انضم إلينا
اغلاق
قوية ومستقلة وعميقة.. هل يكره الرجل هذه المرأة؟

قوية ومستقلة وعميقة.. هل يكره الرجل هذه المرأة؟

  • ض
  • ض

"عزيزتي المرأة؛ لا تُسيئي فهمي، ليجد الرجل مكانه في حياتك فهذا يتطلب منه ثلاثة أمور: الحماية (من أي شيء)، توفير احتياجاتك، والاعتراف بك كشريكة أمام الجميع. فإن كنتِ مُستقلة، قوية، تؤمّنين كل احتياجاتك، فهذا يجعل الرجل يُفكر: أين سيكون مكاني، وهل من حاجة -أساسا- إلى وجودي؟ ولا تسيئي فهمي أرجوكِ -للمرة الثانية-، فأنا لا أقول بأننا نُمانع أو نكره استقلاليتك، تستطيعين أن تملكي عملك الخاص، بيتك الخاص، وأموالك الخاصة. ولكن إن لم يكن للرجل مساحة بين كل هذا ليُشعرك برجولته، فكيف سيقترب منك؟ امنحيه بعض المساحة ليشعر بأنه رجل يتقرب من أنثى تحتاج إلى وجوده. الـ "DNA" للرجل لا يستوعب عكس هذه المعادلة، فنحن نُقدر من يُعاملنا على أننا رجال، ونُقدر بأن تكون أنثانا بحاجة إلينا". كانت هذه جزئية بسيطة من فصل كامل بعنوان "قوية، مُستقلة، ووحيدة" في كتاب للكاتب الأمريكي ستيف هارفي، "تصرفي كسيدة وفكري كرجل".

 

هذا الكتاب لاقى رواجا منقطع النظير، وتحول إلى فيلم سينمائي، واستضافت البرامج الشهيرة الكاتب للاستفادة من نصائحه، وهرعت لمهاتفته ومراسلته السيدات "الناجحات" العازبات، حتى يُساعدهن في إيجاد الرجل المناسب. في حلقة من برنامج أوبرا وينفري، تستضيف أوبرا الكاتب، وتظهر على الشاشة أمامهم مكالمة فيديو لمجموعة من السيدات "المستقلات" اللواتي يسألن باستياء واضح: نحن سيدات جميلات، ناجحات، ومستقلات، ومع كل هذا لا نجد رجلا مناسبا! فأخبرنا أين نجده؟ فكانت إجابته واضحة ككتابه: "الرجال لا يُمانعون نجاحكن، ولا استقلاليتكن. والرجال حولكن من كل مكان، ويرجع سبب عدم إيجادكن لواحد هو أن الواحدة منكن لا تجد مكانا له أساسا! فلا تراه، وعلى هذا الأساس لا يجد الرجل مكانا له، فلا يقترب!". (1)

  

    

وهذا يجعلنا نتخيل امرأة جميلة ناجحة، ببذلة رسمية أنيقة، وبنظارات بإطار أسود، مع ملامح جادة تفتقر للابتسام -ربما- ويخشاها من حولها، تماما كما جاءت ساندرا بولوك في فيلم "عرض الزواج" (The Proposal) الرئيسة الناجحة، "الوحش" الذي لا يستلطفه أحد، صاحبة الخطوات الثابتة والظهر المستقيم. ولمشاكل في إقامتها ولضرورة ترحيلها لكندا؛ تُجبر مُساعدها على التظاهر بالزواج منها، حتى لا يتم ترحيلها. يكرهها مُساعدها، ولا يرى بها أي شيء يجذبه، ويُحاول ألا يكون بقربها مهما كانت المناسبة. ولكن التظاهر بأنه خطيبها منحه فرصة للتلصص المسموح على شخصية الرئيسة عن قُرب، ليجد أن خلف كل هذه الصلابة هُناك أنثى تلبس ثيابا بسيطة، وتترك شعرها لعبثية الهواء، تضحك، وتحتاج إلى الكثير من المساعدة، فيُحبها! ولكن بعيدا عن الكتب الشهيرة، والبرامج المهمة، والأفلام السينمائية التي أحبها شباك التذاكر، وبالنظر عن قرب للمحددات التي يستند إليها الرجل في تصوراته، نسأل السؤال التالي: هل هو حقيقي أن الرجل لا يقترب من المرأة المُستقلة، الناجحة، أو العميقة فكريا؟

   

  

أخبرني عن والدتك!

"الثقافة والمجتمع هما بذرة تتجذر فيها كراهية الطفل"

(آدم جوكيس، لماذا يكره الرجال النساء)

    

آدم جوكيس، كاتب كتاب "لماذا يكره الرجال النساء" ومعالج لأكثر من 40 عاما، تخصص لنصف هذا الوقت في علاج الرجال الذين أساؤوا معاملة النساء. يشترك في اعتقاد شائع بأن صدمة الطفولة والعلاقة بين الصبي وشخصية الأم هي التي تقود مسار علم نفس الذكور تجاه النساء، ويقول بأن مشاعر الرجل تجاه المرأة هي مادة مظلمة، فيميل بعض الرجال لمعاملة المرأة على أنها شخصية ثنائية الأبعاد في عوالم الرجال ثلاثية الأبعاد. فيبدو من المنطقي أن عبارة "أخبرني عن والدتك" هي اختصار للمشهد المتراكم للتحليل النفسي، حيثُ تعتبر الأم مقدم الرعاية الرئيسي، فالنظرية الفرويدية في شكلها الأساسي هي أن الصبيان يتطور لديهم الشعور بالذات، ويتعين عليهم الانفصال عن أمهاتهم عندما يدركون أنهم ليسوا مثلهم ولا يمكنهم -وفق المصطلحات الفرويدية- امتلاكهم. (2)

     

يتعرف الصبيان حينها على الأب، وهنا يتعلمون ما يعنيه أن تكون ذكوريا، فتشمل كليشيهات الذكورة أن تكون قويا، بلا خوف، ومنافسا -قبل كل شيء-، ولا تُشبه الأم. في هذه المرحلة، "يتم تحديد جزء من الأنا الذكورية"، كما يقول جوكيس. ويُعلق الكاتب والمحرر في الغارديان جورج شيستيرون على وجهة نظر جوكيس فيقول إنه قد تم انتقاد نظريات فرويد من قِبل النسويين، ومع ذلك، بعد 100 عام، حتى منتقدوه يعترفون بدور اللا شعور والطبيعة الإشكالية لعلاقات الأولاد بأمهاتهم. ويرى بأن الصبي يشعر أن الاعتماد على المرأة أمر خطير، الأمر الذي يولّد ويرسخ لديه الشعور بالضعف، وهو ما يدفعه في بعض الأحيان نحو السادية، حيث يتم قمع هذا القلق والتعبير عنه عبر اللا وعي ككره للنساء. (3)

 

الأمر ليس حديًّا هنا، أو جبريًّا، لا قدرة للفرد معه على الخروج من عباءته، لكن، لا يمكن لنا أن نلغي تجارب الماضي وترسّباتها التي تعمل على تشكيل الذوق والفكر العام لدى الفرد، الأمر الذي يتطلب وعيا وجهدا ومثابرة لغربلة تلك الأفكار وتجاوزها أو التفكير فيها بعمق على الأقل.

       

كتاب "لماذا يكره الرجال النساء" (مواقع التواصل)

      

هَرَم النفور للشاب العربي

"تعلم حكمة التنازل قليلا، لأن الانحناء أفضل من الانكسار"

(جان ويلز)

    

لتبسيط كل هذا، يقول الدكتور والمستشار الأسري خليل الزيود في حوار مع "ميدان" إن التنشئة العائلية وما يراه الشاب من سلوكيات داخل أسوار عائلته والتي من شأنها أن تُنشئ عُقدة يُسميها بـ "متلازمة الأنا" تكون الخلفية التي ترسم مشهد الشاب القوي الذي لا يُمكن أن تنافسه امرأة. حيث تعوّد الرجل على أن يجلس في كرسي السيارة الأمامي، بينما أخته تجلس في الخلف، الأمر الذي يؤدي إلى انتقال هذه الخصلة معه حتى بعد الارتباط، فهو من يدفع في المطعم لا زوجته، هو من يتحدث مع البائع لا زوجته. إلى جانب أنه يُحب أن يتم تعظيمه وتعزيز كل أفعاله التي تكون "طبيعية"، مثل: يكفي أنني تزوجتك، يكفي أنني أسكنتك منزلا لائقا، والكثير من التقديم الطبيعي الذي يُقدمه أي رجل لزوجته، ولكنه يحب أن يتم تعظيمه حتى دون أي داعٍ، وامرأة يراها قوية ومنافسة لن تُقدم له هذا التعظيم!

        

الدكتور والمستشار الأسري خليل الزيود (مواقع التواصل)

      

يكمل الزيود لـ "ميدان" إجابة عن السؤال الذي يحمل بين طياته استفسارا عن الأسباب التي تدفع الشاب العربي لتجنب المرأة المستقلة، العميقة فكريا، والقوية، فيقول: هو هرم، زواياه الثلاث: التنشئة العائلية، ضغط المجتمع (الواقع)، والأنثى نفسها. وكما تم التوضيح سابقا عن التنشئة العائلية، يستفيض الزيود بشرح الضغط المجتمعي الذي يخضع له الشاب ويؤثر على بنيته كشَرقي، فيقول: من ناحية ضغط الواقع، فإن الشاب يرتكز على مجموعة من الخرافات الشعبية التي يتم تداولها وتصديقها وتوارثها أيضا، والتي رآها في بيته، كالأمثال الشعبية مثل: شاوروهم وخالفوهم، والكثير من الأمثال التي يغلّفها تقليل من شأن المرأة ويتم تداولها وتصديقها والعمل بها. كما يضيف أن الشاب الشرقي يمتلك قدرة على تأويل النصوص الشرعية (القرآنية والنبوية) وتوظيفها في السياقات "الذكورية"، فيُفسر بعض الأحكام تفسيرا خاطئا كالقوامة على سبيل المثال، التي تعني القدرة على الإنفاق، ولكن بعض الشباب يُفسرها بما يوظف ذكورته، و"اضربوهن" أيضا التي تعزز عند الشاب ضرورة أن يفرض سلطته على من هي أضعف منه. وفي المساحة نفسها يقول:

 

"يأخذ بعض الشباب من الدين ما يُناسبهم، فإن قلت له إن السيدة خديجة هي من طلبت الزواج من الرسول وكانت أكبر منه، يُجيبك الشاب: إنه الرسول! وهذا خُصص له. أما لو أحب -الشاب- أن يتزوج بقاصرة، فيقول لك: قام الرسول بهذا. فهو يخصص الرسول بما يحلو له، ويأخذ منه ما يناسبه فقط!"

 

بالنسبة للزاوية الأخيرة في مثلث الأسباب، فهو يرى أن بعض النساء يملكن ازدواجية في التعامل مع الرجل، وهذا يجعل من الأنثى -نفسها- سببا للنفور من الإناث المستقلات والعميقات فكريا. كأن تعلم أن من تقدم لخطبتها لا يحبذ القوية، المستقلة، فتميل للخضوع في فترة الخطوبة حتى لا تخسره، فلا يخلو لسانها من: كما تُريد، لا مشكلة لدي. وتعيش بشخصيتين، شخصية تخشى خسارة زوج المستقبل، وشخصية قوية ثانية تنكشف بعد الزواج، وهذا سبب كافٍ يدفع الزوج للابتعاد عن زوجة قوية كانت خطيبة خاضعة.

    

     

في نهاية الحوار مع "ميدان"، يُؤكد الدكتور خليل الزيود ضرورة تحلي المرأة بكل ما يجعلها مُستقلة، وألا تتنازل عن تعليمها ووظيفتها، ويُوضح أن استقلال المرأة يُشتق من استقرارها المادي، ويشجع المرأة على كتابة كل ما يضمن استقلالها في عقد الزواج، وألا ترتبط إلا بمن يقبل بشخصيتها، كانت قوية مُستقلة أم ضعيفة، ولكن عليها ألا تعيش ازدواجية لكسب العلاقة، لأن هذه الازدواجية كالسراب، كلما اقتربت منه فُضحت حقيقته. ويقول إن هُناك مُستقلات "تافهات" دون وعي، جعلوا من مفهوم الاستقلالية والقوة شيئا منفرا ويدعو للسخرية، ويرى أن الـ "Strong Independent Woman" أمر جميل، وطبيعي، ولا يدعو للسخرية إن كان بالمفهوم السليم.

   

زوجات وينزبيرج

في ألمانيا، وداخل أسوار قلعة وينزبيرج، التي تضم ثروات من الذهب والفضة، يجيء على هذه القلعة يوم من عام 1141 يُهدد أسوارها بكل ما تحويه. يحاصرها جيش العدو من كل جانب، ليستولي على كل ما بها من ثروات ويقتل جميع الرجال بداخلها، فلم يعد من خيار أمام النساء سوى الاستسلام. يضع قائد جيش الغزاة بعض الشروط ليسمح بإخلاء سبيل النساء والأطفال، ولكن زوجات قلعة وينزبيرج رفضن المغادرة إلا بتلبية شرط واحد لهن، ألا وهو أن يُسمح لهن بملء أذرعهن بكل ما يستطعن حمله من ممتلكات والخروج بأمان. علم الغزاة أن النساء لن يتمكنّ من حمل شيء سوى النزر اليسير من الثروات الهائلة، فتمت الموافقة على طلبهن. وما إن فُتحت أبواب القلعة، حتى خرجت كل زوجة لا تحمل بين ذراعيها سوى زوجها.(4)

   

الاختيار بين المال والثروات، الذهب والفضة، لم يكن خيارهن المفضل، ليكون الخيار الأثمن هو الزوج المُصاب. إن ما فعلنه كان قوة، وفي الوقت نفسه أُتيحت لهن الفرصة لأن يجمعن ما يجعلهن مستقلات ماديا للبدء بأي سطر جديد، فأين الإشكالية التي تقف حاجزا هذه الأيام بين قبول الرجل لتلك القوية، المستقلة ماديا؟ لاكلن براون، الحاصل على شهادات عليا في دراسة علم النفس، ومؤسس "Hack Spirit" يقول: الذكاء المفرط والعُمق الذي تبحث عنه المرأة في الرجل يتحاشاه هو نفسه عند البحث عن المرأة لعدة أسباب، منها: (5)

  


  

* المرأة العميقة تسأل دائما أسئلة عميقة: إن هذه النوعية من الأسئلة مثل: ما هدفك الأسمى في هذه الحياة؟ ما نوع السعادة التي تبحث عنها؟ يشعر الرجل دائما أن النقاش بالأمور العميقة -على الدوام- تجعله موضع اختبار دائم لا نهاية له، ولا يشعر بالأمان، وبأنه مهدد إن لم تكن إجابته مطابقة لتلك التي في عقل الذكية العميقة، والتي تأخذ إجابته وتحللها بكل ما أوتيت من قوة، سترحل وستبحث عن الذي يجيب إجابات أفضل.


* مباشرة، وواضحة، وصادقة: المرأة العميقة والمستقلة تُقدر وقتها، فتأخيرك لمدة 10 دقائق كفيل بإعادة النظر في حساباتها وجلبك على الطاولة للمناقشة! فهي لا تملك بحبوحة الوقت لإضاعته، أو اللعب به، فطبيعتها المباشرة هذه تُثير غضب الرجال أحيانا وتستفزهم.

   

 

* تعتمد على شعورها الغريزي: هذه المرأة تعرف ما تُريده، حتى لو لم تُظهر لها ما تبحث عنه، فهي تعتمد على شعورها الغريزي الذي يُخبرها فيما لو اجتزت "اختباراتها الغريزية" أم لا، وهو أمر مُرهق للرجل.

  

*تُريد أن تراك للدرجة التي تُصبح بها شفافا: هناك نوعية من النساء يبحثن عن كل شيء في الرجل ليفهمنه كله، نقاط قوته وضعفه وأهدافه، حتى تتمكن بينها وبين عقلها من قراءة كل تصرفاته وسلوكياته بطريقة قريبة جدا من الحقيقة. هذا يجعل الرجل غير مرتاح، لأنه يشعر أن عليه أن يكشف نفسه تماما وإلا سيُرفض.

     

* لا تنتظر: هذه المرأة لا تنتظر رجلا مترددا، يأخذ وقته، لذا إن كنت لا تستطيع الالتزام فهي لا تنتظر، ولا تأسف، وتُسافر وحيدة على متن طائرة الحياة. وعلى الرغم من أنها تبحث عن نوع خالص من الحب، فإنها لن تنتظرك طويلا حتى تُناسب معاييرها. وهذا يجعل الرجل متوترا ويُشعره أن عليه الاستعجال في أمر ما لا يعرف ماهيته.

 

يبقى الفيصل هُنا متمثلا في الكيفية التي نفهم بها معنى أن تكون المرأة قوية ومستقلة وعميقة فكريا، فكما تفضل الدكتور خليل الزيود أن بعض النساء أسأن استخدام بعض التعريفات، ونسبن أنفسهن ليتشاركن بمرتبة لا تليق بهن، وعلى هذا المنوال يُسيئ الرجل نسب المرأة التافهة الفارغة، واعتبارها قوية ومُستقلة لقولها بأنها كذلك! لا مشكلة في المرأة المستقلة ماديا وفكريا، فلديها من القوة ما يكفيها لتحلم وتخطط، وليس بالضرورة أن تستغني عن الرجل ومكانه في حياتها، فكل ما يتعارض مع مصلحة العلاقة، والبيت، والعائلة يجب أن لا يُتهاون به أو المراهنة عليه مع المصلحة الشخصية، فالعائلة (وأساساتها) تتقدم على المصلحة الشخصية. والرجل في نهاية الأمر يخضع للضغوط المجتمعية، ولماضي نشأته الذي بلور نظرته تجاه المرأة، ودورها ودوره، ويبدو أن الأمر يتطلب قوة واستقلالا وعمقا فكريا من الطرفين لفهم كل هذا!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار