انضم إلينا
اغلاق
الطفل الواحد.. هل حقا سيصبح طفلك الوحيد مدللا وأنانيا؟

الطفل الواحد.. هل حقا سيصبح طفلك الوحيد مدللا وأنانيا؟

آية ممدوح

محررة
  • ض
  • ض

"إلينا" هي الابنة الوحيدة لأبويها، تحكي كيف كانت محل اهتمام الجميع وكانت المفضلة لدى جديها من بين أبناء أعمامها لأنها طفلة وحيدة. تحكي أيضا عن أصدقاء وهميين كانت تتحدث عنهم ولم تعرف حتى اليوم إذا كان الناس قد صدقوها حقا أم أوهموها بذلك. أما سارة، وهي شابة أميركية نشأت وحيدة، تقول: "الجيد أن لا أحد يأكل البطاطا الخاصة بك، لكن السيئ أنك تتحمل وحدك كل الوزن الزائد الذي تسببه". ومثلهم "سيليا" من إسبانيا، تقول: "افتقدت حقا الحكايات المشتركة بين الأشقاء، كنت أتمنى أن يكون لدي حكاية واحدة، لكنني استمتعت بالاختلاء بنفسي وفهمها جيدا".(1)

    

عادة ما يكون الاكتفاء بطفل واحد قرارا صعبا، وفي الكثير من الأحيان لا يكون قرارا اختياريا بقدر ما تفرضه الضغوط الاقتصادية أو الظروف الصحية أو مشكلات أخرى تخص الأسرة. ما يزيد الأمر صعوبة تلك الأساطير التي يواجهها الآباء حول المستقبل الغامض الذي ينتظر طفلهم، والشخصية الصعبة التي سيكون عليها نتيجة نشأته وحده "ملكا مدللا" في الأسرة، فهل حقا سيكون طفلك الوحيد مدللا وأنانيا؟

   

أناني وعدوانى.. الصورة الشائعة

  

يعد العالم السيكولوجي الأميركي "ستانلي هول" أول من قال إن الطفل الواحد يحمل مجموعة من السمات المميزة، على رأسها أنه أناني وعدواني، وذهب أبعد من ذلك، فقال إن الأمر "يُشكّل مرضا في حد ذاته"، كان ذلك في أوائل القرن العشرين، حين درس سمات مجموعة من الأطفال في المزارع البعيدة. وقد سادت خلال هذا القرن بالفعل صورة سلبية حول الطفل الواحد. لكن في السبعينيات فقط بدأ الحديث عن أن كل ما قيل عن الطفل الواحد لم يكن مبنيا على أسس علمية يمكن الاعتماد عليها.

   

ومع ذلك لا تزال هناك العديد من الأفكار الشائعة إلى اليوم حول الطفل الواحد تفرض نفسها لدى تعامل الكبار معه، وتحدد طريقة التعامل معه، وتقيّده أحيانا، رغم أن الأطفال أصبحوا يندمجون في دور الحضانة مبكرا، وينخرطون في أنشطة مختلفة يسعون فيها للعب في مجموعات واكتساب الأصدقاء، بحيث لم يعد القول إنهم أنانيون أو عدوانيون ممكنا.(2)

  

التربية السليمة حجر الأساس!

يخبرنا المعالج الدكتور "كارل بيكهارت" في ضوء خبرته في التعامل مع الأطفال إن الطفل الوحيد لم يختبر شعور المشاركة مع الآخرين، فهو دائما محل الاهتمام الوحيد من والديه، وكل مقتنياته له وحده. وفي دراسة أجراها عالم النفس يانغ كيو من جامعة ساوث وست في الصين على 126 طالبا ليس لديهم أشقاء و177 طالبا لديهم أشقاء من أطفال الصين أثبتت أنهم أقل استعدادا للتسامح مع الآخرين.(3)

  

     

ولدى آباء الطفل الواحد ما يميزهم أيضا، فهم يدركون أنه طفلهم الوحيد، وفرصتهم الوحيدة في تنشئة طفل، لذا يبذلون قصارى جهدهم بالفعل، وهو ما يساعده في النمو الفكري واللغوي بشكل أسرع بسبب اقترابه من البالغين بشكل عام.(4)

  

يقول الدكتور أحمد أوزي إن الطفل إذا ما حصل على التربية السليمة فإنه يكون قادرا على الإنجاز ويسعى إلى أداء أعماله على النحو الأمثل، كما أنه يتكيف مع الشعور بالوحدة ويكون أكثر استقلالية، ويميل إلى القراءة والفنون والأنشطة الأخرى التي يمكن ممارستها وحده.(5)

   

تُظهر الأبحاث التي أجراها بيكهاردت أن لدى هؤلاء الأطفال قدرا أعلى من الثقة بالنفس، يعود إلى حياتهم بين الكبار وشعورهم بأنهم مثلهم. كما أنهم في فصول الدراسة يُبدون قدرة أكبر على التفاعل مع المعلمين بأريحية أكثر من الأطفال الذي يعيشون مع أشقائهم وترهبهم قليلا سلطة الكبار.

   

يقول بيكهارت إن هناك سمة أخرى تميز الطفل الواحد؛ شعوره بأنه مثل الكبار يجعله في سعي لما هو أكبر من قدراته، لا يراعي أنه لا يمتلك مثل قدراتهم في الحقيقة وبالتالي يطلب من نفسه أكثر من طاقتها. كما أنه يدرك مبكرا أنه يجسّد أحلام والديه، وهكذا يلازمه الشعور بأنه دون مستوى تطلّعاتهما ويخشى أن يخيب الظن فيه، لذا يُنصح في التعامل معه بعدم الضغط عليه إذ إنه يقوم بذلك بنفسه.(6)

  

الصين تتبنى سياسة الطفل الواحد

  

يقول بيكهاردت إن الطفل الواحد هو القائد غالبا في المجموعات في فصول الدراسة، فهو لا يريد أن يضع الآخرون قيودا عليه، وهو قادر على قيادة المجموعة والارتقاء بأدائها. وقد تبنّت الصين سياسة إنجاب الطفل الواحد في كل أسرة منذ عام 1979 حتى عام 2015، وبعد مرور عشر سنوات على تطبيق هذه السياسة نشرت جامعة شونجينج بعض المزايا التي يتمتع بها الطفل الواحد، من بينها قدرته على التكيف وتنظيم مناطق الدماغ لديه بشكل مختلف مما يسمح له بالاستفادة بقدراته، كما أنه يكون متفوقا في الغالب.(7)

  

بينما يقول توني فالبو، الباحث بجامعة تكساس، إن تميز هؤلاء الأطفال في الدراسة والذي يمتد إلى الكبر غالبا ما يعود إلى أن الطفل الواحد يجد الإمكانات لإلحاقه بأفضل الجامعات والإنفاق على دراسته؛ وهو ما لا يتوفر للأطفال في الأُسر الأكثر عددا، إذ يصعب توفير هذا المستوى لكل الأطفال؛ الأمر في رأيه إذن يعود للإمكانيات وليس إلى سمات هذا الطفل.(8)

   

لكنهم يفتقدون الأشقاء

تقول ليندا بلير، مؤلفة كتاب "ترتيب الميلاد"، إن اختلاط الطفل الواحد بأقرانه في الحضانة أو غيرها من الانشطة لا يعوض غياب الاشقاء، إذ غالبا ما يخضع هذا الاحتكاك لإشراف الكبار -كما في دور الحضانة مثلا- وبالتالي يأخذ التفاعل بينهم شكلا مختلفا، لذا تنصح بلير بالسفر في رحلات مع أطفال آخرين لكي نحصل على مشاركة بين الأطفال تشبه المشاركة بين الأشقاء. وكما تقول كلير هيوز، أستاذة علم النفس التطوري ونائبة مدير مركز أبحاث الأسرة بجامعة كامبريدج، فإن ما يجب الاهتمام به هو نوعية العلاقة.(9)

     

  

ويلجأ الطفل أيضا وكتعويض عن غياب الأشقاء إلى مصاحبة أصدقاء خياليين، لكن ما يؤكده جيروم سينجر، أستاذ علم النفس في جامعة ييل، أن الأصدقاء الخياليين ليسوا حصرا على الطفل الوحيد، فالأطفال بشكل عام يتخيلون أصدقاء لمواجهة الشعور بالوحدة أو الخوف، وغالبا ما يتخيل 65% من الأطفال أصدقاء ليسوا موجودين في مرحلة ما من طفولتهم المبكرة.(10)

   

كيف يمكن التعامل معه؟

في ضوء الخصائص التي تميز حياة الطفل الواحد ينصح الخبراء بما يلي:

* أن تفتح الأسرة أبوابها على العالم الخارجي وتدع له الفرصة للمشاركة في الأنشطة الرياضية والاجتماعية والالتحاق بالمخيمات الصيفية مثلا، لتسمح للطفل بتكوين الصداقات.(11)

 

* احرص على انضمامه لمجموعات يصاحب فيها أقرانا من مثل عمره، وتجربة الشعور بالمشاركة مع الآخرين وانتظار دوره بينهم، فإحدى مشكلات هذا الطفل هي ملازمة الكبار.

 

* تجنب الضغط عليه، كونه طفلك الوحيد فأنت تنتظر منه الكثير، لذا توخّى الحذر بشأن التوقعات المنتظرة منه ولا تعرّضه لمثل هذه الضغوط حتى لا يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة بالنفس أو السعي إلى الكمال، امنحه الفرصة للحديث عن قدراته وأحلامه، ولا تطلب منه أكثر مما يفوق القدرات الطبيعية لمن هم في مثل عمره.(12)

 

* ذكّره دائما ألّا يهتم بأمور الكبار التي لا تعنيه، ولا تنقل له القلق والخوف ورغبتك الزائدة في حمايته.(13)

   

لا تبالغ في العطاء، فرغبتك في أن تراى طفلك سعيدا دائما قد تدفعك لمنحه الكثير

مواقع التواصل
   

* ضع له حدودا في مواجهة شعوره الدائم بالحماية والاحتفاء من والديه والآخرين، والمقصود بوضع الحدود ليس أن نعرضه للعقاب، لكن أن نضع قواعد وحدودا ونشدد على التزامه بها، بحيث يدرك أنه ليس مركز الكون، ويتعلم احترام الآخرين.

 

* دعه يستقل، فسعيك لحمايته من كل المشكلات التي تواجهه قد يكون عائقا أمام قدرته على اتخاذ القرار، لذا دع له الفرصة لحل مشكلاته الخاصة طالما كان قادرا، ليشعر بالاستقلالية والثقة في النفس.

 

* لا تبالغ في العطاء، فرغبتك في أن تراه سعيدا دائما قد تدفعك لمنحه الكثير، غالبا ما تجد صعوبة في رفض طلبات الطفل فتلبي كل ما يرغب فيه، لكن ما ينصح به الخبراء هو الاكتفاء بتلبية الضروري منها، ورفض الأخرى، ووضع حدود للطفل وتحديد مهام يلتزم بها.(14)

 

يرى البعض أنه من المجحف أن نحكم على جوانب نفسية متعددة في الشخصية من خلال عامل واحد هو وجود أشقاء من عدمه، وفي النهاية فإن الطفل سواء كان وحيدا في الأسرة أم له أشقاء يحتاج إلى الاهتمام والرعاية والتدريب على تحمل المسؤولية والاندماج في المجتمع. وكما تقول كلير هيوز، أستاذة علم النفس التطوري ونائبة مدير مركز أبحاث الأسرة بجامعة كامبريدج، فإن عدد الأطفال المثالي هو عدد أطفالك فعلا، وسيكونون سعداء فقط إن أحببتهم. (15)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار