوق البشر هو أنها لديها هدف واحد فقط واضح بشكل استثنائي يجب عليها القيام به، لا القيام بعشرات المهام في الوقت نفسه. [2]

    

   

تتعدد نقاط الخلل في نموذج التوازن، لكن أبرزها يتلخص في أنه يتجاهل الطبيعة الفوضوية للحياة التي لا يمكن السيطرة عليها، وينظر لها نظرة ساذجة باعتبارها مثالية للغاية سهلة التخطيط وكل شيء فيها يسير على إيقاع ثابت ومتوقّع. كما أنه يضع خطا فاصلا بين العمل والحياة باعتبار أن العمل ليس جزءا وثيقا من الحياة وكأن كلًّا منهما منفصل عن الآخر تماما. ناهيك بأنه يعتبر الإنسان كروبوت لا تؤثر عليه المشاعر ولديه القدرة التامة على السيطرة والفصل بين كل ما يتعرض له يوميا من تجارب ومشاعر سلبية أو مشكلات في العمل أو الحياة الشخصية. [3]

   

وهذا ما يجعل نموذج التوازن بين العمل والحياة هشا للغاية ومعرضا للانهيار إذا اختل واحد أو أكثر من عناصر العمل أو الحياة أو إذا طغى أحدها على الآخر وهو شيء وارد الحدوث بصورة كبيرة. على سبيل المثال، قد تؤثر مشكلات الحياة الشخصية تأثيرا سلبيا على الإنتاجية في العمل لعدم قدرة الإنسان في بعض الأحيان على فصل مشاعره السلبية من تفكيره عند ذهابه إلى العمل، كذلك اصطحاب بعض مهام العمل العاجلة إلى المنزل أو إدخال مشكلات العمل حيز الحياة الشخصية يؤدي بالتبعية إلى حدوث خلل في توازن جزء الحياة الخاصة، ما يبدد نموذج التوازن ككل.

  

هل التوازن هو المصطلح المناسب؟

"توقفوا عن السعي لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، لأنه ليس له وجود مثل أحادي القرن" 

(بابرا كوكوران – كاتبة ومستثمرة أميركية) [4]

   

تقودنا النقاط السابقة إلى أن مصطلح التوازن في حد ذاته مصطلح لا يمت للواقع بصلة وببساطة غير قابل للتحقيق أو القياس، مما يهدم فرضية إمكانية تحقيق التوازن بين العمل والحياة باعتباره هدفا ذكيا من الأساس وفقا لإستراتيجية الأهداف الذكية التي تشترط أن تتسم الأهداف بعدة شروط حتى يمكن تحقيقها وتؤتي ثمارها، كأن تكون واقعية، ومحددة بدقة، وقابلة للقياس والتحقيق، ومحددة بتوقيت معين. [5] تكمن العقبة الرئيسية في مصطلح التوازن في أنه يضع العمل والحياة في فئتين منفصلتين عن بعضهما، يجب تقسيم الوقت مناصفة بينهما. لكن هذا الافتراض في الحقيقة يبدو ساذجا، لأن العلاقة بين العمل والحياة ليست بهذه السطحية، فهي متداخلة ومعقدة بشكل يصعب فصله.

  

على الجانب الآخر، يرى الكثيرون أن التركيز يجب أن يكون على دمج الحياة الخاصة مع العمل لإحداث التكامل بينهما بدلا من السعي إلى تحقيق التوازن، فالتكامل كنموذج أقرب إلى الأحجية التي تتوافق جميع أجزائها -التي تتمثل في عناصر العمل والحياة الشخصية- مع بعضها البعض لحل اللغز في النهاية. يعلق جيف بيزوس مؤسس عملاق التجارة الإلكترونية "أمازون" على ذلك في حوار له قائلا: "أعتقد أن التناغم بين العمل والحياة هو إطار جيد، أنا أفضّل استخدام كلمة التناغم عن مصطلح التوازن، لأن التوازن يقتضي إدخالنا في مقايضة صارمة رغم أن الأمر لا يسير بهذه الطريقة. في الواقع إذا كنت سعيدا في العمل، ستكون أفضل في المنزل. وإذا كنت سعيدا في المنزل، ستذهب إلى العمل أكثر نشاطا وأفضل كموظف وزميل". [6]

     

  

يتفق رائد الأعمال ومضيف البرامج التلفزيونية جيفري هايزليت مع بيزوس، فهو يرى أن استخدام مصطلح التكامل بين العمل والحياة أفضل في الصياغة من مصطلح التوازن. ذلك لأن العمل يُمثّل جزءا وثيقا من الحياة ككل لا يمكن فصله عنها، بل إن جزءا كبيرا من الحياة يدور حول العمل، ما يجعل تحقيق التوازن الذي يعتمد في المقام الأول على فصل العمل عن الحياة أمرا مستحيلا. [7] في الإطار ذاته، يقول جوشوا زيركل الخبير الإنتاجي والمنظم المعتمد ورئيس المجتمع السابق في شركة إيفرنوت (Evernote): "كثير من الناس يدعون أنهم يتمتعون بتوازن مثالي بين العمل والحياة، لكنهم في الواقع قاموا بخفض مستوى أولوياتهم بشكل كبير، وبالتالي فهم يعملون على أشياء أقل بكثير. لكن المفتاح الحقيقي يكمن في قبول الواقع، ثم الخروج ببعض الإستراتيجيات لتحديد الأولويات في نمط حياتك المختلط". [8]

   

إن نموذج التناغم أو التكامل بين العمل والحياة ينظر للأمر بعدسة واقعية تدرك أن الحياة فوضوية غير قابلة للسيطرة ولا تسير على خط مستقيم، ما يتيح التعامل بمرونة أكثر مع فكرة وجود فترات أكثر ازدهارا وفترات أخرى أكثر ركودا، على عكس التوازن الذي يتعامل مع الأمر برمته بطريقة صارمة لا تتسامح مع وجود أي اختلال. تعلق جوليا وينستون، خبيرة التنمية الذاتية ومدربة تطوير القادة على الفارق بين التوازن والتكامل قائلة: "إن التوازن يعني أن قوتين متعارضتين على خلاف يسعون للحصول على اهتمامنا، لكن آخر ما يريده الناس هو تعارض عملهم مع حياتهم. على نقيض ذلك، فإن السعي من أجل التناغم يتيح للمرء قبول أن هناك أوقاتا معينة ستكون الأمور غير متوازنة ولكن التناغم لا يزال ممكنا. التناغم يعني الأخذ والعطاء والقبول". [9]

   

على سبيل المثال، في بعض الفترات يكون التناغم بين العمل والحياة الخاصة يتبع خطة مثالية، تمنح فيها العمل الوقت الخاص به وتمنح حياتك الخاصة الوقت المخصص لها بين الهوايات والاهتمامات والعائلة والأصدقاء، إلخ. في حين أن هناك فترات أخرى لا تسير الأمور كما هو مخطط لها، فأحيانا يكون العمل أكثر سيطرة على الوضع ويشغل الفئة الأكبر من الوقت نتيجة لاجتماعات العمل غير المجدولة أو المهام العاجلة أو اقتراب موعد تسليم مشروع ما وهكذا. وأحيانا أخرى تتولى الحياة الخاصة عجلة القيادة فتطغى على العمل وتتطلّب وقتا أكثر نظرا لظروف طارئة أو حالة مرضية أو استقبال مولود جديد، إلخ.

   

رغم أن فكرة التوازن بين العمل والحياة مغرية للغاية، فإنها غير قابلة للتنفيذ في حياتنا اليومية المليئة بالتحولات والمنعطفات غير المتوقعة سواء كانت جيدة أو سيئة

مواقع التواصل
    
كيف تحقق التكامل بين العمل والحياة؟

"لن تشعر أبدا بالرضا الحقيقي عن العمل حتى تشعر بالرضا عن الحياة"

(هيذر شوك - كاتبة ورائدة أعمال)

  

رغم أن فكرة التوازن بين العمل والحياة مغرية للغاية، فإنها غير قابلة للتنفيذ في حياتنا اليومية المليئة بالتحولات والمنعطفات غير المتوقعة سواء كانت جيدة أو سيئة. لذلك بدلا من الشعور بالذنب لعدم القدرة على خلق هذا التوازن الخيالي، لا بد من القيام بالأشياء التي تجعلنا نشعر بأننا متوازنون وأكثر إنتاجية في العمل والحياة الخاصة، وهنا يكمن الحل في إدارة الوقت وتحديد الأولويات. تقول داون فيرغسون الخبيرة الإستراتيجية في حلول الأعمال قائلة: "رغم أن فكرة التوازن بين العمل والحياة كعبارة قد تختلف وفقا لكل فرد، فإن الموضوع لا يتعلق بالتوازن قدر ما يتعلق بتحديد الأولويات. فبدلا من السعي لتحقيق التوازن، يجب على كل شخص أن يقيس أولويات العمل والحياة الأكثر بروزا، ويقسم الوقت بشكل مناسب على قدر احتياج تلك الأولويات، هذا أكثر واقعية بكل تأكيد".

  

في الإطار ذاته، تقول أريانا هافينغتون سيدة الأعمال ومؤسسة موقع "هافينغتون بوست" في رسالة لها موجهة إلى الرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك: "جميعنا لدينا طاقة محدودة، على هذا النحو، يجب علينا تخصيص الوقت بحكمة، وهذا يتوقف على الأولويات والظروف. خلال ذلك، سيتم إهمال بعض الأشياء الأقل أهمية عندما تتطلب الأمور الأكثر أهمية اهتمامنا، وسوف يتغير ما نضعه في مقدمة أولوياتنا باستمرار لا محالة".

   

إحدى أبرز وأفضل طرق تحقيق التكامل وإدارة الأولويات هي مصفوفة أيزنهاور لإدارة المهام. تُعرف مصفوفة أيزنهاور بمصفوفة الأولويات أو المصفوفة العاجلة، حيث تستخدم بشكل أساسي في إدارة المهام وتحديد أولوياتها عن طريق تصنيف المهام وفقا لمدى الإلحاح والأهمية. تعتمد المصفوفة على تقسيم المهام إلى 4 أنواع رئيسية، أولها مهام مهمة وعاجلة، ثانيها مهام مهمة لكنها غير عاجلة، وثالثها مهام غير مهمة لكن عاجلة، ورابعها مهام غير مهمة وغير عاجلة. [10] يتم تطبيق هذه الطريقة عن طريق رسم أربعة مربعات هي:

      

  

مربع الأزمات: يضم هذا المربع المهام المهمة والعاجلة التي لها الأولوية المطلقة في التنفيذ ويجب إنجازها في اليوم نفسه قبل أي مهام أخرى. غالبا ما يتضمن هذا المربع مهام العمل العاجلة، أو المشاريع التي اقترب موعد تسليمها وما إلى ذلك.

مربع المستقبل: يضم هذا المربع المهام المهمة الأقل إلحاحا التي يتم التخطيط لإنجازها في المستقبل القريب. غالبا ما يتضمن هذا المربع المهام المستقبلية مثل: التخطيط لمشروعك الناشئ، أو تعلّم مهارة جديدة، أو الذهاب إلى الصالة الرياضية.

* مربع الخداع: يضم هذا المربع المهام غير المهمة العاجلة، التي يمكن إحالتها إلى شخص آخر لعدم أهميتها بالنسبة لك. غالبا ما يتضمن هذا المربع المهام التي يتم تفويضك للقيام بها كالخدمات التي يطلبها منك بعض الأصدقاء أو زملاء العمل.

* مربع الضياع: يضم هذا المربع المهام غير المهمة وغير العاجلة، وأهميته الرئيسية هي فرز الأشياء التي يجب عدم القيام بها مجددا. غالبا ما يتضمن هذا المربع العادات السيئة التي يجب إيقافها مثل: تصفح الإنترنت دون سبب أو إدمان ألعاب الفيديو أو مشاهدة التلفاز لفترة طويلة.

    

  

أخيرا، رغم انتشار نموذج التوازن بين العمل والحياة مثل النار في الهشيم خاصة بين فئات روّاد الأعمال، فإنه نموذج غير صحي، لأنه عمليا من الصعب تطبيقه، مما يؤدي إلى الإحباط وقلة تقدير الذات والشعور بانعدام القيمة والكثير من المشاعر السلبية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة. [11] لذلك يعتبر التكامل بين العمل والحياة الخاصة وفقا للأولويات هو البديل الصحي الأكثر واقعية، نظرا لما يتمتع به من تأثيرات إيجابية بعيدة المدى على الحالة النفسية والإنتاجية والأداء في الحياة الخاصة والعمل.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار