انضم إلينا
اغلاق
تناول الغداء نفسه كل يوم لبقية حياتك قد لا يكون فكرة سيئة!

تناول الغداء نفسه كل يوم لبقية حياتك قد لا يكون فكرة سيئة!

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

في كل يوم تقريبا لمدة ٢٥ سنة، كان فيرن لوميس، وهو رسام خرائط هندسية متقاعد من ولاية ميشيغان، يتناول وجبة الغداء نفسها في المكتب: شطيرة من زبدة الفول السوداني، مع الفواكه والخضراوات والحلوى. مع مرور الوقت، لم يضف سوى تعديلات طفيفة على وجباته -بعض المربّى وفقط في السنوات الخمس الأخيرة أو نحو ذلك من عمله- لكن أساس تلك الوجبة ظل كما هو. كانت الوجبة سهلة التحضير وقليلة الكلفة ولذيذة. يقول لوميس: "إذا كنت أحد الأشخاص الذين يتناولون الغداء على سطح مكتبك.. يجب أن تكون الوجبة شيئا لا يقطّر ويرشح". في العام الماضي، تقاعد لوميس من وظيفته ولكن ليس من غدائه، فهو لا يزال يأكل هذه الوجبة ثلاث أو أربع مرّات في الأسبوع (الآن مع شرائح الموز بدلا من المربّى). يقول: "لم أتوقف أبدا عن الاستمتاع به، بل لا أزال أستلذ به".

    

في حب الروتين!

قد يكون ولاء لوميس لطقوس وجبة غدائه أمرا غير مألوف، لكنّ الكثيرين يشاركون حبّه للروتين. قدّرت إحدى الدراسات الاستقصائية حول عادات الأكل لدى الناس أن نحو ١٧% من البريطانيين كانوا قد تناولوا وجبة الغداء نفسها كل يوم لمدة عامين على الأقل، وأشارت أخرى إلى أن ثُلث البريطانيين يأكلون وجبة الغداء نفسها يوميا. في حين أنه من الصعب أن نقول على وجه اليقين كم هذه العادة هي شائعة بالفعل، لأن هذه الدراسات يجريها عادة مصنّعو المواد الغذائية الذين يميلون إلى المبالغة في تقدير مثل هذه الظواهر لأسباب تجارية، فإنه من المؤكد أنه هناك العديد من الأشخاص الذين يلتزمون بوجبة واحدة لشهور أو سنوات.

          

  

البعض من هؤلاء الأشخاص هم من الشخصيات العامة الذين أقرّوا برتابة وجباتهم الغذائية خلال المقابلات، بمن فيهم مدربون لكرة القدم، ورؤساء تنفيذيون لأندية اللياقة البدنية، وشخصيات تلفزيونية، ومصممون أزياء، وشخصيات إعلامية، وحتى فلاسفة. اعتمادا على السياق، يمكن أن يُنظر إلى تناول الشيء نفسه كل يوم كعادة غريبة، أو كدليل على قلّة إبداع شخص ما، أو كعلامة على المهنية العالية وحس القيادة!

     

مهما كان المعنى الرمزي لهذه الممارسة، فإن سلوك هؤلاء الأشخاص لا يُسبّب أي ضرر لهم، بل العكس. تقول ماريون نستله، أستاذة الدراسات الغذائية والتغذوية بجامعة نيويورك ومؤلفة العديد من الكتب حول التغذية وصناعة الغذاء، إن عواقب تناول الغداء نفسه كل يوم تعتمد على محتويات هذا الغداء والوجبات الأخرى التي يتم تناولها خلال اليوم. تقول: "إذا كانت وجبة غدائك اليومية تحتوي على مجموعة متنوعة من الأطعمة الصحية، فلا تقلق واستمتع به". إذن ليس هناك أي شيء مضر أو محرج في هذه الممارسة. في الواقع، هناك العديد من المزايا الجيّدة في اتباع مثل هذه العادة. لقد تحدثنا مع مجموعة من الأشخاص الذين يأكلون وجبة الغداء نفسها كل يوم، وما قالوه يُشكّل دفاعا مقنعا عن هذه الممارسة التي غالبا ما يتم الاستهزاء بها على أنها مملة وغير ملهمة.

   

أكّد العديد من الأشخاص الذين تحدثنا إليهم فوائد هذه الممارسة في تخفيف التوتر مثلا. كانت أماندا راسبيرز، وهي مطورة برمجيات تبلغ من العمر ٣١ عاما تعمل في ولاية فرجينيا، تتناول يوميا لمدة عام تقريبا في مكان عملها السلطة نفسها التي تحضّرها سابقا في المنزل (الخس، مع أحد مصادر البروتين مثل اللحم أو السمك، وصلصة السلطة). أحبّت أماندا بساطة تلك الوجبة، لكن الممارسة هذه انتهت عندما انتقلت للعيش مع زوجها قبل ست سنوات. كان يحب التنوع في الطعام ولم يستسغ مثل هذا الزهد. هل كانت ستظل تأكل تلك السلطة كل يوم لو لم تقابله؟ تقول: "نعم طبعا!"، "كان ذلك سيوفر الكثير من الوقت".

     

  

بدورها، وجدت شارلين نيدهارت، وهي محررة صور من مدينة نيويورك، الكثير من الراحة في التكرار والروتين. قبل نحو عقد من الزمان، قامت شارلين بتغيير وظيفتها، وعانت الكثير من الضغط في وظيفتها الجديدة. تتذكر قائلة: "كانت الهواتف ترن باستمرار وكان هناك أشخاص يصرخون طوال الوقت". تقول إن الشيء الوحيد الذي ساعد على تهدئتها وأعطاها قدرا من التحكم في حياتها اليومية هو: "أنني اكتشفت طبقا حارا من معكرونة النودلز يسمى التانتانمن من مطعم الرامن نفسه كل يوم في وقت الغداء". اتبعت ذلك الروتين لمدة "ستة أشهر على الأقل"، وبعد ذلك تعبت من الوجبة (وتكلفتها)، كما أنها استقرت أخيرا في وظيفتها الجديدة.

   

بساطة القرارات

يمكن أن يؤدي تناول الشيء نفسه مرارا وتكرارا إلى تبسيط القرارات التي يتخذها الأشخاص بشأن ما يضعونه في أجسادهم. تعمل كوري لي (٢٨ عاما) في لوس أنجلوس في تجارة التجزئة، وهي تعاني من بعض الحساسيات الغذائية. تقول إن تناول وجبة الغداء ذاتها دون تغيير "يجعل من السهل" تفادي استثارة مثل تلك الحساسيات. كانت في وظيفتها السابقة تجلب معها وجبة من الشوفان كل يوم لمدة ستة أشهر، واليوم فهي تقوم بتناول وجبة غداء يومية تتكون من شطيرة ديك رومي مع الحمّص والأفوكادو والجرجير والجبن على قطع من الخبز الخالي من الجلوتين.

   

ولكن عادات الأكل لدى كوري ليست مجرد نتيجة لحساسياتها، بل تقول إنها تحب أن تتناول الشيء ذاته كل يوم لأن ذلك يجعل من مهمة التسوق للبقالة عملية أكثر بساطة، ويناسب جدولها الفوضوي في بعض الأحيان، ويجعلها أقل احتمالا أن تقوم بتبذير المال في "المتجر الذي يبيع السلطة بـ ١٢ دولارا" بالقرب من مكتبها. علاوة على ذلك، فهي تحب الأطعمة التي تجلبها معها حقا. وتقول: "أنا لا آكل شطيرة مملة كل يوم"، "بل أحاول أن أجعل المذاق جيدا وممتعا."

     

  

أما كلوي كوتا، وهي مهندسة كمبيوتر تعمل في مدينة نيويورك، فهي لا تتبع نظاما صارما لوجبة الغداء كما هو الحال لدى الآخرين المذكورين أعلاه، لكنها تقول إنها دائما ما تختار سلطة عندما تكون متاحة في الوجبات التي تجلبها شركتها إلى المكتب. تقول إن هذا الاختيار الروتيني يقلل من "الإجهاد المعرفي"، أي إنها لا تريد تبديد طاقتها العقلية على شيء لا يمثل أولوية قصوى بالنسبة لها.

   

تقول: "إن تنوع الغداء لا يهمني حقا.. سأكون سعيدة تماما بتناول سلطة سيزر أو شطيرة زبدة الفول السوداني نفسها يوميا". وعلى المبدأ ذاته، ابتكرت كلوي "زي عمل" قياسيا موّحدا (يتألّف من واحد من أزواجها العديدة من سراويل الجينز سوداء اللون، بالإضافة إلى قميص)، مما يساعد على تبسيط روتينها الصباحي. وتقول إن الإلهام أتاها من قادة التكنولوجيا مثل ستيف جوبز ومارك زوكربيرج اللذين قاما بـ"أتمتة" قرارات اللباس اليومي الخاصة بهم في سبيل خفض "الإجهاد المعرفي" المشار إليه آنفا.

   

وتقول كلوي إن وجبات السلطة هي أيضا فرصة لها لممارسة "الأكل المتعقّل"، وهو شيء بدأت تمارسه كجزء من محاولاتها للتغلّب على اضطراب غذائي عانت منه في مرحلة الدراسة الثانوية، حيث إن معرفة أن الأطعمة المتاحة لها في تلك اللحظة هي أطعمة تعرف أنها تحبها، وهذا يساعدها على "تجنّب النزعات السلبية في ذهني حيث قد أعود إلى تلك السلوكيات المضطربة"، كما تقول.

   

  

بالنسبة لبعض الأشخاص، فإن التكرار المفيد في تحضير الطعام اليومي يأتي من وجبات يعدّونها لأشخاص آخرين وليس لهم. مثلا، تقوم أمبريا ميدوز - فرنانديز، وهي كاتبة تبلغ من العمر ٢٦ عاما من شايان، ولاية وايومنغ، تقوم بطهي الوجبة نفسها -"لحم وأرز"، مع بعض الخضراوات أحيانا- لطفلها ذي الأعوام الثلاثة، وذلك في معظم أيّام الأسبوع. تقول: "هذا الروتين جعل الأمر بسيطا بطريقة قلّلت كثيرا من الضغط بما يتعلّق بماذا أقوم بإطعامه". يحصل الطفل عادة على شطيرة زبدة الفول السوداني على وجبة الغداء، ولا يبدو أنه يمانع قلة التنوع.

 

بالطبع، فإن معظم الناس حول العالم الذين يتناولون الشيء نفسه كل يوم لا يفعلون ذلك طواعية. يقول بول فريدمان، المؤرخ في جامعة ييل ومؤلف كتاب "عشرة مطاعم غيرت أميركا": "في رأيي، فإن معظم الناس في معظم الأوقات ليس لديهم خيار كبير فيما يتعلّق بوجباتهم الغذائية الأساسية… إذا كانوا يعيشون في ثقافة طبخ تعتمد على الأرز، فسيحصلون على الأرز في كل وجبة، والأمر نفسه بالنسبة للبطاطس". كما أن الدهون المستخدمة في الطبخ، مثل الزبدة أو السمن، هي أيضا من العناصر التي لا تتغير.

  

التكرار.. سمة التجربة الإنسانية

يقول فريدمان إن التغيير في المذاق عادة ما يأتي من "التتبيلات" (relishes)، وهو مصطلح يستعمله علم الأنثروبولوجيا الغذائية للدلالة على المكونات المضافة التي تعدّل النكهات مثل التوابل والخضراوات والكميات الصغيرة من اللحوم (مثل اللحم المقدد). يضيف فريدمان في رسالة بريد إلكتروني: "هذه المجموعة الأساسية من الدهون زائد التتبيلات هي أساس وجبات الطعام في ثقافات الفلاحين التقليدية".

     

  

وردّا على سؤال حول التنوع الغذائي، يقول كريشنيندو راي، وهو باحث في الدراسات الغذائية في جامعة نيويورك: "إن التجديد أو التغيير عن الطعام المعتاد هو عادة مدينية للغاية، ظهرت في عصر ما بعد الحداثة. إنه أمر مُحدَث وذو طابع طبقي". لذا، إذا ما أخذنا في الاعتبار مجمل التجربة الإنسانية عبر التاريخ، فإن الباحثين عن التنوع -وليس الأشخاص الذين يتناولون وجبة الغداء نفسها كل يوم- هم من يُمثّلون الشذوذ عن القاعدة.

   

يجب أن أكشف هنا أن اهتمامي بهذا الموضوع ليس أكاديميا بحتا. فأنا تقريبا في كل يوم على مدار السنوات الخمس الماضية، عند الساعة الواحدة ظهرا تقريبا، أقوم بتحضير وجبة الغداء ذاتها تقريبا: شطائر التاكو من الفول والجبن (مغطاة بالسلطة والملح والفلفل والصلصة الساخنة)، مع الجزر الصغير، والتيمبي، وبعض الفواكه إلى جانب الوجبة. أقوم أحيانا بتنويع أنواع الفاصوليا والجبن، وكذلك الفاكهة، ولكن اعتمادا على الموسم. يتحدّث الأشخاص الذين قمت بمقابلتهم عن كيف أن زملاءهم في العمل يتندرون عليهم وعلى وجباتهم الرتيبة، مثل: "كيف كان مذاق شطيرة هذا اليوم يا فيرن؟ هل استخدمت خبزا مقرمشا أو عاديا؟"، ويقول زملاء كوري مازحين أشياء مثل: "أوه، ها هي كوري تأتي مع شوفانها كالمعتاد".

   

في البداية، اعتقد كوري لي أن هذه التعليقات كانت كلمات عابرة في مكان العمل. ولكن قد يكون لها أبعاد أخرى، حيث إن تناول الشيء نفسه كل يوم يكشف عن شيء أعمق حول هوية الأشخاص. تقول أماندا راسبيرز، صاحبة وجبة السلطة كل يوم: "نحن عندما نتناول الغداء في العمل، نجلب شيئا ما معنا من شخصيتنا في البيت"، فيما أن هويات الأشخاص خارج مكان العمل هي بطبيعة الحال موضوع اهتمام وفضول. ماذا يعني تناول الشيء نفسه كل يوم إذن؟ تجيب: "لا تؤاخذني، ولكن ذلك يعطي الانطباع بأنك شخص ممل قليلا".

     

  

أماندا على الأغلب هي على حق، رغم أنني قد أستخلص نتيجة مختلفة قليلا عنها. تتميز الطقوس اليومية للحياة المكتبية بكونها رتيبة ومتكرّرة، وتغيير وجبة الغداء كل يوم قد يكون محاولة متفائلة لمحاربة هذا التكرار. إنني أقدر بصدق تفاؤل تلك المحاولات، ولكن في رأيي، فإن تناول الشيء نفسه على وجبة الغداء كل يوم يُمثّل اعترافا بحقيقة رتابة الحياة المكتبية. وهو أيضا إقرار صريح بأن الحياة تحتوي على قدر من الكدح والملل فيها، لذا اقبل ذلك وابحث عن المتعة في أي مكان آخر عوضا عن محاولة جلب القليل من التنويع في علب الطعام البلاستيكية التي تأخذها معك في رحلتك إلى المكتب.

   

قد أكون قد فكّرت أكثر من اللزوم في هذا الموضوع. في النهاية، أنا أميل إلى الاتفاق مع تحليل فيرن لوميس حول ما قد يدفع زملاءه إلى السخرية من شطيرة زبدة الفول السوداني التي يجلبها كل يوم: "ربما [يفعلون ذلك] مزاحا، أو ربما لأنهم يشعرون بالذنب كونهم لا يأكلون طعاما صحيا -إنهم يأكلون برغرا مليئا بالدهون أو شيئا من ذلك- أو قد يخرجون وينفقون ١٥ دولارا لتناول طعام الغداء عندما يكلفني ٨٠ سنتا فقط". يختتم قائلا: "أعتقد أنهم فقط يغارون… أعتقد أنها الغيرة".

--------------------------------------------------------------------

ترجمة: كريم طرابلسي.

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار