انضم إلينا
اغلاق
سر الأجواء الهادئة والمريحة.. كيف تصمم إضاءة منزلك؟

سر الأجواء الهادئة والمريحة.. كيف تصمم إضاءة منزلك؟

هند أكَلاو

محررة
  • ض
  • ض

منذ أشعل الإنسان الأول النار في كهفه البدائي، وأدرك معنى الفضاء الداخلي الخاص ودوره في صنع الجمال، والذي نرى أثره عبر رسوماته على جدران الكهوف التي لم تكن لتتم إلا بفضل مصدر الضوء الصناعي، أدرك الإنسان حينها أنه لن يبدع الجمال ما لم يتقن صناعة الضوء والتلاعب به والسيطرة عليه وتسخيره لأغراضه العملية والجمالية والروحية، وأصبح الضوء في ثقافات كثيرة مرادفا للإله والجمال والخير وهازما للشر والوحدة والخوف.

   

لم يتوقف الإنسان منذ ذلك الحين عن إبداع وتطوير مصادر الضوء الصناعي ابتداء من نار المخيم في القبائل البدائية ومرورا بالمشاعل ومختلف أنواع المصابيح التي تنوعت من أمة لأخرى، وكذلك المواد المشتعلة والزيوت والشموع والأسرجة وصولا للمصابيح الكهربائية وتكنولوجيا الإضاءة المختلفة. لم يقتصر التطور في الإضاءة على مصدر الضوء فقط، بل وتقنيات التلاعب به وتشتيته وتوزيعه، مثل النوافذ والمرايا وزجاج المصابيح وتصميم القباب والمنارات وتقنيات التشتيت والتوزيع المختلفة الحديثة. (1)

     

   

عندما يرسم الضوء الفضاء الداخلي

أصبح الضوء واحدا من أربعة عناصر رئيسية تسهم في تشكيل وهندسة الفضاءات الداخلية للأبنية والمنازل، هي: الإضاءة، والمساحة، والألوان، والأشكال، وهو درتها ومضغتها التي إن صلحت صلحت بقية العناصر وإن فسدت أفسدت على بقية العناصر تميزها. لا يكتفي الضوء بأن يكون عنصرا جماليا في حد ذاته، بل إن العناصر الأخرى لا يكتمل حسنها إلا به، فضيق المساحة أو سعتها خاضعة لبنان الضوء يتلاعب بها وفق مشيئته، وكذا الألوان والأشكال تابعان له لا يكتملان إلا به. وللإضاءة الجيدة قدرة على معالجة أشد النواقص التي قد تعتري التصميم الداخلي لمنزل ما، أو حتى إفساد أكثر التصاميم إبداعا. لذا فإن فهم أهمية الإضاءة ومبادئها وأنواعها وطرق التلاعب بها قد تغنيك عن بذل الجهد وهدر المال.

   

من رحم هذه المكانة التي يشغلها الضوء في التصميم الداخلي، ولد عدد من المهمات والوظائف الرئيسية التي تستخدم الإضاءة لأجلها، وأسفر التطور المطرد لتكنولوجيا الضوء عن أنواع مختلفة من الإضاءة، تُسخّر وفقا لمبادئ معينة لخدمة هذه المهمات والوظائف. تنقسم هذه المهام إلى ثلاثة أصناف وفقا لثلاثة اعتبارات هي: العملية وتندرج أسفلها مهمة إنارة الفضاء الداخلي وتهيئة الغرفة لتؤدي وظيفتها التي هُيّئت لها على الوجه الأمثل، ثم اعتبار جمالي تستخدم فيه الإضاءة لإبراز جمال الفضاء الداخلي وإخفاء عيوبه والتلاعب بألوانه ومساحته، ثم الاعتبار النفسي حيث تسهم الإضاءة في التأثير على أمزجة رواد المنزل وحالاتهم النفسية وتسهم في خلق روح الألفة والراحة والاسترخاء.(2) وللإضاءة في التصميم الداخلي أنواع عديدة تنقسم إلى فئات ثلاث وهي: الإضاءة المحيطية العامة، والإضاءة الوظيفية، والإضاءة التأكيدية أو المفخمة:

     

  

الإضاءة المحيطية العامة: هي أكثرها شيوعا وتستخدم لإنارة الفضاء الداخلي بالكامل وبالتساوي، وتتنوع أشكالها من إضاءة طبيعية هي الأكثر ألفة للعين والروح، أو صناعية قد تكون موزعة وساطعة، أو رقيقة وناعمة تتدلى من السقف على شكل ثريا. ويسهم اختيار نوع الإضاءة المحيطية في لعبة الظل والضوء، فمنها ما ينير كل ركن وزاوية طاردا الظل إلى الهوامش النائية، ومنها ما يروض هذا الظل ويشركه في لعبة الجمال والتلاعب بأمزجة الحاضرين وبهجتهم.

   

الإضاءة الوظيفية: تستخدم في تسليط الضوء على مساحات معينة، وهي محكومة بحاجات رواد المنزل الذي تنيره وعاداتهم اليومية، وعادة ما تشع هذه الإضاءة من أسئلة الحياة اليومية، هل اعتدت القراءة قبل النوم؟ هل أنت كثير السهر، هل تستغل مكتبك في عمل يتطلب إضاءة مُركّزة؟ هل تقضي صباحاتك في المنزل تقرأ أو تمارس التمارين أم نائما أم في عملك خارج المنزل؟ والكثير من الأسئلة الأخرى التي تختلف إجاباتها باختلاف حاجات البشر وتنوعها. تمنحك الإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة أكبر قدر من الكفاءة والعملية والراحة في توزيع الإضاءة الوظيفية واستخدامها.

   

الإضاءة التأكيدية أو المفخمة: وهي في جوهرها إضاءة جمالية يكمن غرضها في إبراز جمال قطع فنية معلقة أو أن تكون نوعا جماليا في حد ذاتها، مثل الشمعدانات ومصابيح الطاولة، ومصابيح الحائط الجانبية، لذا إن كان لديك قطعة فنية تعتز بها وأردت أن تبرزها أمام زوارك فيجدر بك أن تسلط عليها ضوءا خاصا باستخدام أشكال الإضاءة المفخمة المختلفة مثل مصابيح الحائط الموجهة. وتشير بعض الدراسات الحديثة كذلك إلى أن الناس يُفضّلون الجلوس في مواجهة مصدر الضوء تحديدا، لذا إن ملأت غرفة جلوسك بمصادر مختلفة للإضاءة التأكيدية سيكون الجلوس في كل زوايا الغرفة وجوانبها مبهجا لروادها. (3)

   

   

الضوء.. لاعب الخفة الأمهر

للإضاءة خصائص أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عندما تختارها، مثل درجة سطوعها وشدتها، فسطوع الإضاءة يجذب العين لبقعة محددة، فكلما زاد التباين في سطوع ضوء ما والمنطقة المحيطة به انجذبت إليه العين أكثر، وبهذا يصير بإمكانك التحكم في نظرات مرتادي الغرفة وتوجيهها نحو بقعة معينة أو بعيدا عن شيء ما. كما تسهم شدة الإضاءة في خلق مزاج معين أو شعور بعينه، مثلا من الممكن أن تُضبط الإضاءة بدرجة معينة لتمنح مع الأثاث الخشبي شعورا بالدفء أو الحميمية أو شعورا بالبهجة والمرح في غرفة المعيشة.

   

أما لون الضوء فإن له تأثيرا ساحرا، فقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن لون الضوء له تأثير مادي على صحة الإنسان، فالضوء الأحمر يرفع ضغط الدم ويزيد الإثارة والقوة العضلية، أما الأزرق فيبعث على الاسترخاء، وللضوء الأبيض الساطع قدرة على استفزاز الجالسين أو بث الحيوية فيهم، والأصفر يبعث شعورا حميما دافئا خصوصا إذا ما اقترن مع الأثاث الخشبي. قد يبعث تسليط ضوء أبيض مثلا على لوحة معلقة برسالة مفادها لا تبعد ناظريك عنها ولكن ممنوع الاقتراب، بينما يلوح الأصفر إن سُلِّط على اللوحة نفسها بدعوة بالاقتراب واللمس والشم والدخول إلى عالم اللوحة.

         

كذلك عند التفكير في الإضاءة لا يجب أن يتوقف الخيال عند اختيار مصدر الإضاءة فقط، بل يجب أن يصل إلى كيفية التلاعب بها وتشتيتها واستخدام أساليب وتقنيات الإضاءة غير المباشرة. إذا تصورنا الضوء ساحرا بارعا لا تنفد من جعبته الألعاب والخدع فإن عمله لا يكتمل ولا يكون دون مساعدته المخلصة المرآة، فهي تعكسه فتضاعف تأثيره وتشتته وتعززه، وتعمل بمنزلة مصدر ثانٍ غير مباشر للضوء، فتزيد سطوع الإضاءة أو الإحساس بمساحة الغرفة، وتعزز حضور قطعة ما من قطع الأثاث أو تشتت النظر عنها وتعكس الضوء إلى الأركان والزوايا البعيدة، وقد توضع في الممرات الضيقة لتمنح إحساسا بالرحابة، أو قد توضع قبالة لوحة فنية فتسمح للخاطر البشري بإدراك لا تناهيها. وحضور المرايا يعزز ثقة الحاضرين بأنفسهم ويهذب لغة جسدهم ويصقل هيبتهم، وهي وإن اجتمعت مع الإضاءة التأكيدية تبعث في التصميم الداخلي لمنزلك شعورا لا نهائيا بالفخامة والرحابة.

 

والتلاعب بارتفاع مصدر الضوء وانخفاضه عن السقف يسمح لك أيضا بالتحكم في المساحة العمودية للغرفة، فكلما دنا مصدر الضوء من الأرض جذب سقف الغرفة معه إلى الأسفل، والعكس بالعكس، وكذلك التفكير في أشكال الموجودات في الغرفة يساعدك في اختيار مصادر إضاءتك، فالأشكال الانسيابية والأقواس والدوائر تسهم في انسياب الضوء وسريانه، أما الأشكال الحادة فتشتته وتعكسه وتستولد منه ظلالا وزوايا جديدة للغرفة. (3)

     

  

دليلك لإضاءة منزلك

الإضاءة الداخلية للمنازل عالم واسع ذو تقاليد عريقة، يشارك فيه المصممون وشركات الإضاءة وأصحاب المنازل بإبداعاتهم، وانطلاقا من معرفتنا باستحالة جمع كل ما يخص ذلك العالم في هذا المقال، نقدم لك أهم المبادئ التطبيقية التي تساعدك على إضاءة غرف منزلك على النحو الأمثل:

غرفة الجلوس.. ملتقى العائلة والأصدقاء

إذا كنت ترغب في إنشاء مساحة مريحة لقضاء وقتك مع العائلة أو مع الأصدقاء، الاسترخاء أو الاستمتاع بكتاب جديد، فإن تصميم إضاءة مثالية في غرفة الجلوس أمر ضروري. الخطوة الأولى التي يجب أن تقوم بها هي تحديد الأنشطة التي تقوم بها في هذه الغرفة، حتى يتسنى لك اختيار إضاءة تساعدك على أداء أنشطتك على أكمل وجه أو الاستمتاع قدر الإمكان.

 

يميل الكثيرون إلى وضع التلفاز في غرفة الجلوس وقضاء معظم وقت فراغهم محملقين يشاهدون برامجهم المفضلة. لذلك من المهم ألا نضع أي مصدر للضوء قبالة جهاز التلفاز حتى لا يفسد عليك وميضه متعة المشاهدة ويؤذي عينيك. استعن بالإضاءة التأكيدية لإبراز مكامن الجمال داخل الغرفة كاللوحات الفنية أو الصور العائلية. وإذا كان أطفالك يجدون في غرفة الجلوس المكان المناسب لإنجاز واجباتهم المدرسية فالاستعانة بالإضاءة الوظيفية للحصول على مصدر إضاءة إضافي أمر مهم جدا. كخطوة أخيرة أضف الإضاءة المحيطية للتلاعب بالظلال وإضافة مسحة جمالية على الغرفة.(4)

       

     

غرفة النوم.. أكثر المساحات حساسية

عادة ما يكون تصميم إضاءة غرفة النوم مصحوبا بكثير من المتعة، لكن مهمة إضاءة هذا الوسط الحساس قد تُشكّل تحديا حقيقيا إذا لم تسر وفق خطة مُحكمة تضمن لك إضاءة مثالية.

   

فكّر أولا في حجم الغرفة وارتفاع السقف فيها وخذ القياسات الدقيقة. سيعينك هذا الأمر في تحديد أنواع وأحجام مصابيح الإضاءة التي تناسب حجم غرفتك. خذ في عين الاعتبار دائما أن إضاءة غرفة النوم يجب أن تكون ساطعة ومشرقة نهارا وهادئة وحميمية ليلا. لذا فإن الحرص على وجود نافذة كبيرة في موقع مناسب يضمن لك تحقيق الهدف الأول. ولخلق جو هادئ ودافئ وحميمي ليلا سيكون عليك الابتعاد عن مصادر الضوء الأبيض البارد واختيار الأبيض الأقرب للصفرة.

   

ضوء السقف المركزي لن يضمن لك إضاءة خلفية حميمية، لذا عليك الاعتماد أكثر على مصادر الضوء الجانبية مثل مصابيح الطاولة والأضواء الجانبية الخافتة، واعتمد على مصباحي "led" صغيرين تضعهما أمام خزانة الملابس ليمنحا شعورا بسعة الغرفة. يمكنك أيضا استخدام مصادر إضاءة أرضية صفراء غير مباشرة عند حافة السرير لتعزز من إضاءة الخلفية والجو الرومانسي للغرفة.

   

كذلك يمكنك استخدام مصادر ضوء موجهة خاصة للقراءة عند جانبي السرير، والجأ لأحدث تقنيات مصابيح الـ "led" التي تضمن لك عدم إزعاج شريكك أثناء نومه، ولا تنس استخدام مصادر داخلية للإضاءة في خزانتك أو فوق أدراجك، فلن تضطر لإشعال مصباح الغرفة الرئيسي إذا كان شريكك نائما وأنت تريد فتح خزانة الملابس. (5)

    

   

المطبخ.. مساحة تعج بالنشاط والعمل

المطبخ مساحة تقنية، نوجد فيها لإعداد الطعام، تناوله أو حتى النقاش بينما نتأرجح بين هذا وذاك. لهذا يجب أن نولي إضاءة المطبخ عناية خاصة. فإذا كنا نميل إلى اعتماد الأضواء الخافتة في الغرف الأخرى لخلق جو مريح وهادئ، فإن المطبخ وسط حيوي لا يتقيد بهذه القواعد.

 

في البداية احرص أن يكون لمطبخك مصدر ضوء طبيعي وأن يصل الضوء إلى كل الأسطح والزوايا لسهولة التنظيف ومنع تكون العفن أو الأوساخ، يجب أن يكون لون الإضاءة متماشيا مع ألوان المطبخ والخامات المستخدمة فيه. وإذا كان سقف مطبخك منخفضا فابتعد عن المصابيح المتدلية لأنها ستجعل المنظر مزدحما، يُفضّل كذلك خلق مصادر متعددة للإضاءة.

 

استعن بمصدر ضوء موجّه على الأسطح التي تستخدم عليها السكين أو تعد فوقها المكونات، وحتى تبعد عين مرتادي المطبخ عما قد لا يسر كصندوق القمامة مثلا الجأ للعبة السطوع والتباين. ومن المهم الابتعاد عن المصابيح التي تصدر حرارة حتى لا يتحول المطبخ إلى منطقة شديدة الحرارة. (6)

   

 

الحمام.. المساحة المهملة!

لا يولي كثير من الناس اهتماما كبيرا بإضاءة الحمام، لكن مع تزايد مساحة الحمامات في البيوت الحديثة تزايدت الخيارات التي يطرحها المصممون وشركات الإضاءة لإنارة هذه الغرفة. والحمام كما المطبخ، مساحة تقنية، لذا يجب أن تكون الإضاءة مصدر عون تيسر لك القيام بما تريد القيام به.

   

تحظى مصابيح الإضاءة المعلقة على الحائط بأهمية كبيرة في الحمام، فوق الحوض وبجانب المرآة، ويجب أن يكون علوّها مناسبا عند مستوى العين لتفادي نشوء الظل في الحوض عند استعماله أو إزعاج العين بأشعته. استخدم كذلك الإضاءة التأكيدية المفخمة لجذب العين إلى جماليات التصميم الداخلي للحمام. واحرص على استخدام ألوان إضاءة تتماشى مع أرضيات الحمام وجدرانه، وابتعد عن مصابيح الضوء الأبيض البارد. (7)

       

   

وتذكر دائما أن أفضل تصميم ممكن لإضاءة منزلك لا بد وأن ينبع من احتياجاتك وعاداتك وروتينك اليومي، وكذلك من مساحة غرف المنزل وتصميمه الداخلي، لذا تختلف حلول الإضاءة وأفكارها من منزل لآخر. فكن حريصا على تسخير الضوء لراحتك النفسية وتحويل منزلك إلى عش حميمي دافئ.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار