انضم إلينا
اغلاق
ماري كوندو في منزلك.. خطة محكمة لتخليصك من الفوضى

ماري كوندو في منزلك.. خطة محكمة لتخليصك من الفوضى

هند أكَلاو

محررة
  • ض
  • ض

تعود إلى منزلك بعد يوم عمل شاق، تخلع حذاءك، تحاول وضعه في المكان المخصص للأحذية فلا تجد له مكانا، فتتركه على الأرض. حتى معطفك الذي خلعته للتو لا يبدو أن هناك متسعا لتعليقه، فقد امتلأت العلاقات بمعاطف وملابس أخرى. تضعه على الكرسي وتكمل روتينك اليومي في نزع ثياب العمل والبحث عن الاسترخاء في منزلك الذي يعج بالفوضى. تحاول الجلوس فلا تجد الكرسي والسرير إلا وقد اختفيا تحت ثقل أغراضك وملابسك.

 

تجلس على الأرض بجوار مكتبك وتتساءل عما يجري، فقد رتبت المنزل في عطلة نهاية الأسبوع قبل يومين فقط. لماذا تعود الفوضى لتغزو منزلك بعدما ألقيت بها خارجا؟ تمد يدك إلى المكتب وأنت جالس على الأرض فتلتقط كتابا جديدا قد اشتريته لتوك عنوانه "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث". ربما هذا ليس وقتا مناسبا لقراءة كتاب دسم كهذا، لكنك تقاوم النعاس جالسا على الأرض وتهرع إلى تصفحه على كل حال، هربا من مسؤوليات الترتيب التي تراكمت عليك.

  

  

في الكتاب تسهب المؤلفة "نعومي كلاين" في بيان فكرة مثيرة تقضي بأن من يسمون بفتيان مدرسة شيكاغو وهم اقتصاديون برعوا في الاقتصاد ونال العديد منهم جوائز نوبل على إسهاماتهم، وعلى رأسهم ميلتون فريدمان، سعوا بكل جهدهم لإرساء نمط اقتصادي مثير. ففي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة بمنصة القيادة الدولية لم يعد هناك جدوى من انتظار التحولات الاجتماعية البطيئة لفرض سياسات السوق الحرة وخصخصة الاقتصاد العالمي بشكل كامل، بل على الاقتصاد العالمي الإسراع في ترتيب أوضاعه الجديدة عبر ما يسمى بعقيدة الصدمة. يقوم مذهبهم هذا الذي وصفت كلاين آثاره على بلدان مثل الأرجنتين وتشيلي والعراق على استغلال كارثة، سواء كانت انقلابا، هجوما إرهابيا، انهيارا للسوق، حربا، تسونامي، إعصارا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية.

      

بين الاقتصاد والتدبير المنزلي

في عام 2005 حين ضرب إعصار كاترينا الساحل الشرقي للولايات المتحدة ودمر المدن وأودى بحياة ما يقارب الـ 2000 شخص، هرع ميلتون فريدمان إلى نصح الرئيس جورج بوش الابن لاستغلال الكارثة لخصخصة نظام التعليم في الولايات المتضررة بدلا من إعادة بناء المدارس الأهلية المدمرة. في الناحية الأخرى من العالم، وبعيدا عن تعقيدات عالم السياسة والاقتصاد، تجلس الفتاة اليابانية "ماري كوندو" البالغة من العمر 21 عاما لتطالع مجلة في التدبير المنزلي تعرض نصائح عن كيفية الترتيب المثلى.

  

نشأت ماري منذ نعومة أظافرها على حب الترتيب الذي مثّل لها شغفا حقيقيا. ففي حين كان أصدقاؤها يلهون معا خارج المنزل أو يلعبون ألعاب الفيديو أو يشاهدون برامج الكرتون، كانت ماري ترتب الغرف والخزائن وتعود لتطالع مجلات "اللايف ستايل" والتدبير المنزلي التي تجلبها أمها إلى المنزل، وتختبر ما ورد فيها من نصائح وأساليب. تبدأ بترتيب خزانتها ثم تنتقل لترتيب غرف المنزل واحدة تلو الأخرى. تعود من المدرسة لتبدأ فور تغييرها لملابسها بالترتيب، وفي كل مرة تتعلم جديدا عما هو نافع من أساليب الترتيب وما هو ليس كذلك.

  

 ماري كوندو (مواقع التواصل)

     

حتى في المدرسة حين توزع المعلمة الأدوار على الطلبة بين تمثيل الطلاب وإطعام الحيوانات الأليفة، كانت ماري تختار الترتيب. وبعد سنوات من الشغف الحقيقي وتراكم الخبرات والتجربة والخطأ وصلت ماري إلى نتيجة مفادها أن أفضل أسلوب للترتيب بلا شك هو "الترتيب بالصدمة"، فكما يرتب ميلتون فريدمان الوضع الاقتصادي عبر الصدمة، ترى ماري كوندو أن الترتيب الحقيقي والفعال لا يكون إلا عبر الصدمة، كإعصار يمر على حياتك فيغيرها للأبد، إلا أنها لا بد وقد عافت الاسم الذي لا يناسب عالم التدبير المنزلي، فاشتقّت له بدلا من ذلك اسما من اسمها وأطلقت عليه "أسلوب كونماري".

  

تسمع طرقا على باب منزلك، تترك الكتاب وتسرع لفتح الباب فتجد أمامك امرأة يابانية أنهت العقد الثالث من عمرها، لا تترك لك وقتا للدهشة، تتجاوز عتبة المنزل وتقف لمدة دقيقة تشكر فيها المنزل على خدماته الجليلة التي يقدمها وعلى سعة صدره لنا، ثم تلقي ببصرها نحوك وبعد ثوانٍ من الصمت، تخبرك قائلة إن أول مبدأ في أسلوب "كونماري" (KonMari) هو أن تتخلص من الأساطير والأفكار الخاطئة الشائعة عن الترتيب.

   

  

ماري كوندو في منزلك

تخطو ماري إلى غرفة الجلوس وتتبعها أنت صامتا، وبعد أن تُلقي نظرة على المكان تقول لك: الترتيب ليس معطى ذاتيا عند البشر يُكتسب بطريقة طبيعية، بل هو علم يجب تعلمه، فلا يكفي أن تكون لديك إرادة للترتيب لتعرف كيف ترتب. تنظر إليك بتمعّن وتخبرك قائلة: للأسف أنت كغيرك من البشر الذين طُلب منهم منذ نعومة أظافرهم ترتيب غرفهم ومنازلهم وأماكن عملهم دون أن يشرح لهم أحد كيف يكون الترتيب، فلا الجدة تخبرك عما توارثته من مهارات وأفكار بهذا الشأن، والمدرسة تعلمك الترتيب في حصص الاقتصاد المنزلي.

  

تمسك بأحد الكتب المكدسة في أرفف مكتبك والمكومة على الأرض بجوارها وتخبرك قائلة إن الترتيب يتم مرة واحدة وللأبد، لا ترتب حين تعم الفوضى فضاءك. الأمر تماما كفقدان الوزن، إن اتبعت حمية خاطئة فستظل واقفا في مكانك، كلما خسرت وزنا عدت فاكتسبته، لكن إن اتبعت الأسلوب الصحيح، فكل ما يتطلبه الأمر هو مرة واحدة تقضي فيها على الفوضى بشكل جذري. لا تلقي بالا لمن يخبرك قائلا "رتب قليلا كل يوم فترتب إلى الأبد"، فهذه العبارة تنطوي على فكرة مفادها أن الترتيب مهمة أبدية لا نهاية لها ولا بداية، وأن عودة الفوضى أمر حتمي، وهذا ليس صحيحا.

  

يخبرونك أيضا ألّا تسعى للكمال، فنيله مستحيل. انطلق ببطء وتخلص من غرض واحد فقط كل يوم، لكن هذا ليس صحيحا في عالم الترتيب ذي الأهداف والمهام المحدودة والمعينة، عندما تحدد أهدافك من الترتيب يصبح الكمال في متناول يدك، لذلك لا تسعَ لما دونه. سيساعدك الترتيب في ضبط حياتك، لأن دافعك للترتيب هو أسلوب الحياة التي ترغب في عيشه، فاجعل من الترتيب حدثا مميزا وولادة جديدة تخطو معها أولى خطواتك نحو التغيير والعيش بنمط الحياة الذي قضيت عمرا تحلم به. ثلاث ملاحظات أخيرة تخبرك بها ماري قبل أن تشرعا في ترتيب المنزل:

  

  

* لا تستمع لمن يخبرونك أنك بحاجة إلى وحدات وأماكن تخزين جديدة في منزلك، فما دمت لم ترتب بأسلوب صحيح ستمتلئ أماكن التخزين هذه مجددا وستعود الفوضى أشد وأعتى من السابق مع أحمال إضافية.

* حين تبدأ بفرز أغراضك لترتيبها لا تفرزها وفق موقعها من المنزل، فتبدأ بغرفة النوم على سبيل المثال ثم تنتقل إلى غرفة الجلوس، بل افرزها حسب الفئة، أي ابدأ بالملابس، ثم الكتب، إلخ.

* دع عنك قولهم إن لكل شخصية أسلوبا يناسبها في الترتيب، فالطريقة المثلى للترتيب لها خطوات محددة ومحدودة، مَن أتمها عاش منعما في جنة مرتبة، ومَن عجز عنها زاحمته الفوضى في بيته ونفسه.

  

أسلوب كونماري.. تخلص من الزيادات

لا يتكون أسلوب "ماري كوندو" في الترتيب سوى من خطوتين رئيسيتين، الأولى: أن تتخلص من كل ما هو زائد لديك، هذه هي الخطوة الأولى والأصعب والأهم في أسلوب كونماري. تخبرك ماري هنا ألّا تختار الأغراض التي تود التخلص منها، بل الأغراض التي تود إبقاءها لديك. ولأجل عملية الاختيار هذه عليك أن تحوّل منزلك إلى ساحة محكمة، فتجمع أغراضك كلها فئة فئة، تبدأ بالملابس وتنتهي بالأغراض ذات الارتباط العاطفي لديك، مرورا بالكتب والأوراق والأدوات وغيرها.

  

عليك أولا أن تجمع كل ملابسك من كل غرفك وأماكن تخزين الملابس وضعها في كومة كبيرة واحدة، وتمسكها قطعة قطعة، وتسأل نفسك في كل مرة "هل تجعلك هذه القطعة سعيدا". إن كانت الإجابة بنعم فستحتفظ بها، وإن كانت خلاف ذلك فألقِها في النفايات. المعيار الوحيد هنا هو الشعور الذي يسببه لك الغرض بغض النظر عن أي اعتبارات عملية أو عاطفية أخرى، فلا تحتفظ بقطعة ملابس فقط لأن أحدهم أهداها لك، فإن كانت لا تناسب ذوقك ولا تفرحك اشكره وتخلص منها.

  

تعدك ماري أنك بعد هذه المحاكمة ستجد نفسك قد تخلصت من ثلاثة أرباع أغراضك، وستحتفظ بما تحبه فعلا. يساعدك طقس الحوار مع أغراضك هذا على فهم نفسك أكثر والتعمق في رغباتك ونمط الحياة الذي تود اتباعه. ما ينطبق على الملابس ينطبق على الكتب والأدوات وحتى الأغراض ذات الارتباط العاطفي، فلا تحتفظ بالكتب التي لا تحبها ولا تشعرك بالفرح، ولا الكتب التي تمني النفس بقراءتها في وقت لاحق. ولا تحتفظ بأوراق أو هدايا أو صور لا تشعرك بالسعادة حتى لو كنت مرتبطا بها عاطفيا، فأفضل طريقة تكرمها بها، من وجهة نظر ماري، هو أن ترميها خارج بيتك.

      

   

بعد تجاوزك للمرحلة الأولى وتخلصك من كل شيء لا يسعدك، عليك أن تخصص لكل غرض مكانا وتخزنه بالطريقة الصحيحة. تعلمك ماري طريقة طي الملابس بطريقة صحيحة وتطلب منك أن ترصها بشكل عمودي في خزانتك وأن لا تكوّمها فوق بعضها البعض. وتهلع حين تجد درج جواربك مليئا بالجوارب المعقودة على شكل كرات وتخبرك أن تطويها بالطريقة الصحيحة التي تسمح لها بالراحة. تخبرك ألّا تخزن ملابس الموسم الماضي بعيدا، بل في خزانتك مع ملابس الموسم الحالي. تحب ماري علب الأحذية وتستخدمها لتخزين كل شيء، لأنها توافق معاييرها في المتانة والحجم وسهولة الاستعمال والشكل. تسهب ماري في شرح نصائح التخزين الأخرى، فتنصحك بألّا تبقي شيئا على الأرض وضع كل أغراضك في الخزائن، أفرغ حقيبتك كل يوم وأعد ترتيبها، ولا تترك مستحضرات التنظيف والشامبو والصابون في المغطس ومجلى الحمام، والعديد من النصائح التفصيلية الأخرى.

  

تنهي ماري عملها في منزلك وترحل كما جاءت، تجد نفسك وحدك في المنزل تتأمل ترتيبه ونظافته بعد أن غادرته الفوضى، تفكر في الوعود التي وعدتك إياها بأنك بعد اليوم ستصير شخصا مختلفا وستحيا الحياة التي لطالما رغبت فيها، بل وقد تفقد بعض الوزن أيضا وتصبح أكثر رشاقة وخفة.

  

تماما كما يستغل اقتصاديو مدرسة شيكاغو الكوارث والصدمات لإعادة ترتيب الاقتصاد وخصخصته بطريقة يستحيل معها العودة إلى الوراء، تريدك "ماري كوندو" أن تُحدث تلك الصدمة في منزلك وترتّبه بطريقة لا تعود بعدها الفوضى أبدا. فالترتيب بحسب ماري يتم مرة واحدة فقط وليس على حصص وفترات متباعدة، تماما كإعصار يحل على منزلك فيخلصك من كل الأغراض التي راكمتها والتي باتت مصدر الفوضى بدلا من أن تكون مصدرا لسعادتك.

    

كتاب ماري كوندو "سحر الترتيب: الفن الياباني في التنظيم وإزالة الفوضى" (مواقع التواصل)

   

تفتح عينك فإذا بك جالس على الأرض عند مكتبك وفي يدك كتاب ماري كوندو "سحر الترتيب: الفن الياباني في التنظيم وإزالة الفوضى". ما زالت الفوضى تحيط بك وتدرك أن عليك الكثير للقيام به إن أردت اتباع أسلوب كونماري، فتقرر تأجيل العمل إلى يوم آخر. تخبر نفسك قائلا ربما كان على ماري أن تستمع لنصيحتها حين اختارت هذا العنوان الطويل، وتتخلص من كل الكلمات التي لا تشعرها بالفرح.

   

طريقة ماري كوندو واجتياز الاختبار الثقافي

نشرت "ماري كوندو" مستشارة الترتيب والمؤلفة اليابانية كتابها للمرة الأولى عام 2011 وصار من أكثر الكتب مبيعا في اليابان، ثم تُرجم إلى لغات عدة ونُشر في أكثر من 30 دولة وصار من الكتب الأكثر مبيعا في أوروبا. عام 2014 نُشر الكتاب للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة وبيعت منه أكثر من مليون نسخة. وأصبحت ماري كوندو وكتابها ظاهرة ثقافية، حتى إن أحد الأشخاص كتب قائلا: إذا استشرى فن طي الملابس بين أصدقائك فاعلم أن ماري كوندو هي السبب. في العام 2015 اختارتها مجلة التايمز من بين أكثر 100 شخصية مؤثرة في العام. وفي العام نفسه أيضا صدرت النسخة العربية من الكتاب عن الدار العربية للعلوم. واستثمرت شركة "نتفليكس" (netflix) شعبية ماري وأنتجت لها برنامجا باسم "الترتيب مع ماري كوندو" عام 2019، تزور ماري بيوت أشخاص أميركيين وتعينهم على ترتيبها باستخدام أسلوب كونماري، وقد حقق هذا البرنامج نجاحا كبيرا. (1)

    

"برنامج الترتيب مع ماري كوندو على نتفليكس"

   

وكأي ظاهرة ثقافية لقي كتاب ماري وأسلوبها في الترتيب موجة من النقد الحاد من مختلف الاتجاهات، فقد عدّه الكثيرون أسلوبا خياليا غير قابل للتطبيق، خصوصا وأن المنازل اليابانية عُرفت بصغر حجمها على خلاف المنازل الأميركية على سبيل المثال، وعدّه البعض أسلوبا ثقافيا مرتبطا بنمط عيش اليابانيين وطريقتهم في الحياة ورؤيتهم للعالم.(2)

   

غير أن أكثر ما لقي نقدا في الكتاب هو الفصل الذي تحدّثت فيه ماري عن الكتب، فقد بدت فكرة التخلي عن الكتب واعتبارها مجرد معلومات بالنسبة للبعض أمرا مهينا خصوصا ممن يمتهنون الكتابة أو ممن ترتبط أعمالهم بالكتب. فقد هاجمتها الروائية الكندية أناكانا شوفيلد على تويتر قائلة: "لا تستمعوا لماري كوندو فيما يخص الكتب، بل املأوا منازلكم وعالمكم بها… لدى هذه المرأة فكرة مضللة عن الكتب، فكل شخص بحاجة إلى مكتبة شاملة وليس مجرد أرفف نظيفة ومملة". (3)(4)

   

يستمر الجدل القائم حول الكتاب والبرنامج وتتنوع اتجاهاته بين التذمر من المعيار الذي وضعته ماري للتخلص من الأشياء والوقت الفعلي الذي قد يستهلكه المرء لتطبيق أسلوبها، ومن يراه اعتداء على خيارات المرء الشخصية، لكنه يظل في النهاية عملا فريدا في موضوعه وطريقة عرضه، كما أن ربط ماري الترتيب والأثر المادي له على حياتك هو أمر مثبت عبر كثير من الدراسات العلمية التي أشارت إلى أن الأشخاص الأكثر نظافة ونظاما يعيشون حياة صحية أكثر. ومن المؤكد أن ترتيب المرء لعالمه الخارجي يكون له أثر في ترتيب عالمه الداخلي والتخلص من الفوضى التي تسكن فكره وروحه. (5)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار