انضم إلينا
اغلاق
سقراط وفن المناظرة.. كيف تختلف دون أن تفسد للود قضية؟

سقراط وفن المناظرة.. كيف تختلف دون أن تفسد للود قضية؟

  • ض
  • ض

"الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية"

(مثل قديم)

   

طفلة في الحادية عشرة من عمرها، يُفتح لها باب مكتب المُحامي الأشهر في كاليفورنيا لتنبهر ببراءة لرؤية الشخص الحقيقي وراء كل تلك الإعلانات التي تملأ الشوارع. آنا فيتزجيرالد، الفتاة التي أسرتنا في فيلم "ماي سيستر كيبر" (My Sister's Keeper)، والتي ترفع قضية على والديها اللذين يُرغمانها منذ ولادتها على التبرع بأعضاء وإجراء عمليات صعبة جدا أشرس من أن يحتملها جسدها الطري. يمكننا القول إنه قد تم تصميم آنا قبل ولادتها لتكون مُطابقة تماما لكل ما تحتاج إليه أختها (كيت) المصابة باللوكيميا، والتي تُواجه مُشكلة في تطابق المانح أو وجود متبرع من الأساس، لتكون آنا أشبه بمحل غيار مضمون. تتوجه الطفلة للمحامي بحجج واضحة، وأوراق تُثبت ما تقول، واعية تماما بمطلبها الذي ينص على منحها الحرية بالتصرف في جسدها وحدّ سلطة والديها عليه، ومستعدة لأن تواجه أمها في قاعة المحكمة التي بسببها وبسبب إصرارها على تأخير الموت الذي سيلتهم أختها كيت حُرمت من اللعب، أو الإجهاد، أو حتى العيش كباقي من هم في سنها.

   

تلعب أمها على وتر العواطف، وتُخبرها بأن مصلحة العائلة أهم من المصلحة الفردية، وأن أختها تواجه خطر حياة أو موت، أما آنا فخسارتها أقل، مجرد نشاطات ستستغني عنها. وبالرغم من كل هذه المشاعر فإن آنا تبقى ثابتة، تُريد جسدها، تريد حياة طبيعية ولن ترتضي التضحية بها حتى لو كانت بذلك تُضحي بعائلتها. قوة ظاهرة على فتاة في الحادية عشرة، مهارة في الكلام، منطق لا يغيب عن كل حجة تُقدمها، أوراق تخدم كل نقطة تُريد بها أن تُثبت الفكرة التي تؤمن بها والتي تواجه بها أقرب الناس إلى قلبها. هل يُمكن لطفل في الحادية عشرة لا يقف أمام كاميرا ليُصوّر فيلما هوليوديا أن يتحلى بكل هذه المهارات، أم أن هذه مهارة سينمائية تُقرأ من سيناريو مكتوب ليس إلا؟ وهل نحن بحاجة من الأساس إلى أن نُتقن فن المناظرة؟ وبغياب كل هذا، هل يمكن للمشاعر أن تُفسد الحوار وتُخلف خلفها تعصبا وتنمرا أم أن المشاعر ضرورية لإثبات وجهات النظر؟

  

   

الشحن العاطفي والقناعة المتحجرة.. كارثتان تحل بالحوار!

في حوار مع "ميدان" تقول التربوية ومؤسسة منهج "فن المناظرة" للمرحلة المتوسطة في المدارس الأميركية في الكويت الأستاذة فاتن العسيلي إن فن المناظرة مهارة ضرورية في الحياة الشمولية، مهمة للطالب لأنها تتيح له تمرين مهارات المنطق، والتفكير، والتفنيد، وكيفية إعطاء الحجج مع الاستعداد على مواجهة الخصومة أو المعارضة. وهي مهارات تُؤسس التفكير النقدي، وأيضا تُساعده في اختيار القناعات التي يريد اتباعها على أسس منطقية وليست عشوائية. إلى جانب أنها تُكسب الطالب ثقة بالنفس، خصوصا في مرحلة المراهقة التي ينتقل بها من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد. وتوضح العسيلي أنه في هذه المرحلة يميل المراهق للتمرد، وتعطي مفارقة لطيفة بين الأطفال والمراهقين، فتقول إن الأطفال بين سن الثانية والرابعة كلمتهم المفضلة "لا"، يرفضون كل شيء دون إعطاء سبب. وفي مرحلة المراهقة يُعاد المرور على كلمة "لا" والرفض والتمرد ولكن بوجود سبب، إلا أن المراهق أحيانا يفتقر القدرة على التعبير عن السبب أساسا! 

      

الثقة بالنفس التي يكتسبها الطالب تكون بسبب اعتلائه منصة أمام جمهور، يقابل الخصم، يُدافع عن قناعاته أمام الجميع، لا أن يختار ممارسة قناعاته في غرفة مغلقة. فمواجهة من يختلف عنك دون اللجوء للسخرية أو التقليل من شأن المختلِف، أو النظر له بنظرة دونية، هي إحدى الركائز التي ترتكز عليها مهارات المناظرة التي يجب تنميتها في الطالب، وترسيخ فكرة أن من يختلف عنك ليس أقل فهما، أو إدراكا. وأيضا من يختلف عنك يختلف مع الفكرة نفسها أو الموضوع الجدلي، لا معك أنت شخصيا، مع ضرورة فهم الطالب أو المراهق في سن مبكرة أن الاختلاف لا يكون شخصيا، فلا داعي للتعصب، كل ما في الأمر أن هناك فكرة يقف مؤيدها في صف على استقامة واحدة ومتساوية مقابل من يعارض هذه الفكرة. وتؤكد العسيلي أن فترة المراهقة هي فترة تكوين بعض المفاهيم التي يمكن لردة الفعل تجاهها أن ترسخ مدى الحياة.

   

    

توضح العسيلي لـ "ميدان" أهمية مهارة فن المناظرة التي تتمثّل بأن القرعة هي من تحدد مكانك إن كان في الموالاة للقضية المطروحة أو المعارضة. وفي كلتا الحالتين، يجب أن تكون متأهّبا، متمّما لعملية البحث التي ستجعلك تقف مكان الآخر، لتقدم ما عندك بكل عقلانية. وهذا يُنمي التعاطف العاطفي والتفهم، وترى بأن هذا يفيد الطالب عندما يصل لمرحلة الشباب التي سينخرط بها بمجالات العمل المتعددة، وسيكون واعيا أن المنظومة التي يعمل بها لا يعمل بها وحده، بل هناك أكثر من فريق تتباين بينهم وجهات النظر، ومن الضروري تقبل واحترام وجهات النظر على اختلافها دون تعصب، بل سيكتسب الطالب المرونة التي تخوّله -كفرد- من فهم وقراءة طريقة التفكير المعاكسة له، حتى لا يكون أحادي الرؤية.

 

وعند سؤالها عن مدى أهمية ضبط حديث الطفل أو المراهق أجابت العسيلي بأنه على العكس، يجب على الطفل أو المراهق أن يحتج، ويناقش، ويُعارض ويجادل، ولكن من الضروري أيضا أن يفهم كيفية النقاش. ومن الخطأ أن تُسكت الطفل أو المراهق، وأن تطلب منه الالتزام بالصمت في فورة نقاشه. بل يُمكنك أن تطلب منه إثباتات على وجهة نظره، هذا سيمنحه شعورا كبيرا بأن المستمع يحترمه، وبأنه يتحمل مسؤولية ما يقول، ويُعزز لديه الرغبة في البحث واستقصاء ما يقف خلف آرائه. وهذا سينعكس -مستقبلا- على تعامله مع الآخر، فالطريقة التي كان يُعامل بها من قِبل أهله، سيُسقطها على الآخرين مستقبلا. وهي مهارات اجتماعية ستفيده في العالم الوظيفي، والعالم الخارجي خارج إطار الأسرة.

  

   

وتؤكد العسيلي في حوارها مع "ميدان" بأنه من المهم أن يتعلم الطفل أن خسارة وجهة نظره لا تعني خسارته، إنما هي خسارة للقضية المطروحة. حيث إن المنطق لا يُجادَل، فكما أن 1+1=2، فإن البُعد المنطقي الذي سيكتسبه الطفل من فن المناظرة يتمحور في أن وجهة نظره من الوارد جدا أن يُثبَت أنها خاطئة تماما، وهذا لا ينقص منه شيئا. وسيكسبه روحا رياضية في التعامل مع الاختلاف لاكتسابه نظرة شمولية أكبر من أن يُضيقها حول ما يفكر به هو فقط، مع ضرورة عزل المشاعر -غير المنطقية- عند المناقشة، وترى بأنها مهارة مهمة في العصر الحالي الذي باتت لغة الحوار به معدومة، وبات التعصب للرأي والتطرف والمشاعر التي تزيد من وتيرة توتر الشخص، وتعمل عمل الغشاوة التي تمنعه من البحث، والتقبل، والاستماع، حاضرة بقوة. وتُعلق:

   

"الخطأ الأكبر الذي يُلغي لغة الحوار تماما هي القناعة بأن المتحدث هو الوحيد الذي يفهم!"، تحضر هذه الأخطاء في الخطابات للتقليل من شأن الخصم. وللتعزيز من غرس مهارة الإنصات واحترام الآخر تقول العسيلي بأنها تستشهد بالإرث الديني لطلابها، فمن وجهة نظر إسلامية فإن أول مناظرة كانت بين الله وإبليس، فالله سمح له بالمناقشة في أمر السجود، ومنحه قدرة الكلام، وجعل هذه المناظرة تستمر بدل أن يُسكته أو يوقف النقاش رغم قدرته على ذلك.

   

فن المناظرة.. مهارة مكتسبة فكيف السبيل لاكتسابها؟

"دعنا -يا صديقي- ندرس في السؤال معا، فإن كنت تُناقض أي شيء أقوله، حاججني به وسأقتنع"

(سقراط، مُفكر يوناني)

   

في حوار لـ "ميدان" مع طالبة تخصص الإذاعة والتلفزيون في جامعة الزرقاء، الأردن، ياسمين الجمل، الحائزة مؤخرا على المركز الأول في مناظرة بعنوان "الشباب غير قادر على تولي المناصب القيادية" وكانت في الفريق المؤيد لهذه المقولة، في سؤالها عن الأسباب التي دعمت أداءها وأداء فريقها قالت: "تقمص دور المؤيد لهذه المقولة حتى لو لم أقتنع بها، وأن أضع نفسي مكان الفريق المُعارض وأفكر بحججهم حتى يسهل عليّ وضع خطة تفنيد ودحض. وأهم مهارة هي الإنصات والاستماع لحججهم بتركيز واهتمام حتى ألتقط ثغراتهم وأخطاءهم -حتى لو كانت غير مقصودة-". وفي سؤال آخر، لتوضيح هل من دورات أو مواد عززت مهارتها، قالت: "نعم، إنها مهارة مُكتسبة، ولم أكُن أتحلى بهذه المهارات من قبل. حيث اشتركت في برنامج "أنا أشارك" (1) لتمكين الطلاب من المشاركة السياسية التابع للمعهد الديمقراطي الوطني (NDI) في الأردن".

  

المفكر اليوناني سقراط (غيتي)

     

جدير بالذكر أن منصات عديدة تقدم الكثير من الدورات المجانية التي يُمكن الاشتراك بها وتعلم المهارات الأساسية لإتقان فن المناظرة. تتوفر أيضا العديد من المناهج المخصصة للمرحلة المتوسطة أو الأعمار التي تسبق سن الشباب قبل الانخراط في ساحة العمل. وهذا ما تُقدمه منصة Virtual Speech التي تعرض منظومة المناظرة لأكثر من مجال، من خلال دورات ومقالات ومقاطع مصورة لنماذج ناجحة من المناظرات، وخانة مخصصة للدورات المناسبة للأطفال في المرحلة المتوسطة. وعلى الرغم من كل هذا الزخم الذي يُسلط الضوء على هذه المساحة من المهارات، فإن جميعها تستند إلى إرث قديم، فهي ليست وليدة اللحظة أو العصر الحديث، بل قديمة بعمر سقراط! (2) (3)

  

   

المحاضرات وسيلة غير كافية!

يعتقد سقراط بأن المحاضرة لم تكن وسيلة فعالة لتعليم جميع الطلاب. يتطلب الأسلوب السقراطي حوارا جدليا تعاونيا بين الأفراد، وطرح الأسئلة التي تحفز التفكير النقدي والإجابة عنها، وتستخلص الافتراضات الأساسية. فيعتمد يوما سقراطيا، يوم الندوة السقراطية، كانوا بها يستمعون إلى زملائهم في الصف، ويتحدّون ما يسمعونه من خلال بناء حجة تستند إلى ما قرأوه وسمعوه، وبذلك يفكرون ليس فقط في آرائهم ولكن آراء زملائهم في الفصل. هذا يشجع الاستماع والتفكير والقراءة والتحدث بشكل نقدي، والشعور بشعور من العجب حول المعرفة في العالم. وسرعان ما يكتشف الطلاب أنه لتحقيق النجاح في الأسلوب السقراطي يجب أن يصبحوا مستعدين للمشاركة والاستماع والتأمل. (4) (5)

   

    

الحوار، والنقاش، والجدال، والاعتراض، مساحة شاسعة من يومنا في العصر الحالي تنفرد ببساط مخملي تحت هذه المفردات، وبين نقرات أصابعك على لوحة المفاتيح التي ترقبها العيون، الشاشات المختلفة الأحجام التي تقتحم حواراتنا كل يوم، شاشة تحتضنها قبضة يدك، وأخرى تحدق بها على مكتبك. الفهم الصحيح لما تعنيه هذه المصطلحات قد يكون السلاح الذي يُمكّنك من انتهاج خط معرفة سليم وواضح وليس عبثيا أو عشوائيا. إن كل ما يميل للتطرف أو التعصب يعود على الحوار وأطرافه بنتائج لا ترقى للحوار، بل للنقاش والجدال والاعتراض أساليب تُبقي الفكرة في مكانها كفكرة في الرأس، لا أن تتقمص الجسد لتُصبح أنت الذي يُهاجِم أو يُهاجَم!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار