انضم إلينا
اغلاق
نقاشات مواقع التواصل.. هل نسعى للفهم أم لتوكيد الذات؟

نقاشات مواقع التواصل.. هل نسعى للفهم أم لتوكيد الذات؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

في الأيّام الأولى لظهور الإنترنت، في تسعينيّات القرن الماضي، كان الحالمون بالتقنية يتصوّرون مستقبلا رقميّا متألّقا، يستطيع فيه الناس من شتّى الخلفيّات أن يجتمعوا على الإنترنت معا، وإن لم يصلوا إلى توافق تام فعلى الأقل يكون بإمكانهم أن يتعلّموا من بعضهم البعض. في المستقبل الواقعي الذي نحياه اليوم، لم تسِر الأمور على هذا المنوال؛ إذ يبدو الإنترنت، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعيّ، أشبه بساحة لأعمال الشغب منه بحفلِ عشاء. فالناس يثرثرون دون اكتراث لبعضهم البعض، ومِن ثَمَّ ينحدر النقاش تبعا لهذا.

  

بعضُ هذا ينتج من التقاء أشخاص من خلفيّات متباينة على الإنترنت. من البواعث المحرِّكة لهذا الأمر هو تسرّب بعض المصطلحات المتخصّصة، التي كانت يوما ما حبيسةَ بعض زوايا الأكاديميا (الجماعة العلميّة أو الحقل الأكاديميّ)؛ وخذ مثلا على ذلك مُفرَدَة "نيوليبرالي" و"تقاطعيّ"، إلى الخطاب الجماهيريّ الأوسع، دون وجود توافق على تعريفات دقيقة لتلك المصطلحات. فلو استخدم أكاديميّ تعبير "امتياز أبيض" (white privilege) على تويتر في نقاش مع شخص من خارج الأكاديميا، على سبيل المثال، فإن شيئا من العداوةِ قد يبرز، لمجرّد انعدام فهم مشترك لما قد يعنيه هذا التعبير، وهو أنّ البِيض، في المتوسّط، يحظَون بمزايا معيّنة مقارنة بالأميركيّين الآخرين، وما لا يعنيه، وهو أنّ كلّ البِيض لديهم "امتيازات" بالمعنى المُطلَق.

   

الحروب الملتهبة على الإنترنت تكشف تحوّلا جوهريّا في الكيفية التي يناقش بها الناس القضايا العامّة

دريمز تايم، أثولبادي
  

لو بحثتَ في غوغل عن "لا يوجد شيء يسمّى الامتياز الأبيض" (no such thing as white privilege)، فستجد كثيرا من الناس يتجاوبون لا مع ما يعنيه المصطلح حقّا، وإنّما مع المعنى المغلوط له. وأحد الأمثلة على هذا الأمر هي المعلّقة السياسية المحافِظة بريجيت غابرييل التي حصلت مرة على نحو 5 آلاف إعادة تغريد على تويتر عندما كتبت تقول: "أنا مهاجرة أميركيّة عربيّة لبنانية المولد، ولديّ ثلاثة كتب هي من أفضل الكتب مبيعا، وأسّست منظّمة قوميّة. ويمكنني القول إنه ليس هناك ما يسمّى "الامتياز الأبيض"". بالطبع قُوبِلَت بكثير من الردود الغاضبة التي تتهمها بأنّها أساءت تفسير المصطلح.

 

بالنسبة للمدوِّن السويديّ جون نيرست، فإنّ الحروب الملتهبة على الإنترنت من هذا القبيل تكشف تحوّلا جوهريّا في الكيفية التي يناقش بها الناس القضايا العامّة. يعتقد نيرست وحركة ناشئة من المعلّقين الآخرين على الإنترنت أنّ ديناميكيات النقاش والمناظرة في الوقت الراهن، خاصة نقاشات سوء الفهم وسوء النيّة التي تؤدّي إلى تلك الحروب الملتهبة على الإنترنت، تستحقّ الدراسة في حدّ ذاتها. في رسالة إلكترونية، يشرح نيرست الأمر قائلا: "تقوم جدالات ومناظرات متفاوتة التعقيد مع تباين كذلك في مستويات المنخرطين في النقاش، ومن ثَمّ يتبادلون عددا وفيرا من الأفكار فيما بينهم. لو أضفنا إلى هذا ميزة إخفاء الهُويّة، فإنّه يعسُر علينا معرفة نيّات الناس، وتصبح معرفةُ مقاصدهم أصعب"، ويضيف أنه يصبح من الصعب أيضا معاملة آراء الآخرين ووجهات نظرهم بلُطف وقبول وترحاب.

 

منذ سنوات قليلة مضت، وبعد أن ألهمه هذا الارتباك المتسارع في طبيعة نشوء الخلافات وسيرها عادة، وَضَع نيرست، الذي يصف نفسَه أنّه "مهندس أنظمة اجتماعيّة-تقنيّة يربو عمره على ثلاثين عاما، ذو شغف أكاديميّ غير منتظم بالرياضيّات والفلسفة والتاريخ وعلوم الحاسوب والاقتصاد والقانون وعلم النفس والجغرافيا والعلوم الاجتماعيّة"، أُسُسَ ما يسمّيه "إيريسولوجي" (erisology) أو دراسة الخلافات نفسِها. وهاكم تعريفه لهذه الدراسة:

   

حين كرَّس اليونانيّون القُدامَى نصوصا لدراسة وفهم البلاغة والجدل، أو الإقناع والمنطق، بتبسيط مخُلٍّ بعضَ الشيء؛ فإنّ الخلاف أصبح محكوما بقواعد خاصة

مواقع التواصل
   

إنّ "الإيريسولوجي" هي دراسة الخلافات، وتحديدا دراسة الخلافات الفاشلة. إنّ الخلاف الفاشل هو الذي يشمل تبادلا للآراء تكون آراءُ المشاركين فيه في نهايته أكثر تنافرا منها في بدايته؛ ما يعني أنّ تبادُل الآراء هذا كان مجرد ثرثرة دون اكتراث للطرف الآخر و/أو تبادل للسِّباب. إنّ الخلاف الفاشل حقّا هو حين يدفع الناس بعضهم بعيدا عن بعض، وهو أمر شائع بشكل مزعج. مصدر كلمة "إيريسولوجي" (erisology) هو الإلهة اليونانية "Eris/Εριις"، إلهة الصراع، التي برهنت في العصور العتيقة أنّ بإمكان المرء أن يُدخِل الناس في نزاعات من خلال إعطائهم رسائل غامضة وتركهم يفسّرونها حسبما يخدم مصالحَهم ووَفقا لتحيُّزاتِهم الخاصة.

   

وكما نعلم عن إيريس، تلك التي تسبّبت في حرب طروادة، فإنّ الجدل ليس بالشيء الجديد، وكذلك الأمر بالنسبة لدراسة ماهيته. إلّا أنّه حين كرَّس اليونانيّون القُدامَى نصوصا تغطّي آلاف الصفحات لدراسة وفهم البلاغة والجدل، أو الإقناع والمنطق، بتبسيط مخُلٍّ بعضَ الشيء؛ فإنّ الخلاف أصبح محكوما بقواعد خاصة. فعليك اتّباع قواعد معيّنة لكي تُقنِع شخصا ما بشيء، وذلك فيما يتعلّق بكيفيّة بناء حجّتك وصياغتها، وإلّا فإنّ حديثك يندرج تحت هذا النوع من الحديث العاطفيّ الانفعاليّ. إنّ غايةَ كلّ هذه الجهود هي تنشئة كتّاب وخطباء مهرة، وتأسيس رؤى ذات مستوى أرفع من خلال الخوض في خلافات ونقاشات منضبطة.

   

في السنواتِ التي تفصلنا عن تلك العصور، تدرّب عدد لا يُحصَى من الشباب، في معظم المجتمعات، خاصة الغنيّة والمثقّفة، على تلك الفنون. ثم كتَبوا مُحاجَجات كان الغرض منها أن يقرأها منافِسُوهم أيديولوجيًّا، مثل مقالات الرأي اليوم، أو انخرَطوا في فعاليات خطابيّة، تشبه منافسات المُناظَرة، كان الغرض منها إسماع الآخرين صوتَهم ومُحاجَجَتُهم. كان هذا النظام فعّالا لأنّه، نظريّا على الأقل، يتّفق الجميع على قواعد معيّنة، توارثتها الأجيال على مرّ العصور في صفوف دراسيّة حول ماهيّة وتكوين الحجّة الفعّالة أو تلك التالِفة المبتورة. وحتّى لو لم ينتج عن تلك النقاشات كثير من الإقناع، فإنّ الجميع بشكل أو بآخر يخوضون ذات التجربة.

    

  

لقد أصابَ الصعودُ الاحتفائيّ بالقيم شبه العالميّة عن الديمقراطيّة والتعليم بشكل عام، وأيضا التحلّل الجزئيّ لطبقة أرستقراطيّة راسخة، هذا النظامَ ببعضِ التفكّك؛ وأدّى بروز الإنترنت إلى تدميره كلِّيّة. في المجمل كان هذا أمرا جيّدا؛ فقد ازدادَ، وأكثر من أيّ وقت مضى، عدَدُ مَن صار لديهم منبر يعبّرون فيه عن مواقفهم. إلّا أنّ لهذا التحوّل مضاعفات أيضا. فتماما مثلما أدّى سباق الفضاء حتما إلى تقدّم في علوم وفن الطيران، تعِد هذه الطفرة في المناظرات والمُحاجَجات الإلكترونيّة بشَغل أولئك الباحثين الواعدين في مجال الإيريسولوجي (دراسة الخلافات).

  

يأمل نيرست أنّ يدرك الباحثون المزيدَ حول دور تبايُن المعتقدات والفرضيّات في توجيه ردّة فعل البشر بشكل مختلف تجاه ما يجري حولهم في العالم. يقول إنّ فهم هذا الأمر جيّدا "يجعلنا أكثر تواضعا عند مواجهة مهمّة التفاعل مع عقول أخرى بطريقة غير مباشرة". ويمكن أيضا أن يتوفّر لدينا رؤى حول كيف يمكن أن تتسبّب محفّزات بعينِها في إخراج خلافات ما عن السيطرة. قال نيرست إنّه "يودّ لو عرف المزيد عن الكيفية التي تحدث بها عمليّةُ تفسير العبارات الغامضة والتي تبدو محمّلة بالمعاني المضمرة في الدماغ". يطرح نيرست رؤيته حول إيريسولوجي في صورة تدوينات مطوَّلة ومصوغة بعناية، مستعيرا بحريّة من أفكار الآخرين وبانيا عليها؛ كما لو كان غرضه قلب الخطاب الإلكتروني الراهن القائم على فرط الحركة والصراخ وثقافة "تغريدة غاضبة في الدقيقة".

 

مفهوم "الفصل" (decoupling) يلخّص معنى إيريسولوجي في أبهى صوره. يصف نيرست هذا المفهوم، اعتمادا على كتابات عالمة الرياضيّات والمدوِّنة سارة قنسطنطين، والتي بدورها اعتمدت على أعمال عالم النفس كيث ستانوفيتش، بأنّه ببساطة فكّ السياق الخارجيّ عن زعم ما، والدخول في نقاش وجدل حول هذا الزعم في حدّ ذاته، بدلا من ضبابية الأيديولوجيّات وما يرافقه وما يُحتمل أن يدور حوله. 

   

  

حين سمعتُ للمرّة الأولى بمفهوم "الفصل"، سارعتُ بالتفكير في الأسلوب العصبيّ الذي يُناقِش به الليبراليّون أبحاث الذكاء. هناك دليل دامغ على أنّ هناك عاملا وراثيّا يؤثر بشكل كبير في ذكاء المرء، كما يعرِّفه ويقيسه العلماء الاجتماعيّون. فبحسب بعض التقديرات، تحدّد العوامل الوراثيّة نصف مقدار التبايُن في الذكاء بين الأفراد. لا علاقة لأيّ من هذا بالعِرق؛ لأنّ العِرق لا يحيل بشكل مباشر إلى الاختلافات الجينية. إلّا أنّه بسبب القمع والماضي الكريه الناجم عن الربط بين الذكاء والوراثة، أي، لأنّ بعض الأفاقين لَطالَما استشهدوا بحماسة ببعض "أبحاث" فارغة المضمون تدّعي إثباتَ التفوّق الطبيعيّ للأوربيّين، غالبا ما يؤول النقاش عن الدراسات الرصينة حول الذكاء إلى خلاف حاد، لاحتماليّة إساءة توظيفها.

 

عندما يدخل مفهوم مثل "الفصل" إلى قاموسك، يصبح بإمكانك تحديد نماذج لحالات لم يعُد الخلاف فيها حقّا حول "س"، وإنّما حول "ص" و"ع". حين أثار بعض القرّاء شكوكا في البداية حول خبر فاقد للمصداقية نُشر في مجلة "Rolling Stone"، يصف حالة اغتصاب جماعيّ مفزعة في جامعة فيرجينيا، أشاروا فيها إلى تناقضات في الرواية وسرد الخبر. وأشار آخرون إلى أنّ هذا التعليق يتلاءم مع أفكار نمطية سلبية عن نساء يختلِقنَ مزاعمَ بالاغتصاب؛ ومن ثَمَّ وجبَ رفض هذه القصص منذ البداية. لم يكن الجانبان في حالةِ نقاش حقيقيّ؛ فأحدهما كان يناقش ما إذا كانت القصّة محض خدعة واختلاق، فيما كان الطرف الآخر منشغلا بالقضيّة الأوسع حول ما إذا كانت مزاعم الاغتصاب تُؤخذ على محمل الجدّ. وبالمثل، حين يقدِّم العلماء دليلا راسخا على أنّ الميول الجنسيّة هي أمر غريزيّ فطريّ، أو قريب من هذا، ينتقد المحافظون النتائجَ التي قد تؤدّي إلى "التطبيع" مع الشذوذ. غير أنّ الخلاف حول الأفعال الجنسيّة التي ينبغي أن يثني المجتمعُ أفرادَه عنها، لو كان هناك أيٌّ من هذه الأفعال، هو أمر منفصل تماما عن مسألة ما إذا كانت الميول الجنسيّة هي في الواقع شيئا فِطريّا. وبسبب فشلٍ ما في "فكّ الارتباط"، يستجيب الناس للمزاعم بسخط، حين يكونون في الواقع منزعجين بشأن كيفية تفسير تلك المزاعم.

 

يعتقد نيرست أنّ بالإمكان تقسيم العالَم إلى قسمين، من هم "بارعون في فكّ الارتباط"، أي الذين يسهُل عليهم الفصل وفكّ الارتباط، و"ضعاف القدرة على فكّ الارتباط"، أولئك الذين يصعُب عليهم الأمر. وفي هذا المجال بالتحديد يمكن للإيريسولوجي أن يقدِّم رؤى تجريبيّة حول ما يميّز قدرات الناس على فكّ الارتباط والفصل. يعتقد نيرست أنّه في المجمل يسهل الأمر على ذوي العقليّات العلميّة البحتة، فيما يكون عسيرا على ذوي الرؤى الفنّيّة. في نهاية المطاف، فإنّ كونَ المرء فنّانا يشمل قدرته على رؤية الارتباط حيث لا يرى الآخرون ذلك؛ ولذا فربّما يصعُب عليهم ألّا يروا ارتباطا في بعض الحالات. ربّما كان نيرست مُخطِئا. على أيّ حال، فإنّ هذه الفرضيات يسهل اختبارُها نوعا ما إذا ما انتشر هذا العلم.

   

  

من الساحات الأخرى المحتملة لصعود الإيريسولوجي إنتاج وساطات لتعزيز أساليب أفضل للجدل والنقاش. يشرح نيرست الأمر بالقول: "لو صار الإيريسولوجي حقلا علميّا منضبطا، فيسكون من المثير أن نرى إن كان تدريب الناس على إدارك المزالِق الشائعة في الخلافات سيجعلهم يتناقشون ويجادلون بصورة أفضل ومِن ثَمَّ يصبحون أقلّ استجابة للحجج الرديئة. وكما أشرنا آنِفا، فإنّ الدراسات التجريبيّة وحدها قادرة على تقديم الجواب عن هذا التساؤل.

 

نيرست شخص غزير الإنتاج، وللوهلة الأولى قد يبدو هذا المجال واسعا وعصيّا على التبسيط بعضَ الشيء. لكنه يشرح في مقالته "ما الإيريسولوجي؟" (What is Erisology?) أنّه "من أعماقِ فؤادِه" يعتقد أنّ المجال الجديد ينبغي أن يرتكز على رؤى مستمدّة من مجالات تربو على العشرة، بدءا من الفلسفة والأنثروبولوجيا إلى النظرية ما بعد البنيويّة. وحسبما أوضح لي، فإنّ التفاصيل "موزّعة بين 70 تدوينة و170 ألف كلمة"؛ وهذا تقريبا يصل إلى ما قدرُه كتابان من التنظير. ما إن تعرف المزيد حول الإيريسولوجي حتى تدرك تطبيقاته المحتملة في كلّ زاوية من زوايا العالم.

 

حين عرضتُ مفهوم "إيريسولوجي" على اثنين من علماء السياسة يدرسون الخلافات، لقيتُ تجاوبا سلبيّا على غير المتوقّع. رغم أنّ نيرست زعم أنّه "لا أحد بحاجة إلى الإقناع" بشأن الطبيعة العدائيّة غير المبرَّرة للخطاب الإلكترونيّ، فإنّ إميلي تورسون، أستاذة العلوم السياسيّة بجامعة سيراكيوز في نيويورك، غير مقتنعة بهذا. تقول في رسالة إلكترونيّة أرسلتها إليّ: "في الواقع أنا بحاجة إلى إقناعي بهذا الأمر، أو على الأقلّ بالأثر الهائل لهذا وهو أنّ "الخطاب الإلكترونيّ غير الحضاريّ" هو مشكلة حرجة تتطلّب تأسيس حقل معرفيّ جديد لحلّها. قد أحتجّ بأنّ أكثرَ الخللِ الذي نراه في التفاعلات بين البشر على الإنترنت ما هو إلّا عرض لمشاكل اجتماعيّة أكبر وأقدم؛ منها، على سبيل التمثيل لا الحصر، العنصريّة وبُغضُ النساء. ومن الأفضل أن نقضيَ وقتنا في معالجة وحلّ هذه القضايا والإشكاليّات".

   

  

تزعم تورسون أنّ الخلافات على تويتر أو سيل التعليقات لا تعني بالضرورة أنّ الناسَ "يحاولون فَهمَ بعضهم البعض ولكنّهم يُخفقون في هذا بسبب بعض "المزالِق"؛ وإنّما هم يسعون إلى التوكيد على هويّتهم، وعادة ما يشمل هذا التحقير العنيف لشخص ذي هويّة مختلفة عنهم. لذا فهذه المداولات لا تعبّر عن "اختلال وظيفيّ"؛ وإنما هي تعمل وَفقَ ما يقصده منها المشاركون فيها: دفاعات عن هويّتهم، لا منتديات للتداول".

 

تشير سمارا كلار –الأستاذة المشاركة في العلوم السياسيّة في جامعة أريزونا، والمؤلّفة المشاركة في كتاب "سياسات مستقلّة: كيف يؤدّي الازدراء الأميركيّ للأحزاب إلى الخمود السياسيّ" (Independent Politics: How American Disdain for Parties Leads to Political Inaction)– إلى أنّه رغم كلّ الحديث عن الكراهية على الإنترنت، فإنّه في الواقع لا يوجد دليل كافٍ على أنّ الناس المختلفين سياسيًّا يتربّصون ببعضهم البعض بالتواتر ذاته الذي قد تشير إليه تغريدات تويتر المخضّبة بالدماء. بل على النقيض، هناك دليل على العكس: فعدد متزايد من الأميركيّين قد سَئِموا الخلافات السياسيّة المحمومة، ويبتعدون عنها. في هذا الصدد تشير كلار إلى بحث يشير إلى أنّ الناس يعتقدون أنّهم لن يروقهم الانخراط في نقاشات سياسيّة مع أولئك الذين هم على طرفِ نقيض منهم؛ ولكنهم حين ينخرطون معهم في نقاش (في بيئة تجريبيّة واقعيّة)، ينتهي بهم المطاف وقد راقتهم التجربة. تقول كلار: "الحقيقة هي أنّ نسبة متزايدة من الأميركيّين غاضبون بشأن السياسة بشكل عام أكثر من غضبهم تجاه أعضاء من أحزاب أخرى على وجه التحديد".

 

غير أنّي ما زلتُ من مؤيّدي الإيريسولوجي، خاصة إذا كان الإجهاد/الملل السياسيّ هو ما يُنهِك الأميركيّين. حتّى قبل حديثي إلى أستاذتي العلوم السياسيّة هاتين، فقد أكّد نيرست أنّ فهما أفضل للنقاشات الإلكترونيّة اليوم قد يساعدنا على التعامل مع تجاوزاتها والتغلّب عليها. وقد كتب إليَّ يقول: "لقد سَئِمَ معظمُ الناس الصراخَ حقًّا ويرغبون في رؤية المزيد من الدقّة (وَفقا للاستطلاعات، إلخ)؛ وآمُل أن يكون بمقدورنا قريبا خلقُ شيء من المناعة الثقافيّة تجاه إغراءات الغضب وفرط الحماسة. إنهما ظاهرتَان حديثتان بعضَ الشيء في هذا المجال، ويحدوني تفاؤل حذر بهذا الشأن. حين نُدرِك هذا المستقبل –إن حدَثَ هذا– فقد نقدِّر وندرك قيمةَ امتلاك أدوات فهم ما جرى وكيفية الخلاص منه".

--------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة

هذا المقال مترجَم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار