انضم إلينا
اغلاق
كيف تتعامل مع طفلك إن اكتشفت أنه يكذب؟

كيف تتعامل مع طفلك إن اكتشفت أنه يكذب؟

  • ض
  • ض

تبدأ الحكاية بصندوق كرتوني يُشبه صناديق الأحذية الجديدة، أو رُبما كان فعلا لحذاء جديد، يضم هذا الصندوق 13 شريطا، يجده "كلاي" أمام باب منزله، ويجد رسالة داخل الصندوق تدفعه للاستماع لكل تلك الأشرطة وفق الترتيب المُرقم عليها، وإلى جانب الرسالة، هناك خريطة تدل "كلاي" على الشخص الذي سيحين دوره لتمرير الصندوق له عقب انتهائه من سماع الأشرطة.

  

لم تكن صدمة "كلاي" بسيطة حين ضغط على زر التشغيل للشريط الأول، ليباغته صوت صديقته "هانا" التي انتحرت منذ فترة بسيطة فقط. وقبل انتحارها، قامت "هانا" بتسجيل 13 شريطا بصوتها تُخبر كل من يستمع لها حول 13 سببا دفعوها للانتحار، وقد كان كلاي فضوليا بما فيه الكفاية لمعرفة لمَ قد يكون -هو- أحد الأسباب التي دفعتها للانتحار. تتوالى الأحداث بقضية هذه الفتاة، وفي كل جلسة في المحكمة وأمام كل اعتراف للتحقيق بأسباب انتحارها، تُصدم أم "كلاي" وكذا أبوها بالكثير من الحقائق عن ابنتهم التي كانت تعيش معهم، وكأنها شخص آخر لم يشاركهم الحياة إطلاقا!

  

     

"13 سببا" (13Reasons Why)، اسم المسلسل الذي يعرض الحياة وشكلها من منظور الأبناء، بُعد آخر لا يراه الآباء، فالكذبات البسيطة التي تعلو فم الأبناء قد لا تعني أي شيء على الإطلاق، ولكن من المربك معرفة أن كذبة واحدة قد تكون الفيصل بين التنبّه لمشكلة سلوكية يواجهها الطفل، أو أنه بحاجة إلى المساعدة والتوجيه أكثر، أم أن هذه الكذبة مرّت من بين شفتيه مرور الكرام ليس إلا! حلقة المسؤوليات التي تُطوق الأهل تجاه أبنائهم ولا يضيق قُطرها، فبينما نسمع أقاويل تعتبر الطفل الكاذب أكثر ذكاء من غيره (1)، فهُناك على الطرف المقابل من يقول إن الطفل الكاذب هو طفل يحتاج إلى تحسين في بعض سلوكياته، فكيف يعلم الآباء أي طفل يقف أمامهم؟

   

متى تقلق؟

في البرنامج الحواري "واجِه الحقيقة" (Face The Truth) تطرح المذيعة سؤالا لافتا فتقول: "إن من أسوأ الصفات التي يُمكن أن توجد في الشخص البالغ العاقل هي الكذب، فلماذا نراه طريفا إن كذب الطفل ذو السنتين أو الثلاث؟"، وهذا حقيقي -نوعا ما-، فنحن نعد كذب الطفل بريئا، لطيفا، وآسرا، ويُبهجنا أن نرى طفلا يتلعثم بكلامه هاربا من العقوبة بكذبات مفضوحة. في هذا السياق، تُجيب الأخصائية في الطب العصبي والنفسي جودي هو أن الكذب يبدأ من سن سنتين حتى الثانية عشرة -أي مُنذ بداية قدرة الطفل على الكلام-، ولمعظم الأطفال فهو لا يُعتبر أمرا جللا، فالكثير من الأطفال يلجأون للكذب للهرب من العقوبة لا أكثر، ولكن القلق يبدأ عند تلك اللحظة التي يبدأ بها الطفل بالكذب لأجل الكذب، الكذب دون أن يكون هناك عقوبة تتبع قوله للحقيقة. وتختم بنصيحة جوهرية: "في اللحظة التي يكذب بها الطفل دون سبب، لا تسأله: هل تكذب؟ بل واجهه بسؤال آخر: لماذا تكذب؟".

  

   

في كتاب "الأبوة المترابطة: كيف تُربي طفلا رائعا" تسرد الكاتبة وطبيبة الأطفال جينيفر كولاري قصتها مع ابنتها التي تبلغ من العمر 4 سنوات، عندما وجدت علامة بالحبر مرسومة على محيط الطاولة، كانت تعلم مَن الفاعل ولكنها وجهت سؤالا لطفلتها تستفسر منها عن الفاعل، فأجابت أنها لم تكُن هي. هذه كذبة نموذجية لطفلة بعمرها، وتقول الكاتبة إن الأطفال يكذبون قبل أن يُطور فكرهم معنى الكذب أساسا أو يفهموه. وتعزو الكاتبة السبب إلى أن الطفل يجد الأكاذيب طريقة للخروج من موقف يجده مزعجا. ففي هذه المرحلة تتطور مهاراته اللغوية، ويبدأ باكتساب خبرات وأصدقاء جدد خارج إطار المنزل، ويحاول بين فترة وأخرى أن يبرز مهاراته واستقلاليته من خلال تعامله مع الأمور، وعند هذه المرحلة، وبالتوجيه الجيد، يمكن للأهل تأسيس أرض صلبة يفهم الطفل -من خلالها- تدريجيا أهمية الصدق، وهذا ما سيؤسس شخصية في المستقبل تُقدر الصدق ولا تخاف المواجهة. (2)

  

كتاب "الأبوة المترابطة: كيف تُربي طفلا رائعا" (مواقع التواصل)

     

لا لكُرسي الاعتراف!

تستكمل كولاري في كتابها أنك عندما تتهم طفلك بالكذب فإن اللوزة الدماغية تُضيء (3) (مركز الخوف في المخ) وتتأهب لوضع الدفاع. يُظهر الطفل علامات كالأذرع المتقاطعة وعدم القدرة الكاملة على المشاركة في المحادثة، لأن الفص الجبهي (جزء الدماغ الذي يتعامل مع المنطق والتحكم في النبضات) قد تم تشويشه. في هذه المرحلة، تُصبح مُهمة الأهل والهدف الأساس هو التخلص من التصعيد ومن ثم توفير بيئة هادئة وآمنة لتظهر الحقيقة، ببساطة عن طريق سؤال الطفل أكثر من مرة عمّا إذا كان ما فعله -من الكذب- يبدو صحيحا. في حال لم تُجد هذه الطريقة، تنصح كولاري بمنحهم الوقت بمفردهم للتفكير في الأمر. (4)

     

تُضيف إلى ذلك: "الهدف هو جعل الطفل يربط بين هذا الشعور المربك في بطنه وبين الكذب، حتى يتمكن بعد ذلك من الشعور بقيمة الأحاسيس الإيجابية المصاحبة للصدق". لهذا السبب اضطرت كولاري لأن تبتسم وتحمل طفلتها عندما اعترفت بما فعلته بالطاولة. يسأل الآباء في بعض الأحيان كولاري: "حسنا، ماذا لو أدرك طفلي أن قول الحقيقة هو ترخيص لسوء التصرف؟". ولكنها أشارت إلى أن معظم من هم بين سن الـ (2-12) ليسوا شياطين، فعلى المدى الطويل تخرج الغالبية العظمى من الأطفال من مرحلة الكذب تلقائيا لأنهم سيبدأون فهم قيمة الصدق والأمانة. (5)

   

ماذا تفعل إن تكرر الكذب؟

نصيحة عامة يُقدمها أهل الاختصاص تكمن في عدم تجاهل خصلة الكذب إن كانت واضحة ومتكررة دون سبب، وألّا يعتمد الأهل على أن الزمن كفيل بتغيير طفلهم وإكسابه الوعي الكافي الذي سيجعله يتوقف عن الكذب ويتخذ من الصدق نهجا في حياته، وهُنا دور الأهل: (6)(7)(8)

     

    

- المُساعدة على الفصل بين الخيال والواقع: يميل الطفل في سنواته الأولى للخيال، فإن كان طفلك يستخدم خياله باستمرار كأن يُخبرك أنه سافر للقمر مع أصدقائه، قُم بمجاراته وأخبره أنك تود أن تذهب معه في هذه الرحلة برفقة أصدقائه وحاول أن تُبيّن له الفرق بين الواقع والخيال دون أن تُثبطه أو تقلل من مهاراته. ولكن إن كان الطفل يستعين بالخيال للإفلات من العقوبة، مثل أن يُخبرك أن صديقه الخيالي هو من كسر قطعة ما في المنزل، امنحه أولا مساحة الأمان التي تُطمئنه وأنه لا بأس من قول الحقيقة، وأننا نتمنى أحيانا أن أحدا غيرنا ارتكب بعض الأمور الخاطئة، ولكن الصدق سيكون أفضل، وأن الحقيقة تُساعد على إصلاح الأمور.

  

- كُن لهم الملجأ: إذا شعر الطفل بالقلق من أنك ستغضب، فقد يحاول تجنب إخبارك الحقيقة بأي ثمن. الشيء المهم هو مساعدة طفلك على الشعور بالأمان والدعم ليطمئن أنه يستطيع التحدث معك دون أن يفقد عاطفتك وحبك. في الواقع، يُظهر عدد من الأبحاث أنه عندما تهدد الأطفال بالعقاب بسبب الكذب، فإنهم أقل احتمالا لقول الحقيقة. عوضا عن ذلك، اشرح لطفلك أنه إذا أخبرك بالحقيقة فلن تغضب، وأن الحقيقة أهم لك من أي شيء آخر. ثم استمع بهدوء وتعامل مع أي سلوك سيئ بالتركيز على عواقب أفعاله بدلا من لومه، وامدحه لكونه صادقا معك واعترف له أنك تتفهم أن قول الحقيقة صعب عليه، ولكنه مهم.

   

العواقب بدلا من العقاب: يأتي العقاب عادة من خلفية غاضبة، بينما العواقب تأتي بالنقاش مع الطفل ووضعه في الصورة الكُبرى لنتيجة أفعاله، على سبيل المثال، إذا كذب الطفل بشأن أداء فروضه المدرسية، قُم بمناقشته في هذا الأمر واقترح عليه بعض الأمور التي يُمكنه فعلها للتعويض عن تقصيره الدراسي بدلا من معاقبته.

     

     

لا تقُل له إنه "كاذب": الألقاب ليست مؤذية وحسب، بل يُمكن أن يكون لها أيضا تأثير دائم على كيفية نظر الطفل إلى نفسه، إذ إن وصفه بالكاذب سيجعله يعتقد أنه كاذب بالفعل وسيبدأ بالتصرف في كثير من الأحيان وفقا لذلك.

 

كُن واضحا بشأن توقعاتك منه: أخبر طفلك أن الكذب شيء لا تريده في منزلك إطلاقا، دعه يتعلم أن قول الحقيقة لا يقل أهمية عن السلوك الجيد الذي تتوقعه منه، مثل: التحدث إليك بطريقة محترمة، وعدم التلفظ بالكلمات السيئة، وعدم افتعال المشكلات مع إخوته. كلها توقعات تقف جنبا إلى جنب مع قول الحقيقة.

 

- تحدث عن تأثير الكذب على العلاقات: اشرح له أنه يُمكن للكذب أن يضر بالثقة الموجودة بين الأشخاص الذين يحبون بعضهم بعضا. اطلب من طفلك أن يتخيل كيف قد يشعر إذا كذبت عليه بشأن شيء ما؛ هل سيُشكك بك في المرة القادمة؟ هل سيؤثر ذلك على الطريقة التي يثق بها بك؟ إن الطفل يأخذ هذه التساؤلات والتخيلات على محمل الجد، فلا تستهِن بها.

 

قُم بتقييم صدقك كمُربٍّ: على سبيل المثال، يطلب منك جارك الاعتناء بطفله الصغير، ولكنك تعتذر بحجة أن عليك الاهتمام بقريبك المريض، بينما الحقيقة أنك لا تُريد الاعتناء بطفل الجار لا غير. طفلك هنا سيستمد بعض الأمور منك، وسيفهم أنه من المقبول أن يكذب إن لم تُعجبه الظروف، أو سيفهم أن البالغين يكذبون إن احتاجوا إلى ذلك. (9)

 

البوصلة الأخلاقية

في مَقطع للمربية والكاتبة إيرين كورت على قناتها في يوتيوب تحت اسم (10) "Erin Parenting" تقول إن أهم نُقطة يجب أن يمتصها الطفل بشكل تلقائي من بيئة العائلة هي التذكير بالقيم التي تجمعه وعائلته، وتقترح أن يتم استخدام كلمة "نحن" عوضا عن "أنا، أنت". على سبيل المثال، لا تقل له "يجب عليك ألا تكذب"، بل استبدل "نحن كعائلة لا نكذب" بها، واستغلال كل فرصة لغرس هذه القيم في نفس الطفل، ففي حال كان الطفل يُتابع مسلسلا كرتونيا وأحد أبطال هذا المسلسل قام بالكذب، يجب على الأم تمرير تعليق بسيط: "أرأيت كيف يكذب؟! نحن كعائلة لا نفعل مثل هذا الفعل"، وتمضي. ألّا تقف عند الموقف وتبدأ نقاشا، بل تستغل المواقف لتمرير هذه القيم بتعليقات بسيطة. (11)

   

 

الأهم من كل هذا ألّا يغيب التعبير عن الحب لطفلك، فهذا ما سيطمئنه ويجعله منفتحا بالحديث معك ومشاركتك مخاوفه أو مشكلاته. ومن الجدير بالذكر أيضا أن كل ما يُؤسس له بمرحلة الطفولة هو ما سيسند الطفل في مرحلة المُراهقة التي يدخل معها فصلا جديدا من فصول حياته الأكثر توترا واستكشافا وعُرضة لأن يُخطئ أو يُواجه شتى المشكلات التي لن يفيده شيء أكثر من اللجوء لوالديه والحديث بكل صدق معهم عن التغيرات التي تواجهه أو يشعر بها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار