انضم إلينا
اغلاق
كي لا نشعر بالذنب.. كيف يجب أن نقضي الوقت مع أطفالنا؟

كي لا نشعر بالذنب.. كيف يجب أن نقضي الوقت مع أطفالنا؟

  • ض
  • ض

"كان الأب يُكرر طوال الوقت أن المال لا ينمو على الأشجار. حسنا، ولكن حتى الوقت لا ينمو على الشجر أيضا"

(ريتشيل جودريتش، ذبح التنين)(1)

   

في عام 1928، وفي لوس أنجلوس تحديدا، تتنقل الموظفة المميزة كريستين كولينز بين زميلاتها على أحذية بعجلات تضمن سرعة استجابتها للمكالمات من مختلف الولايات. ينتظرها في منزلها طفلها والتر، الذي يبلغ من العمر تسع سنوات. كريستين أم عزباء تعيش وحيدة مع والتر، وعدته ذلك اليوم أنها ستعود باكرا من عملها ليخرجا معا ويقضيا وقتا معا، وربما ستكون الظروف مناسبة ليُشاهدا فيلما من اختيار والتر في صالة السينما. انتظرها والتر، ولكن لظروف في العمل لم تستطع كريستين أن تفي بوعدها. ووصلت متأخرة في ساعات الليل، لكنها لم تجد والتر بانتظارها. بحثت عنه كثيرا في أرجاء الحي وافترضت أنه يُعاقبها لأنها لم تمنحه الوقت الذي اتفقا عليه. سألت عنه الجيران، وفي نفسها تُتمتم أنها "ستُعوّضه". اعتقدت أنه يختبئ هُنا أو هُناك، وكانت تُنادي بأعلى صوتها أنها ستُعوّضه، يستمر فيلم "استبدال" (Changeling) في عرض كامل القصة التي تستند إلى حقائق لجريمة كُبرى حدثت بحق والتر وغيره من الأطفال في ذلك الوقت.

     

   

كثيرة هي المشاعر التي تُصاحب عادة الآباء والأمهات العاملين الذين لا يجدون وقتا كافيا لقضائه مع أطفالهم، بدءا من الشعور بالذنب، والندم، والتقصير. وبجانب تلك المشاعر، يقف الآباء مستندين إلى جانب الافتراض الثقافي واسع النطاق الذي يكمن مفاده أن الوقت الذي يقضيه الآباء والأمهات -وخاصة الأمهات- مع أطفالهم هو مفتاح ضمان مستقبل مشرق للطفل. ولكن البحوث الجديدة والرائدة في هذا المجال تُنهي الجدل حول هذه الحكمة التقليدية، وتكشف عن الحقيقة التي تقول: هذا ليس صحيحا على الإطلاق!

  

الجودة تتفوق على الكمية

"لقد تنقّل والداي كثيرا في صغري، بين العمل والسكن، الكثير من الحركة كانت تحدث هناك. ولكني كُنت أجدهم دائما"

(رودني دانجيرفيلد)

  

    

  

في دراسة أجرتها عالمة الاجتماع في جامعة تورنتو ميليسا ميلكي، والتي لفت نظرها بداية أن الأمهات العاملات هذه الأيام يُحاولن أن يقضين وقتا مع أطفالهن بمقدار الوقت نفسه الذي كانت تقضيه الأمهات في الستينيات، وتساءلت: هل هذا يهم؟ وتُعلق ميلكي: "في هذا العالم المثالي، فإن مثل هذه الدراسات قد تُخفف من شعور الذنب الذي يعتري الوالدين بشأن مقدار الوقت الذي يقضونه مع أطفالهم، وتُركز على ما هو مهم فعلا للطفل". وتُركز ميلكي على نقطة جوهرية وهي أن الدخل والمستوى التعليمي للأم هو ما يلعب دورا مهما في مستقبل الطفل وليس الوقت، خاصة في عمر الطفولة التأسيسية. (2)(3)(4)

    

  

وأضافت أن التفكير في الصورة الكُبرى التي تدعم الطفل تتمحور حول ما يُعرف بالموارد الاجتماعية التي تُساعد الوالدين في دعم صحة أبنائهم العقلية ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي، وأن الوقت مهما ازداد، والذي يتم التشديد عادة على أهميته، فإنه لا يفعل الكثير فيما يتعلق بهذه الجوانب. وهو ما أكّدته بالفعل عالمة الاجتماع في كلية كوينز إيمي حسين، بقولها إن الآباء الذين يقضون الوقت مع أطفالهم الذين تقل أعمارهم عن 6 سنوات، فإنهم حقيقة يقضونه أمام التلفاز أو لا يفعلون شيئا على الإطلاق، وهذا يُمكن أن يكون "ضارا"، وهو ما أكدته الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال باعتبار أن الأطفال يحتاجون أيضا إلى وقت غير مُنظم لأنفسهم دون تدخُّل أولياء أمورهم فيه، وهو ما يُفيدهم في تنمية مهاراتهم الاجتماعية والمعرفية. (5)(6)

   

المثال الوحيد الذي وجدته ميلكي في دراستها، والذي يؤثر عليه بالفعل مقدار الوقت هي مرحلة المراهقة، حيث وجدت أنه كلما زاد الوقت الذي تقضيه الأم -وحدها- مع أبنائها في سن المراهقة، انعكس ذلك على سلوك المراهق نفسه وابتعاده عن السلوكيات المنحرفة، وكلما زاد الوقت الذي يقضيه الوالدان معا مع أبنائهم المراهقين سواء في أوقات تجمع الأسرة أو حول موائد الطعام اليومية، قلّ احتمال تعاطيهم للمخدرات والكحول أو الانخراط في سلوكيات وممارسات محفوفة بالمخاطر أو غير قانونية، بالإضافة إلى انعكاس هذا الوقت على المعدلات الدراسية وخاصة في مادة الرياضيات. ومعنى "قضاء وقت جيد مع المراهقين" هو معدل 6 ساعات أسبوعيا، وهو ما تُعلق عليه ميلكي بأنه "ليس وقتا هائلا"!(7)

  

   

إجهاد الأمهات ينعكس على جودة الوقت

"لا تقلق بشأن عدم قدرتك على منح أبنائك الأفضل من كل شيء. امنحهم فقط أفضل ما تستطيع"

(فلورنس جريفيث جوينر)

    

تعتزم غالبية الأمهات العاملات تحديدا إيجاد الوقت الكافي لقضائه مع أطفالهن، ويشعرن بالذنب والتقصير إن كان هناك أي فسحة فراغ لا تستغلها الأم بجوار ابنها، وذلك بسبب الاعتقادات الثقافية الراسخة في المجتمعات التي تؤطر دور الأم المثالية في منح كل شيء لطفلها، لتشعر الأم وفق التصور السابق بالضغط في حال قصّرت لأسباب لا تدخل في نطاق تحكّمها أساسا، مما يدفع بها لمحاولة التعويض قدر الإمكان. حتى وإن كان في ذلك تضييق عليها أو استنزاف لآخر مخزون من طاقتها. ولكن الدراسة -التي ذُكرت سابقا- وجدت أن هذا ينعكس سلبا على جودة الوقت الذي تقضيه الأمهات المرهقات مع أطفالهن. بمعنى، ينعكس سلبا على سلوكيات الطفل العاطفية، وحتى فيما يتصل بتدني المستوى التعليمي. وفي هذا الشأن تُعلق ميلكي: "نعيش في مجتمعات تنافسية، وهناك الكثير من الضغوط الثقافية على الأم والأب وفيما يُعتقد أنه يصنع طفلا ناجحا".

    

   

تقول نيكول كومبر، أستاذة الإدارة في كلية روبرت سميث لإدارة الأعمال بجامعة ماريلاند وأم لطفلين، إنها تشعر بالضغط بكل ما يتعلق بأمومتها، وتقول إنه لا أحد يوجه السؤال الأشهر لزوجها ويستفسر عن "كيف يمكنه تحقيق التوازن بين العمل ودوره كأب؟"، بينما يُوجّه لها السؤال دوما مع كل تميز تُمنحه، حيث تُشعرها هذه الأسئلة أنها لا تملك أي جواب مثالي يضعها في تصنيف "الأم المثالية"! (8) (9) في الواقع، إن فكرة أن الآباء يجب أن يقضوا المزيد من الوقت مع أطفالهم -مع الضغط المستمر- تحولت إلى ما يشبه الأيديولوجية غير الفعالة. وعلى الرغم من أن الإحصائيات تؤكد أن العلاقة القوية بين الوالدين والطفل تحمل العديد من المزايا، فإن مقدار الوقت كان له تأثير ضئيل أو معدوم، بل وإن كان وقتا بخلفية مُجهدة، فإن تأثيره يُعدّ سلبيا أكثر من أن يكون ذا نفع أو فائدة. (10)(11)

   

   

أفضل إستراتيجية!

حسنا، يبدو أن حساب عدد الساعات التي يقضيها كلٌّ من الأب أو الأم أو كلٌّ منهما معا لا يُجدي ولا يُضيف أي شيء للطفل الذي يتراوح عمره بين 3-11 سنة. الجودة تتفوق على الكمية، مهما قل الوقت الذي يقضيه الأهل مع أطفالهم فليس مستحيلا أن يكون ذا جودة ونوعية نافعة للطفل. فيما يلي بعض المقترحات التي يُمكن استغلال الوقت بها: (12) (13)


* أثناء الوجبات العائلية: من الممكن تحويل وقت الطعام إلى وقت تشاركي تفاعلي بين الأهل والأبناء، عن طريق إجراء المحادثات الهادفة، وسؤالهم عن يومهم والنقاش حوله، أو فتح أبواب أي موضوع هادف قابل للنقاش، هذا كله سيُنمّي مهارات تفاعلية لدى طفلك ولا يعتمد على كمية الوقت.

* استغل مهامك اليومية: إن استغلال وقت القيادة، التسوق، مواعيد الأسنان، وكل المهام التي يمكن أن تكون شبه يومية، تفتح مجالا للدردشة مع الطفل، على سبيل المثال أثناء التسوق، اسمح لأطفالك بمشاركتك ومساعدتك في التسوق وإضفاء بعض العناصر على قائمة الشراء من اختيارهم.

* القراءة لهم أو معهم: فكرة إنشاء نادٍ للقراءة للأسرة هي فكرة عظيمة! اقرأ كتابا يرتبط بمستوى القراءة لأصغر أفراد الأسرة وناقشه كعائلة. هذه طريقة رائعة لتشجيع الأطفال على القراءة خارج دقائق القراءة المدرسية المعتادة.

* التحدث معهم بطريقة فردية: تخصيص وقت -حتى لو كان قليلا- ومنحه للطفل هو أمر مفيد للغاية، يُقرّب المسافة بين الأهل والطفل ويُشعره بقيمة خصوصيته التي يُلتفت لها.

 

  

إن أهم ما يُميز العائلة هو وُجود أفراد تحبهم ويحبونك، يعرفونك ويؤمنون بك أكثر من إيمانك بنفسك، تسقط فتجد من يُمسك بك، تبكي فتجد من يُواسيك ويربت كتفك، تضيع فتجد من يُرشدك، تنجح فتجد من يسبقك بالفرح والتشجيع على النجاح الأكبر. قد نُسيء تقدير العائلة أحيانا ونُعاملها كغيرها من النِّعم المُسلم بها وبوجودها، ورحلة الوجود معا هي رحلة قصيرة لا تحتمل ضغوطا تُفسد الوقت القليل الذي نقضيه معا خاصة في الوقت الحالي الذي يُهرول مُسرعا في كل شيء. لم تكن دقات الساعة يوما هي الحَكَم على كفاءة ومثالية الأم أو الأب، بل الوعي باستغلال أقل ما نملك لمنح أفضل ما نستطيع هو ما يحل عقدة أي افتراض ثقافي مهما انتشر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار