انضم إلينا
اغلاق
"كلهم أعدائي".. ماذا لو كنت الشخص الذي يحاول الآخرون اجتنابه؟

"كلهم أعدائي".. ماذا لو كنت الشخص الذي يحاول الآخرون اجتنابه؟

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"في الكثير من الأحيان لا أقول الأشياء بصوت عالٍ؛ حتى عندما ينبغي لي فعل ذلك، بل أنطوي على نفسي لأنقسم إلى درجات مُتعددة من القلق، التي تُشعرني بأن معدتي ملأى بمئات من الزجاجات المُعبأة بالغضب، اليأس، والخوف. ولكنك حين تنظر إلى وجهي لن تُخمّن كل هذا"

(جيليان فلين، الزوجة المفقودة (Gone Girl))

 

في حبكة سينمائية مُتفوقة، يأتي فيلم "الزوجة المفقودة" (Gone Girl) ليسحب البساط المفرود تحت العلاقات الزوجية، وليكشف عن الكثير الذي لم يكُن ثابتا فوق البساط. من المعروف عادة أن الزوج هو الأقوى، المُسيطر في العلاقة، والقادر على التعامل بوحشية أحيانا، ولكننا في الفيلم نرى الزوجة التي تُتقن فن أن تكون بين العبقرية الشديدة والجنون. وهذا موضوع مطروح منذ المسرح الإغريقي قبل الميلاد، الذي اعتبر أن للمرأة قدرة رهيبة على الانفجار والتدمير، ما يجعلها قادرة على أخذ دورين في آن واحد؛ الجاني والضحية. وكمُشاهد تتأرجح بين الحُكم على الزوج الأليف الهادئ بأنه الطرف الشرير، أو الخوف من الزوجة الماكرة التي تراها الضحية، لتكتشف في نهاية الـ 145 دقيقة أن كل ما اعتقدته ليس حقيقيا كما رأيت!

 

     

العلاقات البشرية لا تخلو من الزيف أحيانا، بغض النظر عن اسم العلاقة أو شكلها. وعاء العلاقات المَريضة -تحديدا- يحوي الكثير من الأسباب، التي يُمكن اعتبارها مُقنعة إذا كانت من الطرف الذي يشكو من العلاقة، والذي يتهم الآخر بأسباب لا حصر لها؛ والتي أدّت -بدورها- إلى دنو مستوى صحة العلاقة. ولكن؛ ولنضرب مثالا على علاقة -مريضة- نحن لسنا طرفا بها، ولكنها فشلت؛ واعتَبَرنا أننا نلعب هنا دور الصديق الذي يستمع لكل تلك الأسباب، لنصطدم بأن الأسباب المُقدمة من الطرفين تبدو مُقنعة في مُجملها، ولكن لا يرى أي طرف أنه المُسيء الأكبر! وقياسا على أنفسنا، متى يُمكننا أن نعتبر سلوكياتنا أو تصرفاتنا مع الغير هي الكفّة السيئة في العلاقة، دون إنكار أو تزييف؛ ماذا لو كُنا -نحن- الطرف السام الذي يسعى الجميع لبتره في العلاقات والابتعاد عنه، ماذا لو كُنا الجاني والضحية؟

 

ما الخطأ الذي نرتكبه؟

"يربط الأشخاص السامون أنفسهم ككتل أسطوانية تلتف حول كاحلك، ثم وبكل بساطة يدعونك للسباحة في مياههم السامة"

(جون مارك جرين)

 

نتفق جميعنا أن آراء الآخرين بنا لا تعنينا بالطريقة التي تؤثر على سير حياتنا، ولكن من الضروري أيضا الالتفات للطريقة التي يستجيب بها الآخرون لتصرفاتنا، والتي رُبما تُنبئنا بشيء أغفلناه بينما نسير. من الطبيعي أن نميل للحفاظ على علاقات جيدة مع من حولنا، ونحن لا نُفكر مرتين بالانسحاب إن أحسسنا أن من يُشاركنا أطراف العلاقة مؤذٍ نفسيا، أو سام لأوقاتنا وأيامنا. الاستجابة الجماعية لتصرفاتنا الفردية تقودنا بشكل أو بآخر للتعرف على "من نحن"، إنها دعوة للغوص بجديّة في الوعي الذاتي، لإدراك نمط الاستجابات التي تُعرّفنا على أنفسنا. بداية؛ ستكون علامة جيدة أن تعترف أنك بحاجة إلى قراءة التالي، وهذا يُبيّن استعدادك للتساؤل عن الخطأ الذي ترتكبه؛ إذ إن الأشخاص الأكثر سُمية بيننا هُم أيضا الأقل إدراكا لذواتهم، فهُم آخر من يعترفون بوجود مشكلة -بهم أو منهم- أساسا. (1)

 

إن مهمة الإبقاء على علاقة ناجحة وصحية ليست بالسهلة على الإطلاق، ونحن نجعلها أصعب إن فشلنا في تحديد السبب الذي يُمزقها، ويجعل من اهتزازها وهشاشتها أمرا واردا. ونتفق -أيضا- على أن أولى العتبات في سلم الإصلاح هي التقاط السبب الأول الذي تفشّى في العلاقة ككل. وإن كانت كل الأسئلة تُشير بعلامات استفهامها نحوك؛ فلا تجزع. لحُسن الحظ أن هُناك إجابات لكل هذه التساؤلات. فلطالما اعترفت بوجود أشخاص يبعثون السمية في علاقاتك، وقمت بالتصرف الحكيم الذي دعاك لقطع العلاقة -بذاك الشخص- تماما من حياتك، والإبقاء على جو إيجابي حولك. فقد يتناسب هذا مع دورك تجاه نفسك إن علمت من بعض العلامات أنك -نفسك- الشخص الذي يجب أن تتعامل معه.(2) (3)

  

  

يتمحور عالمك حول شريكك: إن كانت النقطة المركزية في حياتك هي شريكك، وتستثمر كل طاقتك ووقتك به متناسيا نفسك، ومتناسيا أن هناك حياة خارج إطار هذه العلاقة، فأنت تقود العلاقة للهاوية. القاعدة تقول: للتمتع بعلاقة صحية يجب أن تُعطي نفسك وقتا من الحرية، والعيش بشكل مستقل خارج إطار أي علاقة. بمعنى آخر، ليس عليك اتباع كل خطوة يخطونها ومراقبة شؤونهم اليومية. (4)

 

تتمكن بكل سهولة من التلفظ بكلمات مؤذية عندما تكون غاضبا: الكلمات، من أقوى الأسلحة وأكثرها إيلاما. حتى لو كنت لا تعني ما تقوله، وحتى لو كنت تمتلك كل الحجج التي تختبئ خلف غضبك، فالكلمات لها وقع قوي سيسبب ندبة عاطفية عميقة ومؤلمة في قلب الطرف الآخر. لا تقل أبدا أي شيء لا تقصده، فإن كُنت تعتقد أن الألم سيزول بعد تقديم اعتذار صادق، فأنت مُخطئ. (5)

  

تُبادر باقتراح قطع العلاقات عندما لا تسير الأمور كما تريد: قد لا تعني الانفصال في معظم الأحيان حتى وإن بادرت في تقديم هذا الاقتراح، بل كل ما في الأمر أنك تريد الحصول على رد الفعل الذي تريد سماعه. مُعظم الناس يفعلون هذا لحاجتهم إلى الشعور الذي يُضفي الاطمئنان، أو أنهم ما زالوا مرغوبين، إلا أن هذه أسباب أنانية، تكرارها بكثرة يُعذب الطرف الآخر. (6)

 

    

لا تعرف متى أو كيف تعتذر: من الجميل أن يتمتع الشخص بالشجاعة الكافية التي تدفعه للاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه، إن امتلاك القدرة على التعبير عن الأسف هو إضافة جيدة للعلاقات الإنسانية كافة بمختلف أسمائها. والعكس صحيح إن كان هناك نقص في هذه القدرة، الأمر بهذه البساطة -للأسف-، فليس الجميع يعترف ضمنيا بأهمية كلمة "آسف". (7)

 

لا تملك صداقات حقيقية: هذا شيء يمنع الناس من الاقتراب منك، بحيث إنك تجعلهم يبذلون الكثير من الجهد للتقرب منك، وهو أمر سيئ في حد ذاته، ويمنع الناس من تطوير علاقاتهم بك، فأنت تُعلّق أعلاما حمراء على بوابة الصداقات، وهذا ما يؤدي إلى إبقاء الناس على مسافة بعيدة من أعلامك. (8)

 

أنت صديق الأجواء الجيدة: إن كنت من الأشخاص الذين يظهرون في حياة الآخرين فقط في حال احتجت إلى شيء، أو إن حقق الشخص المقابل إنجازا أو نجاحا أو أصبح مشهورا أو غنيا، فأنت تتجه إلى الصحراء القاحلة في حياتك التي تخلو تماما من الأصدقاء! (9)

 

إحباط الآخرين يبعث شعورا جيدا في نفسك: بعض الأشخاص ينتقون كلماتهم بهدف جعل من يستمع إليهم يشعر بصغر مقامه، وعدم أهميته، مثل التعليقات غير الضرورية، والضحك السلبي العدواني الذي يستهزئ بمشاكلهم أو أوقاتهم العصيبة. إن هذه التقنيات لا يحتاج إليها الأشخاص الواثقون من أنفسهم ليشعروا بالرضا عن أنفسهم. قد لا يُدرك الناس أن تصرفاتك هذه تُشير إلى قلة ثقتك بنفسك، ولكنهم سيُدركون شيئا فشيئا أن وجودهم حولك يستهلكهم ويُسمم أوقاتهم. (10)

 

     

تعتقد بأن رأيك فقط الذي يهم: شعور التعاطف مع الصديق من أهم مزايا الصديق الجيد، بالتأكيد إنه أمر جيد أن تكون مُنفتحا للاستماع لوجهات نظر الغير التي قد تختلف عن نظرتك للأمور. أما إن كنت عنيدا وتُجاهد لجعل أمر وجهات النظر تحديا يجب أن تكسبه، فقد يُقرر الأصدقاء أو عائلتك بأنك شخص لا تستحق التوتر الناجم عن نقاشاتك، وسيُبادرون -بالتأكيد- لاعتزال أي نقاش معك، أو حتى استشارتك، أو الاستماع لوجهة نظرك. (11)

 

تنسى تقدير الأشياء: الامتنان مهم للأشخاص من حولنا، فكما أنه من السهل التركيز على سلبيات الغير، فمن الضروري أيضا أن يُقابل هذا التركيز بعض الامتنان للجوانب الإيجابية التي تستحق الشكر على وجودها في جو العلاقة أو خارجها. ستتفاجأ من ردة الفعل التي ستتلقاها لأنك استغرقت القليل من الوقت لقول "شكرا". (12)

  

بعد الإدراك يأتي التعافي

"في الواقع؛ الجزء الأصعب من الإدراك بأنك في علاقة مؤذية نفسيا هو الاعتراف بأنك الطرف الأسوأ"

(آنا أكانا، رسائل إلى أختي الصغيرة)

 

أن تكون شخصا جيدا لا يعني أن تكون شخصيا مثاليا، جميعنا نتخذ -في بعض الأوقات- بعض القرارات غير الحكيمة، ونُؤذي من نُحب، ونتلفظ ببعض العبارات الجارحة دون قصد، ولكننا نتعلم ونكبر من خلال تجاربنا والفوضى التي كُنا سببها. في مُدونة لكاتبة تحت اسم دراغوس روا (Dragos Roua) تقول فيها: "بينما أنا في طريقي للمنزل، مررت بجانب شاحنة مزعجة، وقبيحة، وسامة. كان العادم بجانبي، وحتى لو كانت نوافذي مغلقة فقد كنت أتنفس الغاز السام. بعد بضعة أمتار تجاوزته -بكل ضيق- وبشكل لا إرادي وجهت مرآتي بطريقة تسمح لي برؤية السائق؛ كان هادئا، ويبدو أن لا مشكلة لديه بالغازات السامة التي تنبعث منه، بل لا يعلم أساسا أنه سام ويحمل الكثير من السموم التي يُخلّفها خلفه. وفكرتُ في طريقي للمنزل أنه كم من مرة كُنا أشخاصا نبعث السموم في حياة الآخرين دون أن ندري!". (13)

   

     

أنت شخص سام؟ إنها ليست نهاية العالم. والخبر السار هو أن الوعي يُعد الخطوة الأولى لتغيير شيء ما. خاصة إذا كنت مستعدا لأن تكون أمينا وصادقا مع نفسك لإجراء بعض التغييرات الجذرية نوعا ما، فهذا سيُمكّنك من إنشاء علاقات وصداقات أكثر صحية (14) (15). في كتابها "النجدة، أنا الشخص السام في علاقتي، كيف أتغير؟" تُقدم مدربة العلاقات ليزلي فرينيك تحية لكل من وصل لمرحلة الإدراك بأنه سام، والاعتراف بحاجته إلى التغير، وتُقدّم نصيحة أولية بأن تُحيط نفسك بأولئك الأصدقاء الذين يُمكنك أن تعترف أمامهم أنك بحاجة إلى التغير، ولا يتم التغير إلا بدعمهم لك. فنحن عندما ندعو الأشخاص الذين نثق بهم لمشاركتنا السير في طريق تغيير ذاتي، فمن المُرجح أن نكتسب وعيا ذاتيا مُضاعفا لأننا لسنا وحدنا، وتُشارك بقصة شخصية مفادها أنها حين أدركت أنها أم سامة لأطفالها، بادرت بالاعتراف لأطفالها ومواجهتهم، مع إفساح المجال لهم لإبداء رأيهم حول تصرفها الذي كان يملؤه الغضب والصراخ طوال الوقت، فكانت إجابة أحدهم: "أمي، أنا أخاف منك".

 

وهذا ما دفعها لضبط نفسها في كل مرة تشعر بها أنها على وشك الصراخ، تتذكر بأنها ستكون عامل الرعب الذي يخافه طفلها، وبأنها لم تطمح يوما لأن تكون هذا الشخص المخيف. لتقول لنا بطريقة أخرى: واجهوا من جرحتموهم، أو سببتم لهم هذا الكم من الأذى، واتركوا لهم مساحة الرد. (16) كما تُوضح أنه من الممكن أن تكون سُميتك هي رواسب من طفولتك التي لم تكن جيدة، وتقول: "الشخص المؤذي هو من تعرض للأذى مرارا وتكرارا"، فنحن نؤذي إذا أحسسنا بالألم على أنفسنا، عندما يكون هذا الألم خارج إدراكنا الواعي، فإن ردود أفعالنا السلبية تجاه الحياة تبدو تلقائية وخارجة عن قدرتنا على التغيير أو التحكم. فمن المهم مُراجعة ما حدث في طفولتنا -إن حدث- لنكتسب أكبر قدر ممكن من المعلومات عن أنفسنا وعن "لماذا؟" نتصرف بهذا الشكل، وإن فشلنا في الوصول لتلك الخيوط القديمة المُهترئة، فيجب أن تكون ردة فعل الآخرين تجاه تصرفاتنا هي مفتاح الباب الذي أضعناه بينما نكبر.

       

في كتابها "النجدة، أنا الشخص السام في علاقتي، كيف أتغير؟" تُقدم مدربة العلاقات ليزلي فرينيك تحية لكل من وصل لمرحلة الإدراك بأنه سام  (مواقع التواصل)

      

الاعتراف بالخطأ، الاعتذار، وتحمل مسؤولية أخطائك، التوقف عن الشكوى وإلقاء اللوم على الآخرين، وأن تكون صادقا أمينا مع نفسك لاتخاذ الإجراءات الصحيحة لا "السهلة". الإدراك بأنك سام قد يُشعرك بأنك مُدمر تماما وغير محبوب، وهذا ما لا تُريد الشعور به! لا تكره ذاتك، في نهاية اليوم؛ أنت مُجرد إنسان آخر -يعيش على سطح هذا الكوكب- يبذل قُصارى جهده ليُصبح أفضل. فشلت في علاقة، صداقة، زواج؟ لا يهُم، المهم أن تعترف أنك تحمل الكثير على عاتقك، فلا يمكنك الانتظار وإضاعة المزيد من الوقت لتُدرك أن فشلك أو أخطاءك سيُصبح لها معنى منطقي في المستقبل. لا تتجمد عند نقطة الخطأ، بادر بالاعتراف بها وقُم بالتغيير اللازم. عليك أن تختار النهايات التي تليق بك، التي تُريدها، التي تُدرك بينك وبين نفسك أنك فعلت ما بوسعك تجاه أصدقائك وأحبائك. نحن لا نتحدث عن إخفاقاتنا الضخمة الساحقة والأكثر خزيا لأننا لا نريد أن نعترف بما تكشفه عنا، ولكن هنا يكمن الخيار -وعليك أن تقرر-، بعد كل فشل، كل هزيمة، كل خطأ يغير الحياة سيرسُم أي نوع من الأشخاص أنت، وأي نوع من الأشخاص كنت، وأي نوع من الأشخاص أنت مستعد -أخيرا- لأن تصبح عليه.

آخر الأخبار