انضم إلينا
اغلاق
علاقات افتراضية.. هكذا غير الانترنت عالم الارتباط بين الجنسين

علاقات افتراضية.. هكذا غير الانترنت عالم الارتباط بين الجنسين

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض

"إنني أريد شخصا يمكنني أن أشاركه الأحاديث، والفن، وبنات أفكاري"، هكذا أسرّت أليس، وهي عضو نشط في مجتمع نيو أورلينز للفنون، لأحد أصدقائها ذات يوم. "أريد أن نكون ناقدين وداعمين لبعضنا بعضا. أريد شخصا سيحب أن يراقصني، شخصا سأحب صحبته وملامسته". ردّت صديقتها: "لكن هذا كثير جدا"

        

بعدها بعدة أيام، وفي اجتماع لمشروع مسرح جديد، تعرفت أليس إلى جوناه، الذي كان قد انتقل إلى المدينة للتو، وكان يتطلع للانضمام إلى مجتمع الفنون هناك. في تلك الليلة، اصطحبته أليس إلى الحفل الختامي لأحد مهرجانات الأفلام، وهي أولى المناسبات العديدة التي سيحضرانها معا في وقت لاحق. وبما أنه كان قد خرج للتو من تجربة طلاق عصيبة، كان لدى جوناه خوف من اتباع نمط سلوكي تولّد لديه مؤخرا من الهوس السريع بالآخر، ومن ثمّ الرغبة في تشييد الأسوار. أسرّ لها: "لكن هذا لا يبدو أنه سيحدث معك".

      

بعدها بعدة أشهر، دفعت احتمالية وجود حمل أليس للتفكير بأن النتيجة إن كانت إيجابية فإنها ستقرر الاحتفاظ بالطفل، بما أنها في سن الأربعين، شعرت بأنها قد تكون فرصتها الوحيدة لكي تصير أُمًّا. لكنها ما إن أخبرته بهكذا احتمالية حتى قرر الانكفاء على نفسه، فابتعد عنها. ثم التقيا بعد فترة في كرنفال "ماردي جرا" (كرنفال أكل يسبق الصوم الكبير في المعتقد المسيحي مـ.)، وبحلول الصباح، كانا شريكين مرة أخرى. لكنها دائما ما كانت تشعر أنه يصدها. انفصلا مرة أخرى، لكنه استمر بالتواصل معها عبر الإنترنت، طلبا للمشورة والرأي، مما كان يشعرها بأنها أهم امرأة في حياته.

      

تتزايد أعداد الرجال والنساء الذين يجدون أنفسهم عالقين في شبكة عنكبوتية من التواصل الافتراضي، يربطهم وقع الخطى على لوحات المفاتيح

مواقع التواصل
   

الشد الجذبي لهذه العلاقة انسحب على تحديثات أليس الفيسبوكية. لم يوفر جوناه إشارة على تحديثات "صراع العروش" إلا وذكر أليس فيها؛ كان يشاركها المقالات التي تتعلق بالمسرح والعدالة الاجتماعية، والنكات التي لن يفهمها سواهما. تتذكر: "كان يجعلني أشعر بأن الأمور تسير على ما يرام، وبأنه لا يزال بحاجتي". وعندما كانت تحاول الإفلات من التواصل، كان يزيد مستوى العاطفة. لقد محورت كل وجودها عبر الإنترنت حوله. تقول: "في كل شيء نشرته، كنت أقول لنفسي يا ترى ماذا سيكون انطباعه؟، إما صورة لي أبدو رائعة فيها، وإما صورة لي وأنا أتسلق جبلا في إحدى المغامرات". كانت تريد منه أن يرى بأنها تمضي قُدما في حياتها، وهو الشيء الوحيد الذي كانت لا تقوم به حقا.

     

أليس وجوناه كانا حبيبين لشهور معدودة فقط، أما الحياة المبتترة الطويلة من الاهتمام الرقمي عن بُعد، "الدوران في الفضاء" بكلمات اليوم، أبقتها معلقة على أمل إعادة علاقة رومانسية دامت لأربع سنوات. وتمّكنت في نهاية المطاف من حظره لكي تطرده من عالمها الداخلي وتبدأ البحث عن علاقة أكثر عقلانية.

   

لم تكن أليس حالة نادرة. هذه الأيام تتزايد أعداد الرجال والنساء الذين يجدون أنفسهم عالقين في شبكة عنكبوتية من التواصل الافتراضي، يربطهم وقع الخطى على لوحات المفاتيح، وخلّان سابقون يقفون على الأطلال، لا يكتفون بالظهور في شبكات متداخلة من الأصدقاء لكنّهم أيضا يتتبعون حضورهم عبر الإنترنت، يرسلون الإشارات الميتة عبر نقرات الإعجاب والإشارات على منشورات منصات التواصل الاجتماعي دون تفاعل مباشر. وفي هذا التكرار الأحدث من الاهتمام، يكون الرفض أكثر استمرارية وأكثر نقصانا، صعب تحديده ومتعذر تخطيه في آنٍ واحد.

  

  

ولأن التواصل يحدث في باحة إلكترونية يتطلب فيها التواصل القليل من الجهد، يصبح قياس المستوى الحقيقي من الاهتمام لدى الشريك المحتمل مغامرة ببوصلة معطوبة من البداية إلى النهاية، ما يأخذ القلق إلى أعلى مستوياته. إن التقارير السريرية والميدانية لا تدع مجالا للشك بأن الغموض هو السمة الجديدة للعلاقات العاطفية. كيف يمكن لجيل يسعى لإزالة الغموض عن العلاقات الجنسية بأن يمتثل له في علاقاته الرومانسية، حتى عندما يولد الاجترار الشالّ وانعدام الثقة بالذات.

   

النهاية في ذاتها بداية

النهايات مهمة، إنها تؤطر ذاكرتنا للتجربة برمتها، حتى إنها تحدد إذا ما كان بوسعنا التفكير في التجربة، إذا ما كنا نجدها سارّة بما يكفي لكي نتأملها مرة أخرى تحت أي ذريعة. لقد أمضى النوبليّ دانيال كانيمان عمرا وهو يتقصى مراوغات الحكم الإنساني، ووجد بأن ذكرياتنا عن التجارب مصبوغة بالطريقة التي انتهت بها وبنحو غير متناسب. قاعدته بشأن ذروة النهاية هذه تؤسس للقول إن الطريقة التي نختبر بها نهايةً ما تُملي علينا أي الأشياء نأخذ معنا من التجربة برمتها.

   

الانفصال العاطفي صعب بطبيعته، لكن أن يكون الانفصال مرتبا بعناية -بالأسلوب الذي تواصل فيه الطرفان، بطريقة تصرفهما في أثناء التفكك- لا يؤدي إلى السعادة فحسب، إلا أنه يسمح للأحباء المنفصلين بالنمو والمُضي نحو إيجاد ذلك الحب السرمدي الخالد، وتحقيق النضج العاطفي. إن كانت المواعدة في جوهرها سلسلة من التجارب نحو إيجاد شريك جيد، فالنهاية الجيدة تجعل مراجعة التجربة إدراكيا والتعلم منها من بواعث السرور.

   

   

للخروج بمعانٍ إيجابية من الفقد، فالانفصال في ذاته مهم بقدر أهمية الذكريات الجميلة التي جمعت المتحابين. وهناك أدله بيولوجية قوية على أن الانفصال العاطفي يُمثّل فرصة للنمو. الرفض يرتد إلى عدد من الأنظمة العصبية، مشعلا في أثناء ذلك حرائق انفعالية من الألم والفقد والاشتياق، كما يفعل الإدمان، كما أنه يُفعّل شبكات دماغية ذات تنظيم أعلى تسهّل التعلم. وهذه العملية هي ما يُحضّر الناس للتكيف مع الفقد والخسارة.

    

أجرت الأنثروبولوجية هيلين فيشر رفقة زملاء لها دراسة مسح دماغي استطلاعية لرجال ونساء كانوا قد اختبروا التعرض للرفض حديثا، بحيث يمكن ما إن يلمحوا صورة الشخص الذي رفض مشاعرهم أن تستعر نار حب من طرف واحد. في بداية الهجران، يُظهِر البحث أن الأشخاص يختبرون نشاطا متزايدا في منطقة الدماغ الأمامية والتي ترتبط بمعالجة المكاسب والخسائر، وهو ما يشير إلى أن العاشق المتروك يحاول تحليل موضع الخطأ، أو أنه يُقيّم القرار الذي اتخذه الشريك بحقه.

 

وليس من المدهش أن تكون عملية من هذا النوع مغروسة بعمق في تلافيف الدماغ. فالتعرض للرفض، كما تلحظ فيشر، تجربة شائعة، بل لا مفر منها في خضم البحث عن شريك مناسب، كما أن القدرة على التعلم منها تتصل مباشرة بقدرتنا على البقاء والتكاثر.

   

  

الصعوبة العميقة معلم رائع إن نظرنا إليها عند مرحلة ما كتجربة تعليمية. في دراسة عاينت مئات القصص الشخصية عن انتهاء العلاقات، تمكّنت لورين هوي، وهي زميل في دراسات ما بعد الدكتوراة من جامعة ستانفورد، في عملها مع كارول دويك، أستاذة علم النفس، من تمييز سردية مشتركة للخلاص. من بين المستجيبين الذين عانوا الألم العاطفي الأقل وطأة إثر انفصال كان هناك أولئك الذين رأوا في الانفصال فرصة لتطوير الذات.

 

في بعض الحالات، كان الانفصال العاطفي يساعدهم على تقبّل حقيقة أنهم لا يستطيعون التحكم بقرار شريكهم، أو أنه علّمهم الصفح. تقول هوي: "إن رأى الناس فرصة في الانفصالات العاطفية، فإن بوسع ذلك أن يدفعهم لتطوير وتحسين أنفسهم". وتضيف إنك إن تعلمت شيئا جديدا حيال أولوياتك وقيمك في علاقة ما، فإنه سيكون بوسعك الاستفادة من الأمر للانتقال إلى مستقبل رومانسي أكثر إشراقا.

 

الهجران العاطفي الإلكتروني الذي لا ينتهي

لطالما كان اضمحلال العلاقة عملية استجلاب للقلق. فانسحاب الشريك قلقا من كونه يتخذ القرار المناسب، يتماثل مع ما أسماه عالم النفس روي ف. باوميستر المعضلة الأخلاقية للمتخلي، أن يقرر إذا ما كان عليه إيذاء الطرف الآخر أو البقاء في العلاقة، وهو ما يتضمن التظاهر بالإحساس بشيء لم يعد موجودا. هل العلاقة سيئة إلى الحد الذي يدفعني للمغادرة أم أنها أفضل من أن أتخلى عنها؟ هل هناك شخص أفضل بانتظاري؟ ليس هناك خيار إلا ويتضمن مغبة الإحساس بالذنب. أما الآن، وبفضل التكنولوجيا، فثمة إحساس مستمر بأن هنالك خيارا أفضل قد يكون موجودا.

   

إن كان الصمت هو الثمن الحتمي المدفوع لقاء الفرار من التواصل الرقمي والمواعدة الإلكترونية، فإن ضحاياه لا يزالون يواجهون صعوبة في القبول به

مواقع التواصل 
   

الناس أكثر حرصا على مشاركة الأخبار السعيدة عن تلك الأخبار السيئة، وهو ما يُطلق عليه علماء النفس "تأثير الأم". وفي تدخل آخر للتكنولوجيا، فإن العصر الرقمي يتيح طرقا جديدة تُمكّن الطرف المتخلي من تجنّب المخاض العاطفي المتمخض عن انفصال صريح.

 

الرفض الإلكتروني يمكن أن يكون صريحا جدا، في رسالة نصية تتألف من سطر واحد. وهذا ممكن أيضا، بشكل تدريجي منظم، يستدعيه الصمت، والذي يُعرف ضمن ظاهرة تدعى "التشبح"، تتفطن إلى أن العلاقة انتهت لأن شريكك لم يعد يجيب على رسائلك النصية، أو مكالماتك، أو رسائل سنابشات لأسبوعين.

 

إن كان الصمت هو الثمن الحتمي المدفوع لقاء الفرار من التواصل الرقمي والمواعدة الإلكترونية، فإن ضحاياه لا يزالون يواجهون صعوبة في القبول به، كما تقول ليا ليفباير، أستاذة التواصل من جامعة ألاباما. قد يبدو أنهم يتقبلون الأمر، لكن التشبح يغيّرهم. إنه يجعلهم أكثر حذرا في محاولة البحث عن خيارات جديدة. "إنهم يصبحون أقل اهتماما بالتواصل مع شركاء ممكنين والبدء بعلاقة جديدة، يتمترسون خلف أنفسهم، في حذر وخوف من الانفتاح على الآخرين.

     

تجري العلاقات اليوم ضمن مشهد جديد للحب. التواصل الإلكتروني غير مكلف، فهو يتطلب قليلا من الجهد. يمكن للرسوم التعبيرية أن تتولى مهمة الحديث عنك حتى

مواقع التواصل
   

ويزيد على عذابات التشبح كل الأساليب التي يلجأ إليها حبيب سابق لمتابعة تصيده. البقاء في المدار، عبر ضغطة إعجاب على صورة، أو تفضيل لتغريدة، قد يمنح الانطباع بأن الحبيب السابق لا يزال مهتما، وبأنه لا يزال مرتبطا على المستوى العاطفي، لكن هذا الشعور يؤدي على الفور إلى التمني لو أن الأمور سارت على نحو مختلف. تقول عالمة النفس، جينيفير تايز، مؤلفة كتاب "كيف نكون سعداء بمفردنا: إستراتيجيات علمية للحفاظ على سلامتنا النفسية في خضم البحث عن توءم الروح": "إننا جميعا نريد أن نُرى وينصت إلينا، إننا جميعا نريد الإحساس بأهميتنا. والبقاء في المدار هو جرعة بسيطة من هذا الاهتمام". لكنها على المدى البعيد، لن تصبح كافية.

 

تقول تايتز إن الكلفة العاطفية لمشاهدة شريك سابق عبر منصات التواصل الاجتماعي باهظة. وبالكاد يمكن أن يخفف من وطأتها "فت الخبز"، وهي إشارة نشطة إنما صغيرة بما يبعث على الإحباط لوجود اهتمام باقٍ، كرسالة سنابشات أو رسالة نصية، من حين لآخر. وتبعث في نهاية المطاف على الحزن، إذ يناضل الناس مع مشاعر انعدام التقدير. وإن كان لا يزال هناك اشتياق لشريكهم السابق، فإن رؤية صورة له وهو يقضي وقتا ممتعا دونهم يمكن أن تُشعرهم بأنهم لم يعودوا مهمّين بعد الآن. تقول تايتز: "إن تتبع تحركات شخص ما يمكن أن تدفعك بسهولة للاجترار، والهوس، والغرق بالندم".

 

مشهد متغير للحب

تجري العلاقات اليوم ضمن مشهد جديد للحب. التواصل الإلكتروني غير مكلف، فهو يتطلب قليلا من الجهد. يمكن للرسوم التعبيرية أن تتولى مهمة الحديث عنك حتى، إن شئت. أما إرسال قلب فلا يتطلب إلا جزءا من الثانية. التكنولوجيا لم تعمل فقط على خفض الاستثمار الشخصي المطلوب من أجل التواصل، إلا أنها بسطت مدى هذا التواصل إلى حدٍّ كبير. اليوم يمتلك الأشخاص أعدادا أكبر من المعارف، إلا أن هؤلاء المعارف يقبعون على السطح فحسب.

 

   

تعج منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة بعوالم مفتوحة من الشركاء المحتملين. والنتيجة هي أن الرومانسية الرقمية في جوهرها، وبفضل ما تولّده من إحساس بوجود خيارات أخرى، ولا سيما الوهم بأن الشريك المثالي يقع على بُعد نقرة واحدة، تقوض الالتزام وتزيد الغموض الذي يمكن أن يلف العلاقة.

 

لا تعود هناك إشارات واضحة على وجود اهتمام. ومع التواصل رخيص التكلفة، فإن التكنولوجيا نفسها تجعل من الصعب تمييز هذا الاهتمام. فالمتخلّون الذين يشعرون بتردد أخلاقي بشأن التخلي عن شريكهم يمتلكون الوسائل اللازمة لخداع الشريك بكلمتين ووجه تعبيري، بينما الشريك متروك لفك شفرات أصغر الرسائل. وهناك رسائل ملاطفات معدة سلفا، تكون متاحة على أغلب تطبيقات المواعدة، ويمكن إرسالها للمئات. تقول كارنين بيريلوكس، أستاذة علم النفس بجامعة ساوث ويسترن: "إن الهدف هو رصد إذا ما كان هناك شخص آخر مهتم بنا دون الحاجة إلى إراقة أنفسنا بالإفصاح المباشر، بهذه الطريقة، إن تعرضنا للرفض، فلن يكون الأمر مكلفا من الناحية العاطفية لأننا ببساطة يمكن أن ننكر وجود اهتمام في المقام الأول".

 

هناك الكثير من الأمور لقولها بشأن الخيارات الموسعة في الحياة. أن تكون لدى المرء خيارات أمر حاسم للسعادة والحرية الشخصية. لكن كما نصّ عالم النفسي باري شوارتز في كتابه الشهير "مفارقة الخيار: لماذا الزائد أخو الناقص"، يواجه الناس مشكلة في الاختيار عندما تكون لديهم باقة واسعة من الخيارات أيضا. إنهم يكونون أقل رضا. لكي تنجح العلاقات، ينبغي أن يلتزم الشركاء ببعضهم بعضا، وهو سلوك يتطلب التخلي عن الخيارات. كما أنه ترياق للغموض. إن منصات التواصل الاجتماعي تعمل كمنبه متواصل بأن هناك خيارات متاحة أخرى من الشركاء، ينتظرون منا أن نكتشفهم في اللحظة التي تستهل فيها محادثة. كما أن شبكة التواصلات البينية التي تنشأ عبر منصات التواصل الاجتماعي تمكّن الناس من رصد شركائهم السابقين حتى وإن لم يكونوا قد عقدوا النية على ذلك.

  

  

كنتيجة، يبدو الجميع كما لو أن لا أولوية لديهم، يحومون حول رابط إلكتروني في الفضاء السيبراني، جاهزين لكي تتم إعادة التفعيل بنقرة. نيكول (31 عاما)، ظنت أنها انتهت من علاقتها الرومانسية المتذبذبة بين انفصال وعودة مع هوارد. عندما رأته في آخر مرة، كانت تريد منه أن يعرف بأن العلاقة الجنسية التي تربطهما قد انتهت، لكنها فوجئت بامرأة أخرى معه، "الشخص الذي أراد أن يمضي معه بقية حياته"، فقطعت معه نيكول شتى أنواع التواصل.

 

بعدها بأربع سنوات، هوارد، الأعزب حديثا، ظهر لها عبر هينغ، وهو تطبيق مواعدة يتخذ من شبكات أصدقاء فيسبوك أساسا له، لأنه نقر ضغطة إعجاب على صورة لها وهي خطوة رقمية تدعى الغوصنة، وتحدث عندما يعاود الظهور شخص توقفت عن التواصل معه لمدة طويلة. كانت تلك الكيمياء القديمة بينهما لا تزال موجودة. لكن تكرار الماضي جلب معه الاستياء مرة أخرى، وتساءلت نيكول عن السبب الذي دفعها لإعادته إلى حياتها من جديد. "ليس الأمر كما لو أنه كسر قلبي، لكنني ما زلت أشعر بثقل الأمر كله".

 

الغموض في الأرجاء

ليس الغموض مجرد عارض مزعج لنهاية العلاقات العاطفية فحسب، إلا أنه يغمر العلاقات الحديثة من البداية إلى النهاية. يقول سكوت ستانلي، أستاذ علم النفس بجامعة كولورادو والذي يبحث في الالتزام ضمن العلاقات العاطفية: "الغموض متفشٍّ، إنه يُطلّ برأسه لدى كل مرحلة من مراحل البحث عن الشريك. فالناس يتساءلون، هل نحن في علاقة؟ هل هذا موعد غرامي أم مجرد تسلية؟ هل لدينا مستقبل معا؟".

   

  

نتيجة لهذا، بات أسهل من أي وقت مضى أن يكون المرء في علاقة غير متكافئة، حيث يكون أحد الطرفين أكثر اكتراثا بالاستمرار في علاقة من الآخر. وأن يكون الشريك أقل اكتراثا يعني أن يكون لديه حافز أكبر بل وقوة أكبر لإبقاء الأشياء مبهمة، وهذه هي نواة القلق. ومع أن خسائرهم تكون أقل في حال ضمُرت العلاقة، فإن الشركاء الأقل اكتراثا قد لا يرغبون بالضرورة في إنهاء العلاقة قولا واحدا. فإن تحاشوا الخوض فيما يحدث حقا، سيكون بوسعهم أن يعلّقوا الطرف الأكثر اهتماما على حبال الأمل قدر ما شاءوا، ما يطيل بالتبعية أمد الغموض.

 

إن المطالبة بالوضوح في العلاقات يمكن أن تغذي الصراع بشأن وضع العلاقة، وهو ما قد يدمر كل شيء ويرغم الطرف الأكثر اكتراثا على الرحيل. يقول ستانلي: "تكون الظروف الواقعة أقسى على الأشخاص الذين يبحثون عن شريك بحق، إنهم يقضون وقتا أصعب في محاولة القراءة بشكل واضح حيال إمكانية وجود مستقبل". في أصله، فالتواصل الإلكتروني خصيم القراءة الواضحة في العلاقات، وكثيرا ما يحل محل التواصل الذي يمكنه القيام بذلك. لأن الجزء الأكبر من عملية بناء العلاقة يتم اليوم عبر التواصل النصي والتواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما يلحظ عالم النفس باري لوبكتين، مؤسس "معهد العلاج السلوكي" في مدينة نيويورك، فإن الناس يفتقدون للإشارات الاجتماعية المهمة التي من شأنها أن تجعلهم يعرفون على وجه الدقة على أي أرضية يقفون مع الشريك. لغة الجسد، التواصل البصري، تعابير الوجه، قفلات الصمت، نغمات التهكم: أهو مهتم بي، أم أنه يبحث فرصه مع شركاء آخرين على الآيفون في هذه الأثناء؟

 

يقول لوبتكين: "إن إشارات من هذا القبيل تكون حاسمة في فهم مدى اهتمام الشخص بالارتباط بشريكه غراميا، ولا يمكن تحقيق أيٍّ من هذا عبر التواصل النصي". إن غياب العنصر الآدمي الناجم، كما يقول، يشجع الطرف الرافض على أن يسلك المخرج الأسهل، غير المضطر للتبرير عندما تنهار العلاقة.

  

إن تاريخا طويلا من العلاقات الرومانسية لا يكوّن الخبرة في العلاقات بالضرورة

مواقع التواصل
  

لقد واجهت الأجيال السابقة غموضا أقل بكثير، لأن الثقافة كانت تدعم العلاقات أكثر. لا يزال معظم الناس يبحثون عن شريك محب، لكن الزواج لم يعد تجربة تخوضها الغالبية (في الغرب - مـ)، وأولئك الذين يُقدمون عليه هم أكبر في السن من أي وقت مضى: المتوسط العمري للزواج الأول هو الآن 29.8 للرجال و27.8 للنساء، بحسب "مكتب تعداد الولايات المتحدة". وأحد الأسباب لما يُطلق عليه ستانلي "التأجيل الكبير" هو أن الناس يمرون بعلاقات مهمة وسط "هالة الغموض"، دون الافتراض بأنها ستؤدي إلى شيء مهم. وكل التدريب على العلاقات في تلك الحالة لن يثمر في شيء.

  

في مجمل حالات السعي الإنساني، تعتبر التجربة ميزة. لكنّ تاريخا طويلا من العلاقات الرومانسية لا يكوّن الخبرة في العلاقات بالضرورة. واقع الأمر، البحث الذي أجراه ستانلي مع زميلة من جامعة دنفر هي جالينا كيه. رودز يُظهِر أن الناس الذين خاضوا تجارب حميمة أكبر أو كانت لديهم خبرة أطول في العلاقات سيكون لديهم على الأرجح زيجات ذات جودة أقل لاحقا. أحد الأسباب لذلك هو أنه بات لديهم وعي بالخيارات البديلة بحيث يشق عليهم بذل المجهود في علاقة.

   

وهناك فئة من الناس، يقعون بشكل عام تحت جيل 25 عاما، ممن يبحثون عن الغموض لأنهم لا يشعرون أنهم على أتم الجاهزية للاستقرار. وهناك آخرون، بحسب ستانلي، ممن تكون لديهم أسباب أعمق لتفضيل الغموض، أسباب قد تأتي من تحت الوعي. فعدم الاستقرار الأسري أدى إلى نشوء جيل يفضل الغموض لأنه يجنبه الفقد والخسارة.

    

  

وهذا لا يعني أن عدم اليقين يؤذينا بشكل أقل، فالساعون لإيجاد الشريك، وحتى الذين يؤجّلون إيجاد الشريك، يعانون من مشكلات عند الرغبة في الاقتران. بحسب ستانلي، يواجه الساعون وقتا صعبا في الحصول على قراءة واضحة بشأن إمكانية نجاحهم مع بعض الأشخاص. وأي علاقة ما بين ساعٍ ومؤجل تكون غير متكافئة من البداية: هناك طرف واحد فقط يستفيد من الغموض. في حين أن الآخر يحترق إثر الاستثمار عاطفيا قبل أن يعرف بالضبط مدى اهتمام الطرف الآخر بالعلاقة.

  

هناك جسم متعاظم من الأبحاث يُظهِر أن عدم اليقين يمكن أن يقلل من سعادة المرء عندما تكون العلاقة مهمة جدا للشخص. ومن بين أشياء أخرى عديدة، فالعلاقات الجيدة توفّر نوعا من تقدير الذات، وتساهم في التحسن والنمو الشخصي، وتوفر الدعم. أما العلاقات الغامضة تُورث القلق وعدم اليقين. بحسب ستانلي، "عندما سيرغب الناس في أن تكون الأمور أشد وضوحا، فإنهم لن يقبلوا بعدم اليقين".

  

الانفصال الناعم يضرب بقسوة

لقد أدى إضعاف الوعاء الثقافي الذي تستوعب ضمنه العلاقات إلى إزالة أي نصوص اجتماعية وُجدت للحديث عن الانفصال. فما لم تمكن إمكانية المستقبل المشترك مطروحة على الطاولة في المقام الأول، سيكون من الصعب أن نناقش وجهة العلاقة. ومع تناقص الافتراضات المتشاركة بشأن أهداف المواعدة والجنس، يتعيّن على الأفراد أن يكونوا أكثر مهارة عند التواصل في العلاقات، لا سيما عند الانفصال. ويقول ستانلي: "إن هذه لحظات المهارة الفائقة، ومعظم الناس يفتقرون إلى هذه المهارات".

  

عوض ذلك يلجأ الناس إلى ما يسميه ستانلي "الانفصال الناعم"، وهو المغادرة دون شرح التفاصيل المتعلقة بالسبب الفعلي الذي يقف وراء الانفصال وكيف أنه نهائي. إن الصمت يفسح المجال للطرف الذي يريد إدامة العلاقة بأن يأمل في أن تتبدل الأحوال. أما الطرف المنسحب فيكون أكثر ثقة بأن العلاقة انتهت، لكنه لا يقول ذلك، غالبا لأنه لا يريد أن يتسبب بالأذى أو بشاعة الجدال.

    

  

تقول أليكساندرا سولومون، أستاذة علم النفس في جامعة نورثويسترن ومؤلفة كتاب "الحب بشجاعة: 20 درسا لاكتشاف الذات لكي تحصل على الحب الذي تريد": "تكمن طبيعة القلق في عدم المعرفة"، وتضيف: "إنه عدم معرفة ما سيحصل تاليا؛ هل ما زلنا معا أم افترقنا؟ الجميع يمشي كأن الريح تحته، الجميع يشعر كما لو أنه لا يُحسن القيام بالأمر".

   

عندما يُهجَر الناس دون معرفة السبب، كما تفسر سولومون، فإنهم يسيئون تفسير الرفض على أنه بسبب علة فيهم في مغبة التفكير، وأن الطرف الآخر لا بد قد تركني بسبب طبيعتي. لقد هجرني ذلك الشخص دون تفسير لأنني قبيح/ ضعيف/ وعديم الجدوى.

  

في غياب التفسير الواضح، فإنهم يخضعون لرؤية الرفض كتشخيص لشيء سلبي أعمق بشأنهم. هكذا، كما تجد هوي من ستانفورد، يكتسب الناس "الحمل الثقيل" الذي يأخذونه معهم إلى علاقات مستقبلية. مهجوسين بالرفض، يخاف هؤلاء الناس تكرار الأحداث ويفعلون ما بوسعهم لكي يتفادوه. يشيّدون "الجدران" لحماية أنفسهم.

  

يعرف الجميع بأن الرفض بمنزلة لسعة آنية. لكن هوي تمكّنت من العثور على ألم راسخ حتى خمس سنوات لاحقة لدى أولئك الذين استجابوا للتعرض للرفض بمساءلة حقيقتهم الداخلية. "في محاولة استيعاب الانفصال، نبدأ نقص على أنفسنا القصص عن العلاقة وعن الدور الذي لعبناه في نهايتها. هذه القصص قوية ويمكن لها أن تدمغ مشاعرنا حيال أنفسنا -إذا ما كنا نشعر بالخزي أو القوة- وكيف نشعر بشأن مستقبلنا". إن التعاطف والانفتاح هما جوهر النهاية الجيدة.

    

    

نهاية جيدة

كيف توجد مخرجا للعلاقة؟ ولماذا يتعين عليك ذلك؟ إن البحث عن التواصل الإنساني دائما ما يكون عملية تجربة وخطأ. لكن هذا لا يعني أن الانفصال أمر هين. لكن من الممكن القيام به بطرق تصون كرامة كلا الطرفين. أعظم مشكلة يواجهها الناس عند الانفصال هي عدم وجود مكاشفة، تلك الحاجة إلى فهم ما حدث حقا. وبحسب عالم النفس باري لوبتكين، فإن ذلك يحررنا لكي نمضي قُدما وننمو.

   

1- فكّر أولا

قبل أن تبدأ محادثة، فكّر بعمق في كيف ولماذا تريد الانفصال. هل لشريكك عادات وقيم لا تتسق معك؟ فكر بحرص كيف ستعبر عن المشكلات غير المحلولة في العلاقة.

  

2- كن شجاعا

من البداية إلى النهاية، تكون الحميمية محفوفة بالمخاطر. فهناك دائما احتمالية أن يكون الشخص الذي تتقرب منه لا يكن لك المشاعر ذاتها أو بأن قلبه قد تغير. لا تتوقع من المحادثة أن تكون سهلة، لكنها ستُريحك.

  

3- خطط سلفا

ضع مكانا وزمانا مناسبين للقاء وجها لوجه. فخوض الانفصال في الأماكن العامة يساعد الأشخاص على السيطرة على مشاعرهم. ولا يضر أن تُخطر أصدقاء شريكك أن يتدخلوا لكي تضمن مجيئه ويوفروا له الدعم لاحقا.

    

   

4- حاوره كما لو كنت مكانه

إن التعاطف وهو القدرة على فهم مشاعر الآخرين [لا التضامن معهم فحسب] جوهري سواء كنت تقول أو تسمع من شخص آخر أن العلاقة غير قابلة للاستمرار. إن إدراك إنسانية الطرف الآخر يساعد الشخص أن يفهم أين ارتكب الخطأ: "أعرف أن هذا آخر ما تود سماعه". "ربما كنت تشعر بالضعف ذاته في علاقتنا، إننا لا نتشارك الدفء نفسه". "أريد من كلينا أن نجد الفرصة للعثور على القرب الذي كان بيننا مرة أخرى".

  

5- اذكر محاسنه

دع الشريك يعرف كل الأشياء التي احترمتها ونالت إعجابك فيه. ثم قل إنه رغم أن هذه الأشياء موجودة بالفعل، فإن المشاعر التي كانت لديك يوما ما قد تبددت.

 

6- فسر السبب

كن صادقا، هادئا ومتعاطفا فيما أنت تفسر رأيك في الأشياء التي تغيرت. "أنا لم أعد جاهزا لارتباط طويل الأجل"، "هناك شيء حصل ولم أستطيع التوقف عن التفكير فيه"، واذكر أي جهود قمت بها لحمل شريكك على تغيير سلوكه المزعج. أنصت بحرص عندما يحين دوره للكلام.

   

قوما بحذف أو حظر بعضكما في منصات التواصل الاجتماعي والهاتف المحمول. هذا ليس لؤما، إنه على العكس من ذلك، يعزز الحد المطلوب لبدء عملية التعافي

الجزيرة
   

7- تجنب القدح

إن محادثات الافتراق لا تستفيد من الأحكام، سواء تلك التي يطلقها شريكك أو التي تطلقها أنت. إنها مؤذية، كما أنها تستجلب مواقف دفاعية، والنقاشات المطولة. لا تستخدم "أنا لست جيدا كفاية. اللوم كله يقع على عاتقي". وإن كان هناك شخص آخر في حياتك فقل وحسب.

 

8- اطلب رأيا شاملا

مقابلات النهاية هي الأكثر قيمة عندما تكون هناك معلومات حيال ما يمكنك القيام به لكي تتحسن. اسأله كيف ساهم سلوكك وموقفك في تدمير العلاقة. "هل كنت متطلبا جدا؟"، "بعيدا جدا؟"، "ملاصقا جدا؟".

  

9- أظهر كرم روحك

أما وقد تناقشتما بشأن ما يتعذر إصلاحه ولماذا، "أنهِ الحوار بتمنيات طيبة أو شيء جيد، شيء يقول: ’إنني أعيدك للعالم والنور. آمل أن تجد شخصا جيدا من أجلك‘".

  

10- الغياب

قوما بحذف أو حظر بعضكما في منصات التواصل الاجتماعي والهاتف المحمول. هذا ليس لؤما، إنه على العكس من ذلك، يعزز الحد المطلوب لبدء عملية التعافي.

-------------------------------------------------------------------

ترجمة: فرح عصام

هذا المقال مأخوذ عن Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار