انضم إلينا
اغلاق
"العالم يتآمر عليها".. هل تعشق المرأة دور الضحية؟

"العالم يتآمر عليها".. هل تعشق المرأة دور الضحية؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

 

"التذمر والعبوس، عادات نموذجية يتحلى بها الضحايا"

(توبا بيتا، ماجستير في الغباء)

   

في كل مجموعة من الأصدقاء، نجد شخصيات تتباين في سماتها، إلا أن ذلك لا يمنع بالعادة تمازجهم وتآلفهم. وبشكل عام فلكلٍّ منا طريقته ومنظومته الفكرية التي أكسبته إياها الخبرة، والمجتمع، والتي بدورها تُمكّنه من حل مشكلاته الخاصة، ولكن لأن الإنسان لا يستطيع مواجهة الحياة بمفرده، فإنه بحاجة إلى من يُرشده أو ينصحه، لذلك، وُجد الأصدقاء للتخفيف عن بعضهم، والمساعدة في طرح بعض الحلول التي يُمكن من خلالها حل أزمة أو مشكلة تواجه رفيقا أو صديقا أو حتى قريبا، إلا أننا -غالبا- نملك ذاك الصديق أو تلك الصديقة التي لا تُساعد نفسها، ولا تكف عن لوم نفسها والآخرين، وترى نفسها أنها ضحية لكل شيء وليس بمقدورها الخلاص من أزماتها.

 

في فيلم "احكي يا شهرزاد" نرى المُذيعة التي تستضيف عددا من النسوة المقهورات، اللاتي تعرضن للخيانة، للخداع، للكثير من الظروف التي كنّ ضحيتها. كل واحدة منهن لجأت إلى أسلوب يختلف عن الأخرى لتدافع عن نفسها، سعيا للخروج من رُقعة الضحية التي كانت رهينة بها. كانت الأولى "العانس" التي كانت ضحية لعقلية العريس الذي يُعجَب بجمالها ويَطمع بمالها ويُخطط لسلب كل ما يُميزها في سبيل أن تكون تحت جناحه كزوج وإلا فلن يقبل بها. والثانية، ضحية الخيانة التي ما وَجَدت سبيلا لرد كرامتها سوى عبر قتل هذا الخائن. وتتوالى قصص الضحايا المقهورات، لتكون المذيعة نفسها ضحية القهر كما ضيوفها.

  

   

نجد صورة أخرى في الفيلم الذي يستند إلى أحداث حقيقية من التاريخ التشيلي المعاصر، "كولونيا" (Colonia)، المُستعمرة (1) التي تسكنها طائفة لها عقائدها الدينية الخاصة. من بينهم واحد هو مؤسسها ومُسيرها، يضرب النساء، يُعنفهن، يحرمهن من الزواج، يعملن لساعات طويلة وشاقة، ولا يستطعن أبدا الدفاع أو البكاء. في أحد المشاهد تتعب البطلة من الأعمال الشاقة فيصيبها الإعياء، فتتعرض للجلد والتعذيب وحتى الحرمان من الماء. النساء في هذه المستعمرة يعلمن بأن الهرب مستحيل، فلا يُحاولن الاقتراب من التفكير بالهرب ويقبلن بوضعهن، ولكن البطلة رفضت أن تكون خاضعة ومستسلمة ومستكينة، وأن تتقبل مصيرها كضحية في مستعمرة مثل كولونيا، تفكر في الهرب، وتنجح بمجازفة لم تكن سهلة على الإطلاق!

   

وكثيرة هي الأعمال السينمائية والأدبية والفنية التي رسمت مشهد القهر، وكيف تختلف صوره بين مجتمع وآخر، بين تاريخ وآخر، بين من تقبل أن تكون ضحية القهر، وبين من تتجاوز دور الضحية لتكمل حياتها. والسؤال هنا: ما الذي يجعل بعض النساء -حصرا- يتأرجحن بين عيش دور الضحية وبين لعبها بلا سبب؟

   

صورة من مستعمرة كولونيا الحقيقية والتي أُغلقت وأصبحت مزارا للسياح (مواقع التواصل)

    

دراما الضحية.. دور تتقنه النساء في مجتمعاتنا

"تأخذ الطفلة الضحية شر المعتدي في نفسها. نظرا لأن الإحساس الداخلي بالسوء يحافظ على مكانته، فلا يتم التخلي عنه بسهولة حتى بعد توقف الإساءة؛ وبدلا من ذلك، يصبح جزءا مستقرا من بنية شخصية الطفل"

(جوديث لويس هيرمان، الصدمة والتعافي: آثار العنف - من الاعتداء المنزلي إلى الإرهاب السياسي)

   

على ميزان الإنصاف، علينا أن نواجه حقيقة أن وضع المرأة يختلف من مجتمع لآخر. بعض المُجتمعات فرضت على المرأة وصورتها عدة أنماط مجتمعية أو التي تستند إلى قبول العادات والتقاليد، بحيث حصرتها في قالب واحد ودور واحد لا يُقبل غيره، وحتى لو كان هذا الدور يتحكم بمصيرها أو يسلبها حقوقها فمن الصعب عادة تغييره، أو قد يتطلب تغييره -على الأرجح- جملة من التنازلات الصعبة أو "المتمردة". ولعلنا نستطيع هنا تذكر الفتاة السعودية رهف القنون (2) التي هربت من المملكة لتمارس حريتها، على الجانب الآخر من عملة الهرب، نرى الإماراتية هند البلوكي (3) التي اضطرت للهرب وترك 4 أطفال، بعد أن هددها زوجها وعائلتها بإلقائها في مصحة نفسية لأنها طلبت الطلاق، الحق الذي لها بالكامل! مفارقة كبيرة بين رهف وهند، ولكن هل هما ضحيتان بالفعل بمعنى كلمة "ضحية" نفسه؟

   

    

في مقابلة لـ "ميدان" مع الأخصائية النفسية وضابط الارتباط في اللجنة الدولية للإغاثة في الأردن، أمينة الرجوب، تقول إن الشخص الذي يعيش دور الضحية من وجهة نظر المدرسة التحليلية هو الذي تعرض للصدمات في طفولته، اضطرابات، عنف، أو مرض. فيتخذ من الدور الذي فرضه عليه ظرف ما أسلوب حياة يستمر معه حتى بغياب المُسبب. أما المدرسة المعرفية الاجتماعية فقامت بربط دور الضحية بمشكلات العجز المُكتسب، مثل مرور الطفل بظروف معينة لم يكن له أي ذنب بها كالطلاق على سبيل المثال.

   

وتُوضح: "الضحية ترى أنها ضعيفة، أضعف من أن تنهض، أو تفكر في حلول تُقاوم مشكلاتها، أو أن تتحمل مسؤولية ما تمر به"، فتلجأ للوم (4)، وتختار أسهل طرق المقاومة وهو عيش دور الضحية. تصف الرجوب شخصية المرأة الضحية بأنها ساخطة على الحياة، وإذا منحتها الحياة بعض الحلول فهي دائما ما تعترض على هذا الحل، ترى أنه لا أحد يفهمها، وأن وضعها مُختلف عن الأغلبية، وتستجدي عطف كل من حولها. وتقول أيضا إن عيش دور الضحية قد يؤدي في النهاية إلى أمراض نفسية عُصابية، أو الإصابة بالاكتئاب.

       

تُضيف الرجوب لـ "ميدان" أن الضحية تنجح دائما في تحميل من حولها ذنب ظروفها، وحالتها، وتنجح أيضا في ابتزازهم عاطفيا. وهذا -أحيانا- يُجبر من حولها على الاهتمام بها واعتبارها المحور الذي من الواجب عليهم أن يصبوا جُل اهتمامهم به. وتُجبرهم في الكثير من الأحيان على تقديم الدعم المادي، أو إجبارهم على اتخاذ قرارات مصيرية بدلا عنها. وفي حال حدثت أي مُشكلة، فهي تلجأ للوم كل من دعمها، أو نصحها، ولا تتحمل مسؤولية أي شيء. وتمتلك قناعة راسخة بأنها في وضع لا يُمكنها الخروج منه، فتحصر نفسها في بوتقة ضيقة، وتُقنع نفسها بأنها مُقيدة بداخلها، لا تستطيع مجابهة الحياة، وتُعلق الرجوب: "خوف الضحية من المواجهة -الضرورية- هو ما يدفعها للتمسك بعيش دور الضحية والاختباء في هذه البوتقة".

 

لا يُمكن نُكران تأثير ثقافة مجتمعاتنا التي لعبت دورا كبيرا في جعل المرأة -في بعض الأحيان- تلجأ للهرب والعيش في ثوب الضحية، وأن توهم نفسها بأنها الحلقة الأضعف التي ستُكسَر وستخسر في أي مواجهة مع الحياة. وهذا ما تؤكده الرجوب، وما تراه من حالات عديدة تُقابلها بحُكم طبيعة عملها. تقول إن السيدات اللواتي يتعرضن للعنف يجدن في دور الضحية مواساة نفسية لما يمررن به، وتضرب مثالا على ذلك فتقول: "السيدة التي يضربها زوجها، والتي تَلقى من الجيران نظرات التعاطف معها والحزن عليها، ويقومون بزيارتها لمواساتها، تجد أن بقاءها في هذه المساحة أسهل بكثير من أن تعترض، وتواجه، أو أن تتخذ موقفا تجاه ما حدث أو أن تُناقش زوجها"، وهذا ما تشربته منذ الصغر بأنها ضعيفة، ضلع قاصر، وهذا من شأنه أن يُشعرها بأن هذا هو دورها ولا مُشكلة لديها من العيش فيه، وأن كل امرأة تخرج من هذه المساحة فهي تُغرد خارج السرب، وبذلك فإنها تتخذ موقفا لا يقودها للتفكير أو التصرف للخروج عن المألوف.

   

   

كيف تعتزل دور الضحية؟

"المُتلاعب يُصور نفسه أو نفسها ضحية الظروف، أو سلوك شخص ما. كل هذا من أجل أن يحصل على التعاطف والشفقة واستحضار الرحمة. وبالتالي الحصول على شيء آخر من شخص آخر!"

(جورج سيمون جونيور، فهم التعامل مع الناس المُتلاعبة)

     

  

تُكمل الرجوب مقابلتها مع "ميدان" فتقول: "التخلص من لعب هذا الدور ممكن وليس مستحيلا مهما كانت مُسبباته"، كأخصائية وضابط ارتباط فإن أول خطوة تقوم بها "الرجوب" هي التحدث مع أولئك الداعمين المحيطين بمن يعيشون دور الضحية، من الأسرة أو الأصدقاء، وحثهم على مواجهة الضحية بمُشكلتها، ومواجهتها بأنها تعيش دور الضحية الذي يجب أن ينتهي! مع تعزيز ثقتها بنفسها، وتعريضها لخبرات سهلة نسبيا حتى تنجح بها تدريجيا وتكتسب ثقة بأن الحلول قد تنجح أحيانا، وهذا بدوره سيغير فكرتها تجاه نفسها أنها ضعيفة وغير قادرة على النجاح، وسيدفعها إلى مواجهة واقعية الحياة. في الكثير من الحالات ترفض الضحية الخروج من الهالة التي تُحيط بها، وقد لا ينجح الأهل أو الأصدقاء في اتباع منهجية مُعينة تُساعد الضحية على المُضي قُدما، وهنا تقترح الرجوب بأن الدعم النفسي من أهل الاختصاص ضروري لتعديل السلوك.

   

   

تُوضح أيضا أن هناك من يلعب دور الضحية رغم خلو حياتهم من العنف أو مسببات تجعل الفرد ضحية، على سبيل المثال: امرأة انتهى عقد عملها ولم يُجدد، فتستجدي عطف أصحاب العمل بأنها ستُضرب من زوجها إذا لم يُجدد. هي هُنا تتقمص دور الضحية الذي يمنحها التكيف للوصول إلى الغاية الشخصية وتلبية احتياجاتها، فتتأقلم مع دور الضحية، وتستمع بذلك طالما يُلبي ما تُريد. وفي نهاية حوارها مع "ميدان" تُوضح الرجوب أن لعب دور الضحية يختلف عن العيش في دور الضحية، من يعيش دور الضحية يُعتبر مريضا بحاجة إلى العلاج، أما من يلعبه ويتأقلم ويتكيف معه فهو يخدم مصلحته وعلاجه أسهل.

  

التخلف الاجتماعي وسيكولوجية الإنسان المقهور

"الرجال الكُرماء لا يخلقون ضحايا، بل يرعون الضحايا"

(جوليان أسانج)

   

في كتاب "التخلف الاجتماعي"، يعرض الكاتب الدكتور مصطفى حجازي مدخلا لسيكولوجية الإنسان المقهور، حيث يرى أن المجتمع المتخلف هو المجتمع المُصاب بالقهر؛ المقهور. ويوضح من وجهة نظره ثنائية القهر والسلطة، فيرى أن السلطة تُكسب صاحبها صلاحيات تعريض من هم أضعف منه للقهر، ولا يتحدث هنا عن أمور سياسية أو دينية، بل يشمل المجتمع، وكل من له سلطة، الزوج مع زوجته، الأستاذ مع الطالب، الأخ الأكبر مع أخيه الأصغر. ويرى أنها سلسلة مُعدية، فالزوجة التي تتعرض للقهر من زوجها تبحث عن من تُمارس سلطتها عليهم، لتجد أبناءها حيث تبتزهم عاطفيا، والأطفال الذي تعرضوا لهذا القهر يبحثون عن الأضعف، ليؤذوا بدورهم الحيوانات، وهكذا، إلى أن يُصيب القهر المجتمع بأكمله. كما يعرض في كتابه الأساليب الدفاعية التي يلجأ لها الإنسان المقهور (المتخلف)، أحد هذه الأساليب "القدرية"، فيقول:

 

"القدرية هي قانون الاعتباط، اعتباط الطبيعة التي تقسو أو تُعطي دون أن يدري الإنسان متى أو كيف أو لماذا، واعتباط المتسلط الذي يُحيط بوجود الإنسان المقهور. القدرية تُبرر هذا الاعتباط، وتعطيه تفسيرا ما، يدفع المرء إلى قبوله كأمر واقع، كمظهر من مظاهر قانون الكون والأشياء"

   

كتاب "التخلف الاجتماعي.. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، د. مصطفى حجازي (مواقع التواصل)

   

بكلمات أخرى يُمكننا فهم القدرية على أنها تقبل الواقع سواء كان جيدا أم سيئا، أن يستسلم المرء للظرف، ليقف مكانه مُقتنعا أن هناك قوى أكبر منه تتحكم به. ليلعب دور الضحية التي لا حول لها ولا قوة، التي يُمارس عليها الظلم والعُنف، فلا سبيل للضحية إلا اللوم، لوم الناس، الظروف، الحالة الاقتصادية، لوم أي شيء. يُكمل الدكتور حجازي الشرح في جزئية القدرية ويرى بأن القدرية كدفاع تبرز حين يصل العجز مداه، فيقبل بالواقع، وهذا القبول يُصاحبه طمأنينة بسبب التحلل من المسؤولية الذاتية، وبالتالي تجنبه لمشاعر الذنب التي تصاحب -بالضرورة- أي فشل حياتي. ويُوضح:

   

"اللا وعي يضع الإنسان أمام مسؤوليته باستمرار، وهو يُثقل كاهله بهذه المسؤولية دون رحمة أو مهادنة. وتلك وضعية يصعب على الإنسان احتمالها لأنها تخل بتوازنه النفسي إخلالا عنيفا. فما يكون منه إلا أن يتهرب من مُجابهتها بذاته وتحمل مسؤوليتها بإسقاط الأمر على إرادة عليا، أو قوة خفية. فالقدرية -إذن- هي تجنب المرء للصراع العنيف الذي لا بُد أن يعصف بنفسه"

    

  

في الفصل التاسع من كتابه، وهو آخر الفصول، يبسط المساحة لوصف وضعية المرأة في المجتمع المتخلف ويقول إنها أفصح مُعبر عن العجز والقصور، وإنها أكثر العناصر الاجتماعية تعرّضا للتبخيس على جميع الصعد، وإنها تابع لا حرية لها ولا إرادة ولا كيان، إنها ملكية الأسرة منذ تُولد حتى تموت، ويقول:

"نحن لسنا بصدد كيان أو خصائص بيولوجية، ولسنا بصدد ما تشيع تسميته بطبيعة المرأة. إننا بصدد وضعية تُفرض عليها، ومكانة تُعطى لها"

   

في النهاية، فإن الأمر كما وصفه الدكتور مصطفى حجازي يُطابق ما وضحته الأخصائية أمينة الرجوب، فالتشبع من العادات والتقاليد التي لا تفكير معها من شأنه أن ينتج مجتمعا مُتخلفا، ونساء مقهورات يلجأن للعيش في خندق مظلم مخافة أن يواجهن الحياة، ويفضلّن لعب دور "الضحية". وبالطبع الأمر لا يقتصر على النساء، فهناك رجال يعيشون أدوار الضحية أو يلعبونها، ولكن في مجتمعاتنا هذا دور تُعرف به المرأة بنسبة أكبر من الرجل. بينما نشرت الغارديان تقريرا يقول إن أكثر من 40% من ضحايا العُنف المنزلي في بريطانيا هم رجال (5) (6)، وعلى منصة "كيورا" (Quora) سأل أحدهم: لماذا تُصور المرأة نفسها كضحية في سبيل الحصول على حقوقها؟ فكانت إجابة شخص اختار أن يبقى مجهولا:

   

"أنا رجل، ويتم تعنيفي عن طريق سماع جمل غبية كهذه في البرامج الحوارية التي تُحملني مسؤولية كل البلاء الذي سقط على رأس الأنثى. لذا يُرجى من النساء تحمل بعض المسؤولية تجاه أنفسهن، ليتمكن الرجال الذين يعيشون حياة صادقة من التوقف عن الشعور بالذنب تجاهكنّ لأنهم وُلدوا رجالا!" (7)

   

بين اللعب والعيش، وبين الاستغلال والانكفاء، يبدو أن لوم الرجال، والظروف، والماضي لن يُفيد ولن يحل أي مُشكلة. كل ما يحتاج إليه الأمر هو المسؤولية، ولا شيء سوى المسؤولية ومواجهة هذه الحياة بكل ما فيها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار