انضم إلينا
اغلاق
رحلة في الظلام.. كيف يفقد الإنسان إدراكه أو يستعيده؟

رحلة في الظلام.. كيف يفقد الإنسان إدراكه أو يستعيده؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

في مساء يوم الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول لعام 2004، في قرية ماديران الصغيرة الواقعة جنوب غرب فرنسا، دخل رجل يُدعى جان لوك جوسوا فيرغيس في أنفاق مزرعة للفطر مهجورة وضل طريقه. كان جوسوا-فيرغيس، البالغ من العمر أربعة وأربعين عاما ويعمل صحفيا في أحد المراكز الصحية المحلية آنذاك، يعاني الاكتئاب. قاد سيارته إلى التلال بصحبة زجاجة من الويسكي وحفنة من الأقراص المنومة، تاركا وراءه زوجته وابنه البالغ من العمر 14 عاما في المنزل. بعد أن قاد سيارته من طراز لاند روفر وصولا إلى نفق المدخل الكبير لمزرعة الفطر، أضاء مصباحه الكهربائي وسار متعثرا في الظلام.

  
شكّلت الأنفاق، التي حُفرت في الأصل في التلال الكلسية لتكون منجما طباشيريا، متاهة يبلغ طولها خمسة أميال من الدهاليز المتداخلة والممرات الملتوية والنهايات المسدودة. سار جوسوا-فيرغيس في أحد الممرات، ثم انعطف وانعطف مجددا. ضعفت بطارية المصباح ببطء، ثم انطفأ؛ بعد برهة وبينما كان يخوض في أحد الممرات الموحلة انخلع حذاؤه من قدميه وابتلعه الطين. فتعثر حافي القدمين عبر المتاهة، متحسسا طريقه في الظلام الدامس، باحثا عن مخرج بلا جدوى.

  
بعد ظهر يوم 21 يناير/كانون الثاني لعام 2005، أي بعد 34 يوما بالضبط على أول مرة دخل فيها جوسوا فيرغيس الأنفاق، قرر ثلاثة فتيان مراهقين محليين استكشاف مزرعة الفطر المهجورة. وعلى بُعد خطوات قليلة من ممر المدخل المظلم، اكتشفوا سيارة لاند روفر فارغة، تُرك باب السائق فيها مفتوحا. اتصل الأولاد بالشرطة فقامت على الفور بإرسال فريق بحث. وبعد 90 دقيقة، في غرفة على بُعد 600 قدم فقط من المدخل، وجدوا جوسوا-فيرغيس، وكان شاحب اللون، ناحلا كهيكل عظمي بلحية طويلة رثة، لكنه كان على قيد الحياة.

   
     

في الأيام التالية، عندما تناهت قصة نجاة جوسوا-فيرغيس إلى مسامع وسائل الإعلام، أصبح معروفا باسم "le miraculé des ténèbres" أي "معجزة الظلام". وقام بتزويد المراسلين بقصص عن الأسابيع التي قضاها في مزرعة الفطر. قصص بدا وأنها تنافس حتى أعظم القصص عن متسلقي الجبال الذين تقطعت بهم السبل أو ضحايا غرق السفين في الجزر النائية. كان يأكل الطين والخشب العفن الذي وجده بالزحف على أربع والنبش في الوحل. وكان يشرب الماء الذي يتقطر من سقف الحجر الجيري، وأحيانا اضطر لمص الماء من الجدران. عند النوم كان يلف نفسه بالقماش المشمع البلاستيكي القديم الذي تركه مزارعو الفطر. كان الجزء الذي حيّر المراسلين من قصته هو أنه تعرض لتقلبات مزاج راديكالية وغير متوقعة.

  
أحيانا كان يغرق في نوبة من يأس عميق؛ حتى إنه صنع مشنقة من قطعة من الحبل كان قد وجدها، "في حال أصبح الوضع لا يطاق". ولكن في أحيان أخرى، أوضح جوسوا-فيرغيس أنه بينما كان يسير في الظلام كان يدخل في حالة من الهدوء التأملي، مما يسمح لأفكاره بالتدفق والوضوح، كما أنه تقبل مشاعر التيه، وترك نفسه يطفو عبر الأنفاق في انفصال تسوده السكينة. بينما كان يتجول في المتاهة أمضى ساعات على حد تعبيره يغني لنفسه في الظلام.

  

ملّاحون بالفطرة

طالما كنا نحن البشر من فصيلة الهوموسابينس (الإنسان العاقل) بارعين في الملاحة؛ فنحن نمتلك جهازا قويا في دماغنا يسمى الحصين، في كل مرة نتخذ فيها خطوة، تقوم مليون خلية عصبية بجمع البيانات حول موقعنا، وتعد ما يسميه علماء الأعصاب بـ "خريطة معرفية"، مما يجعلنا دائما موجَّهين في المكان. إن هذا النظام القوي، الذي يفوق احتياجاتنا الحديثة، متوارث عن أسلافنا من الصيادين الرحل الذين اعتمد بقاؤهم على قيد الحياة على قدرتهم على الملاحة. فلمئات الآلاف من السنين، كان الفشل في العثور على بئر أو مأوى آمن، أو عدم متابعة قطعان الحيوانات وتحديد أماكن النباتات الصالحة للأكل، يؤدي إلى هلاك محقق. وبدون القدرة على توجيه أنفسنا عبر الأماكن غير المألوفة لم يكن نوعنا ليبقى؛ إنه أمر جوهري في طبيعتنا البشرية.

    

  

ليس من المستغرب إذن أننا عندما نفقد اتجاهنا فإننا ندخل في ذعر بدائي مرير. والعديد من مخاوفنا الأساسية -الانفصال عن أحبائنا، ترك أوطاننا، أن نترك وحدنا في الظلام- هي صيغ مختلفة للخوف من التيه. في حكاياتنا الخيالية، عندما تتوه الفتاة الجميلة في الغابة المظلمة يقترب منها وحش مرعب أو عجوز شمطاء ملثمة. وحتى الجحيم تُصور على أنها متاهة، كما فعل الشاعر جون ميلتون، الذي عقد هذه المقارنة في "الفردوس المفقود". وقصة الرعب الكلاسيكية عن الضياع نجدها في الأساطير الإغريقية عن قصة المينوتور، الذي يسكن في غياهب متاهة كنوسوس (تعرف باسم قصر التيه)، وكما كتب أوفيد (الشاعر الروماني) فإنها "بُنيت لتخلق إحساسا بالشك وتترك الزائر بلا شيء يستدل به".

  
إن خوفنا من التيه عميق الجذور لدرجة أنه قد يخلق ما يشبه الصدع حيث ينساب إحساسنا الذاتي في الشقوق. وكتب ثيودور روزفلت في "الحياة البرية وطريق الصيد" الذي كتبه في عام 1888: "لشخص لم يألفه على الإطلاق، يبدو أن شعور الضياع في البرية يدفعه إلى حالة من الذعر المروع الذي يسلبه عقله في النهاية، وإذا لم يُعثر عليه في غضون ثلاثة أو أربعة أيام، فإنه عرضة للجنون، سيهرب من المنقذين، ويجب ملاحقته والقبض عليه كما لو كان حيوانا بريا".

  
من خطوتنا الأولى إلى ظلمات جوف الأرض يتعطل الحصين، الذي يرشدنا عبر العالم على السطح مثل الراديو الذي فقد الاستقبال. ونصبح بعزلة عن توجيه النجوم والشمس والقمر، وحتى الأفق يختفي، ولولا الجاذبية لم نكن لنعرف الأعلى من الأسفل. وكل الإشارات الدقيقة التي قد توجهنا على السطح -مثل تشكيلات السحب، وأنماط نمو النبات، وآثار الحيوانات، واتجاه الرياح- تختفي. فنحن تحت الأرض نفقد حتى الاسترشاد بظلنا.

      

تكيفت بعض المخلوقات التي تعيش تحت سطح الأرض بشكل رائع مع التنقل عبر الظلام مثل الوطواط

مواقع التواصل
     

في ممرات الكهوف الضيقة أو في سراديب الموتى (مقبرة لعظام الموتى تحت الأرض وتضم رفات ما يقرب من 6 ملايين شخص) يضيق مجال رؤيتنا ولا يتجاوز أبدا ما بعد المنعطف أو المنحنى التالي. وكما لاحظ مؤرخ الكهوف ويليام وايت، فأنت لا ترى كهفا كاملا فعليا، فقط جزءا واحدا تلو الآخر. وكتبت ريبيكا سولنيت في "دليل ميداني إلى التيه" أننا عندما نتجول في أرض مفتوحة نقرأ محيطنا باعتباره نصا، وندرس "لغة الأرض نفسها"، وبالنسبة لنا فإن جوف الأرض صفحة فارغة، أو صفحة مكتوبة بلغة لا يمكننا فك شفرتها.

   

لكنها ليست لغة عصية على القراءة للجميع؛ حيث تكيفت بعض المخلوقات التي تعيش تحت سطح الأرض بشكل رائع مع التنقل عبر الظلام. فكلنا نعرف الوطواط، الذي يتجول في ظلام الكهف باستخدام السونار وتحديد الموقع بالصدى، لكن أفضل الملاحين تحت سطح الأرض قد يكون فأر الخلد الأعمى: مخلوق وردي اللون بارز الأسنان مجعد الجلد -تخيل إبهاما يبلغ من العمر 90 عاما له أنياب- يقضي أيامه في أعشاش ممتدة تشبه المتاهات تحت الأرض. وللتنقل بين هذه الممرات المظلمة، يقوم فأر الخلد الأعمى بقرع رأسه على الأرض بشكل دوري، ثم يتبين شكل المكان وفقا لأنماط الاهتزازات المرتدة. يملك الفأر في دماغه طبقة ترسبات حديد صغيرة، أي بوصلة مدمجة بداخله تكشف المجال المغناطيسي للأرض. لم يُمنح سكان سطح الأرض حيلا تكيفية كهذه؛ فبالنسبة لنا، فإن خطوة تحت الأرض هي دائما خطوة إلى فراغ ملاحي، أو خطوة في الاتجاه الخاطئ، أو بالأحرى خطوة بلا اتجاه على الإطلاق.

   

خرائط تحت الأرض

في أي أرض مفتوحة عندما تتعثر قدراتنا الفطرية على الملاحة نلجأ بسهولة للخريطة، التي تستقر بنا في مكان ما وتبقينا على المسار الصحيح. غير أن الوضع مختلف في عالم تحت الأرض، وكان رسم الخرائط دائما محاولة محيرة. فبعد فترة طويلة من قيام المستكشفين ورسامي الخرائط برسم أي منظر على سطح كوكب الأرض، ووضعهم خطوط عرض وطول على الأرخبيلات النائية وسلاسل الجبال، ظلت المساحات الموجودة تحت أقدامنا مباشرة بعيدة المنال.

     

   

أول خريطة معروفة رُسمت لكهف كانت في عام 1665 لكهف باومان، وهو كهف كبير في منطقة هارتس المليئة بالغابات في ألمانيا. وبالنظر إلى الخطوط الأولية للخريطة، لا يبدو أن رسام الخرائط، وهو رجل يُعرف باسم فون ألفينسليبن، كان خبيرا في رسم الخرائط أو حتى متمكنا، ولكن أوجه القصور في الخريطة لافتة على الرغم من ذلك. فقد فشل المستكشف في نقل أي إحساس بالمنظور أو العمق أو أي بُعد آخر، بل فشل في التوضيح حتى أن المكان يقع تحت الأرض.

  

كان فون ألفينسليبن يحاول رسم خريطة لم يكن مجهزا لرؤيتها عصبيا، إنه مكان يتجاوز منظوره بالمعنى الحرفي. لقد وصل الأمر إلى حد الحماقة المعرفية، مثل محاولة رسم صورة لشبح، أو التقاط سحابة في شبكة. وكانت خريطة كهف باومان هي الأولى في سلسلة طويلة من الفشل الغريب في رسم الخرائط تحت الأرض. على مر الأجيال، هبط المستكشفون في جميع أنحاء أوروبا -وهم رجال شجعان حالمون- كهوفا بقصد قياس العالم السفلي، لتوجيه أنفسهم في الظلام، وفشلوا، وغالبا كان الفشل بطرق محيرة. أنزلوا أنفسهم على الحبال المهترئة في أعماق الأرض وتجولوا لساعات، تسلقوا الصخور الضخمة وسبحوا في الأنهار الجوفية. كانوا يستدلون في طريقهم بالشموع، التي أعطت هالة خفيفة من الضوء لم تمتد أكثر من بضعة أقدام في أي اتجاه. غالبا ما كان يلجأ هؤلاء إلى إجراءات سخيفة، مثل مستكشف نمساوي يُدعى جوزيف ناجيل، كان يحاول إضاءة غرفة كهف فقام بربط الشموع على أقدام أوزتين، ثم ألقى الحصى على الأوز إلى أمل أن يطير ويُنار المكان. (فشل بالطبع فقد تخبطت الأوزات وتعثرت في الأرض).

  
وحتى حينما تمكّنوا من أخذ قياسات للمكان حولهم، فقد كان الإدراك الحسي المكاني للمستكشفين محكوما بتقلبات البيئة لدرجة أن النتائج التي توصلوا إليها كانت غير دقيقة. في رحلة استكشافية في سلوفينيا في عام 1672، على سبيل المثال، قام أحد المستكشفين بقياس ممر كهفي متعرج باستخدام الفادن (ثقل معلق بحبل لتحديد المسقط الرأسي) وسجل طوله بستة أميال، بينما كان في الواقع قد قطع مسافة ربع ميل فقط. كانت الاستطلاعات والخرائط التي نشأت من هذه الحملات المبكرة متناقضة في الغالب مع الواقع، لدرجة أن بعض الكهوف أصبح يستحيل التعرف عليها. ولا يسعنا سوى قراءة تلك التقارير القديمة باعتبارها قصائد صغيرة وغامضة عن أماكن خيالية.

      

  

كان أشهر رسامي خرائط الكهوف الأوائل فرنسي عاش في أواخر القرن التاسع عشر يُدعى إدوارد ألفريد مارتل، وأصبح يُعرف باسم "أبو علم الكهوف". على مدار مسيرة خمسة عقود، قاد مارتل نحو 1500 حملة استكشافية في 15 دولة حول العالم، مئات منها في كهوف لم تكتشف من قبل. عمل محاميا، وقضى سنواته الأولى في التجول تحت الأرض مرتديا قميصا وقبعة، قبل أن يصمم في النهاية مجموعة من معدات متخصصة لاستكشاف الكهوف. بالإضافة إلى زورق قماش قابل للطي سماه "بالتمساح" (Alligator)، وهاتف ميداني ضخم للتواصل مع العتالين على السطح، ابتكر بطارية من أدوات المسح الجوفي.
   
اخترع مارتل أداة لقياس مساحة الكهف من الأرض إلى السقف، حيث ربط إسفنجة غارقة بالكحول إلى بالون ورقي بحبل طويل، ثم أشعل الإسفنجة، مما أدى إلى ارتفاع البالون إلى السقف بينما يطلق هو الخيط من يده. ربما كانت خرائط مارتل أكثر دقة من خرائط أسلافه، ولكن بالمقارنة مع الخرائط التي صاغها المستكشفون في أي أرض مكشوفة أخرى في ذلك الوقت، لم تكن أكثر من مجرد رسومات. تم الاحتفاء بمارتل لإبداعه الخرائطي بتقسيم الكهف إلى مقاطع عرضية مميزة (ما يعرف بوحدات coupes)، والتي أصبحت معيار رسم خرائط الكهوف.

     
كان مارتل وزملاؤه المستكشفون، الذين أفنوا أعواما يحاولون ويفشلون في توجيه أنفسهم في باطن الأرض، اتباعا للتيه. لم يكن أحد يعرف التجربة الحسية لفقدان الوجهة كما عرفوه؛ لساعات متواصلة، كانوا يطفون في الظلام مأخوذين في حالة طويلة من الضياع عندما حاولوا توجيه أنفسهم وفشلوا. ووفقا للمنطق التطوري، وإذ فُطرت عقولنا على تجنب فقدان الوجهة مهما حدث، يشغل الضياع أكثر مستقبلاتنا الجسدية بدائية للخوف، لا بد أنهم عانوا من قلق شديد: "رعب مروع يصعب مشاهدته"، كما وصف روزفلت. ومع ذلك، فقد عاودوا النزول مرارا وتكرارا. لقد اكتسبوا شكلا من أشكال القوة، كما يبدو، من فقدان أنفسهم في الظلام. لطالما كان الضياع حالة غامضة ومركبة، مشحونة دائما بالطاقات غير المتوقعة. عبر التاريخ، احتفل الفنانون والفلاسفة والعلماء بفقدان الوجهة كمحرك للاكتشاف والإبداع، سواء كان بالابتعاد عن مسار مادي، أو الابتعاد عن المألوف باللجوء إلى المجهول.

      

في حالة من فقدان الوجهة تقوم الخلايا العصبية في الحصين بامتصاص كل صوت ورائحة ومنظر حولنا، للحصول على أي مقدار من البيانات لتساعدنا باستعادة اتجاهاتنا

مواقع التواصل
     

ولجعل الفن عظيما، قال جون كيتس: يجب على المرء أن يقبل فقدان الوجهة ويرفض اليقين. وقد وصف هذه "القدرة السلبية" بأنها تلك التي تحدث "عندما يكون الإنسان قادرا على أن يكون في حالة من عدم اليقين والغموض والشكوك دون أي بحث انفعالي عن الحقيقة والمنطق". وصف ثورو أيضا الضياع باعتباره بابا لفهم مكانك في العالم: "لا نقدّر اتساع وغرابة الطبيعة حتى نضيع، ولن نبدأ في إيجاد أنفسنا حتى نضيع، وبعبارة أخرى حتى نخسر العالم، وندرك أين نحن والمدى اللا متناهي لعلاقاتنا". وهذا منطقي من الناحية العصبية، ففي نهاية المطاف عندما نضيع يكون دماغنا أكثر انفتاحا وامتصاصا.

  
في حالة من فقدان الوجهة تقوم الخلايا العصبية في الحصين بشكل محموم بامتصاص كل صوت ورائحة ومنظر حولنا، وتتدافع للحصول على أي مقدار من البيانات التي ستساعدنا في استعادة اتجاهاتنا. حتى عندما نشعر بالقلق يصبح خيالنا نشطا بشكل مذهل، فيستحضر صورا مفصّلة من بيئتنا. وعندما نأخذ منعطفا خاطئا في الغابة ونضل الطريق، يدرك عقلنا كل غصين أو حفيف أوراق كما لو كان أشبه بصوت دب أسود حرون، أو قطيع من الخنازير، أو سجين هارب. مثلما تتوسع أحداقنا في ليلة مظلمة لتلقي المزيد من فوتونات الضوء، فإننا عندما نضيع ينفتح ذهننا على العالم بشكل كامل.

   

في أواخر التسعينيات، قام فريق من علماء الأعصاب بتتبع قوة الضياع على العلامات الجسدية في دماغنا. في مختبر بجامعة بنسلفانيا، أجروا تجارب على الرهبان البوذيين والراهبات الفرنسيسكان، حيث أجروا مسحا على أدمغتهم أثناء التأمل والصلاة. لاحظوا فورا وجود نمط ما: في حالة الصلاة، أظهرت منطقة صغيرة بالقرب من مقدمة الدماغ، وهي الفص الجداري الخلفي العلوي، انخفاضا في النشاط. هذا الفص بعينه، كما اتضح، يعمل عن كثب مع الحصين في عمليات الملاحة المعرفية. وعلى حد علم الباحثين، رافق تجربة التواصل الروحي في جوهرها تبلد في الإدراك المكاني.

        

الوسيلة الأكثر انتشارا من طقوس الضياع والتجسيد الأساسي للتيه هي المتاهة. حيث نجد متاهات في كل ركن من أركان العالم

مواقع التواصل
         

لا ينبغي أن يكون مفاجئا إذن أن علماء الأنثروبولوجيا قد تتبعوا نوعا من عبادة التيه التي تمر عبر الطقوس الدينية في العالم. لاحظ الباحث البريطاني فيكتور تيرنر أن أي طقوس مقدسة لضم عضو جديد تمر بثلاث مراحل: الانفصال (يغادر من المجتمع، تاركا وراءه وضعه الاجتماعي السابق)، والانتقال (أي الانتقال من حالة إلى التالية)، والإدماج (يعود إلى المجتمع بحالة جديدة). يحدث التحول في المرحلة الوسطى، التي أطلق عليها تيرنر اسم مرحلة الجدية أو (liminality)، من الكلمة اللاتينية (limin) والتي تعني "العتبة". في الحالة العتبية هذه، "فإن بنية المجتمع ذاتها تصبح موقوفة مؤقتا"، نطفو في الغموض والفناء، لا نصبح هوية واحدة أو أخرى، لم نعد بعد الآن شيئا ولم نصبح شيئا بعد. والحالة القصوى من العتبية، كما يكتب تيرنر، هي التيه.

   

من بين العديد من طقوس الضياع التي تمارسها الثقافات في جميع أنحاء العالم، هناك طقس يقوم به الأميركيون الأصليون من قبيلة بيت ريفر في كاليفورنيا، حيث "يذهب أحد أفراد القبيلة من حين لآخر للتجول"، وفقا لعالم الأنثروبولوجيا جايمي دي أنجولو، فإن "المتجول ك، رجل كان أو امرأة، يبتعد عن المساكن والقرى، يمكث في البرية على قمم الجبال وفي قيعان الوديان". في عملية الاستسلام للتيه، تقول القبيلة، فإن المتجول "يفقد ظله". إنها محاولة للتجول بلا هدف، وهي ممارسة قد تؤدي إلى اليأس الذي لا يمكن الفكاك منه، أو حتى الجنون، ولكنها قد تجلب قوة عظمى كذلك، حيث يبعث المتجول من الضياع بنداء مقدس، قبل العودة للقبيلة بصفته "شامان".

   

إن الوسيلة الأكثر انتشارا من طقوس الضياع والتجسيد الأساسي للتيه هي المتاهة. ونجد متاهات في كل ركن من أركان العالم، من تلال ويلز إلى جزر شرق روسيا إلى حقول جنوب الهند. تعمل المتاهة كنوع من آلات العتبية، وهي بنية مصممة لهندسة تجربة مركزة من التيه. عندما ندخل الممرات الحجرية المتعرجة، ونحول تركيزنا إلى المسار المحدد، فإننا نقطع الاتصال بالجغرافيا الخارجية، وننزلق إلى نوع من التنويم المغناطيسي المكاني، حيث تغيب جميع الإشارات التي نستدل بها. في هذه الحالة، نتهيأ للخضوع للتحول، حيث نمر بين الأوضاع الاجتماعية ومراحل الحياة أو الحالات النفسية.

    

  

في أفغانستان على سبيل المثال، كانت المتاهات مركزا لطقوس الزواج، حيث كان الزوجان يوطدان اتحادهما في عملية التنقل في المسار الحجري الملتوي. في حين استخدمت هياكل المتاهة في جنوب شرق آسيا كأدوات للتأمل حيث يمشي الزوار ببطء على طول الممر لتعميق تركيزهم الداخلي. وفي الواقع، فإن قصة ثيسوس الذي يقتل المينوتور في جزيرة كريت هي في نهاية المطاف قصة تحول: حيث إن ثيسوس يدخل المتاهة فتى ويخرج رجلا وبطلا.

   

في تجسيدها الحديث، تكون معظم المتاهات ثنائية الأبعاد، تحيط بممراتها أكوام منخفضة من الأحجار أو أنماط فسيفساء مبلطة في الأرضية. لكن بينما نتتبع أصل المتاهة بشكل أعمق في الماضي، ونبحث عن التجسيدات المبكرة والسابقة، نجد أن الجدران ترتفع ببطء، وتصبح الممرات أكثر إظلاما وأكثر غموضا، في الواقع، كانت المتاهات الأولى عبارة عن هياكل تحت الأرض دائما تقريبا. وفقا لهيرودوت، بنى المصريون القدماء متاهة تحت الأرض شاسعة، كما فعل الأتروريون في شمال إيطاليا. وشيدت ثقافة الشافين قبل عصر الإنكا متاهة ضخمة تحت الأرض في جبال الأنديز في بيرو، حيث مارسوا طقوسا مقدسة في أنفاق مظلمة متعرجة، كما فعلت المايا القديمة الشيء نفسه في متاهة مظلمة في مدينة أوكسكينتوك في ولاية يوكاتان. في صحراء سونوران في أريزونا، في الوقت نفسه، كانت قبيلة توهونو أودهام تعبد إلها يُدعى إيتوي، يُعرف أيضا باسم الرجل في المتاهة، الذي يسكن في قلب متاهة. يقال إن مدخل متاهة إيتوي -تصميم غالبا ما ينسج في السلال التقليدية للقبيلة- هي مدخل كهف. 

   

عندما دخل جان لوك جوسوا فيرغيس إلى أنفاق مزرعة الفطر في ماديران حاملا الويسكي والأقراص المنومة، كان لديه أفكار عن الانتحار. ويصف الموقف قائلا: "كنت مكتئبا، ولديّ أفكار مظلمة جدا". وبعد أن خرج من المتاهة، وجد أنه استعاد سعيه للحياة. وعاد لأسرته، حيث وجد نفسه أكثر سعادة وراحة. بدأ في الذهاب إلى مدرسة ليلية، وحصل على شهادة علمية ثانية، ووجد وظيفة أفضل في بلدة على الطريق. عندما سُئل عن تحوله، أخبر الصحفيين أنه بينما كان يقبع الظلام، اشتعلت "غريزة البقاء"، مجددة إرادته في العيش. وفي أحلك لحظاته، عندما كان بحاجة ماسة إلى تغيير حياته، سافر بداخل الظلام، واستسلم للتيه، وأعد نفسه ليُبعث من جديد.

-------------------------------------------------------

ترجمة: سارة المصري

هذا المقال مأخوذ عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار