انضم إلينا
اغلاق
هل سبق وتحدثتِ إلى جنينك؟ هل يدرك هذا ويفهمه؟

هل سبق وتحدثتِ إلى جنينك؟ هل يدرك هذا ويفهمه؟

هالة أبو لبدة

محررة تعليم وجامعات
  • ض
  • ض

"أتحدث إليه طوال الوقت، حتى وأنا أتبضع لشراء كسوته وكل ما سيلزمنا عند ولادته، إن سمعني أحدهم ربما يعتقد أنني مجنونة!"

    

بهذه الكلمات عبّرت إحدى الأمهات عن طبيعة تواصلها مع جنينها، فالحديث مع الجنين، ورواية القصص، وترديد الأغاني، وتشغيل الموسيقى، وحتى اللمسات الحانية، صور للتواصل الذي تمارسه الأمهات الحوامل لخلق اتصال مع أطفالهن داخل أرحامهن. قد يبدأن ذلك في الأيام الأولى من الحمل، أو في منتصف الفترة، أو حتى آخرها، وقد يشاركهن في ذلك أزواجهن أو أمهاتهن أو صديقاتهن، لكن في الجانب الآخر، خلف ستار الرحم، كيف يستقبل الجنين هذه الأصوات؟ هل يسمعها؟ وهل يميز صوت أمه ويدرك ما تقوله له؟

  

متى يبدأ طفلك استراق السمع؟

   

للإجابة عن كثير من الأسئلة حول قدرة الجنين على سماع الأصوات الخارجية، عمل كثير من الباحثين على دراسة مراحل تطور حاسة السمع لدى الأجنة، بدءا من تشكّل قوقعة الأذن (Cochlea) التي تعد أحد أجزاء الأذن الداخلية، وهي المسؤولة عن استقبال الموجات الصوتية، ومن ثم ترجمتها إلى إشارات عصبية بالمشاركة مع أجزاء أخرى لتحفيز مراكز السمع في الدماغ.

  

وقدموا إجابتهم بقولهم: "يسمع الجنين الأصوات بدءا من منتصف الشهر الرابع ويدركها خلال الشهور الثلاثة الأخيرة"، أي إن حاسة السمع لدى الجنين تبدأ بالتقاط الأصوات الخارجية وإيصالها إلى الأذن، لكن هذه الأصوات لن تصل إلى الدماغ وتحفزه قبل اكتمال نمو الأذن خلال أسابيع الحمل الأخيرة.

     

    

وأول ما سيسمعه الجنين هو الأصوات داخل جسد أمه، كصوت نبضات القلب، والتنفس، وقرقرة الأمعاء عند هضم الطعام، وسيكون صوت أمه الصوت الأكثر كثافة في محيطه، وعند اكتمال حاسة السمع لديه سيبدأ بالتعرف إلى المؤثرات خارج رحم الأم، كالضجيج وأصوات الأفراد المحيطين بالأم(1).

  

وعندما يتعلق الأمر بصوت أمه ولمساتها على بطنها في محاولة منها للمسه، لن يكتفي الجنين بالاستماع، بل سيستجيب له وسيتفاعل معه أيضا، ويأتي هذا التفاعل على شكل نقصان في معدل حركة الرأس والذراع عند سماع صوت أمه، أو زيادة في حركة الذراع أو الرأس أو الفم عندما تلمس بطنها، وتزداد شدة هذه الاستجابة خلال الشهور الثلاثة الأخيرة، فالأجنّة تبدأ من الشهر الرابع بالتحرك وأداء حركات كالتثاؤب وتقاطع الذراعين ووضع اليد على جزء من الجسم، وتغيّر وتيرة هذه الحركات يأتي استجابة لأي مؤثر خارجي، ويزداد تدريجيا مع مرور الوقت(2)، فهل يدرك الطفل ما تخبره به أمه؟ وكيف يؤثر هذا عليه؟

   

ترسمين ذكرياته الأولى

سيتذكر كلمتك الأولى، وحديثكما الأول، وسيكون لهذا الحديث وقعه في نفسه كلما كررته، فقد لوحظ أن الأجنة تستجيب بطريقة مختلفة كلما عرضت عليها قصة أو ترنيمة بشكل متكرر على مدى أسابيع، مقارنة باستجابتهم لها عند سماعها لأول مرة، بل إنهم يتذكرون الكلمات التي تم سماعها حتى وإن تباعدت الفترات بين تكرار هذه الكلمات أو تمت قراءتها من قِبل أشخاص مختلفين(3).

  

سماعه لهذه الأحاديث يحفّز حاسة السمع لديه و"يساهم في تطور مهاراته الاجتماعية، ومع تكرار الأمر سيتذكر الجنين ذلك"، وتزداد أهمية الأمر إذا كانت قراءة هذه القصص بصوت أمه، فـ"لا شيء أكثر طمأنة للطفل من سماعه صوت أمه الذي يجعله يشعر بالأمن والأمان داخل الرحم، المكان الذي يكون فيه وحيدا"(4)، إنها فرصتك لبناء علاقة وثيقة وذكريات جميلة مبكرا، لذا ينصح مختصون باغتنام هذه الفرصة وتنفيذ أمور عدة مثل(5):

     

  

* قضاء عدة دقائق يوميا في الحديث مع الجنين أو الغناء له، لتخفيف التوتر الذي يضر جهازه المناعي.

* اختيار مقال وقراءته بصوت مرتفع، من جريدة أو مجلة، أو أحد كتب الأطفال المفضلة، أو قصة تؤلفها الأم، أو ترنيمة.

* صوت الأم مهدئ، إذا لاحظت الأم تغيرا أو اضطرابا في حركة طفلها، يمكنها استخدام صوتها في تهدئته وستقلّ حركته.

* إشراك الأب وأفراد العائلة الآخرين في التواصل مع الطفل، مع الحرص على اختيار الأفراد الذين ستشعر بالراحة عند اقترابهم منها ومن بطنها تحديدا.

  

كل طفل يبكي بلغته!

يحمل عالم الأجنة مفاجآت أخرى أيضا، تظهرها لنا دراستان علميتان، الأولى نفذها فريق بجامعة فورتسبورغ الألمانية (Wermke of the University of Würzburg)، أشارت إلى أن الأطفال حديثي الولادة قادرون على إصدار ألحان مختلفة عند البكاء، بل إنهم أيضا يُفضّلون استخدام ألحان بأنماط تماثل اللغة المحيطة التي سمعوها خلال حياتهم داخل الرحم في الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل، كما أشرنا سابقا لدى الأجنة القدرة على تذكّر أصوات العالم الخارجي التي يسمعونها، لكنهم أكثر حساسية للغات والموسيقى التي تحملها هذه الأصوات، وهم يفضلون أصوات أمهاتهم على الأصوات الأخرى(6).

  

وقد عمل فريق البحث على تسجيل وتحليل بكاء 60 طفلا حديث الولادة ممن هم بصحة جيدة في عمر ثلاثة إلى خمسة أيام، نصفهم ينتمون لعائلات ناطقة بالفرنسية والنصف الآخر لعائلات تتحدث الألمانية، وأظهر التحليل اختلافا واضحا في إيقاعات بكاء الأطفال بناء على لغتهم الأم، فالمواليد الفرنسيون كانوا يميلون للبكاء بنغمة مرتفعة، بينما صدر بكاء المواليد الألمان بنغمات منخفضة، وهذه الأنماط جاء متّسقة مع الاختلافات المميزة بين اللغتي(7).

    

  

هذه الدراسة وغيرها دفعت مجموعة من الباحثين في جامعة كانساس (University of Kansas) لدراسة قدرة الطفل على التمييز بين اللغات المختلفة، وفضّل الفريق استبدال جهاز تصوير يستخدم تقنية الماغنوميتر (biomagnetometers) الأكثر دقة بجهاز الألتراساوند المستخدم في دراسات أخرى لفحص أجنة 24 حاملا في الشهر الثامن، فحصا يشمل نبضات القلب والتنفس وحركات الجسم الأخرى، وقد تم اختيار تسجيلات صوتية باللغتين الإنجليزية واليابانية لإسماعها للأجنة.

   

تمت مراقبة نبضات قلوب الأجنة وحركات أجسادهم عند إسماعهم تسجيلات الصوت باللغة الإنجليزية ثم التسجيلات باللغة اليابانية، وعند إسماعهم تسجيلات اللغة الإنجليزية بعد استخدامها في المرة الأولى، و"كانت النتائج رائعة، ومدعمة بإحصاءات قوية، لقد أظهرت أن تطور اللغة يبدأ في الرحم، وأن للأجنة القدرة على ضبط آذانهم لالتقاط اللغة التي سيكتسبونها حتى قبل أن يولدوا"، وهذا يعني أن اللبنات الأولى في اكتساب وتعلم اللغة يبدأ لدى الطفل قبل ولادته.

   

    

مع استمرار البحث العلمي تتكشف لنا المزيد من خبايا الأجنة، "إننا نتعلم الكثير حول حساسية الأجنة، وتأثير ما تفعله الأم عليهم... منذ وقت طويل ونحن نعلم أن الأجنة تستطيع سماع الضجيج في الخارج والضجيج القادم من أمهاتهم"، لكن هذا لا يعني "أن على الأمهات استخدام التسجيلات الصوتية لتعليم أطفالهن لغات مختلفة وهم لا يزالون داخل أرحامهن".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار