انضم إلينا
اغلاق
اللعب الحر ليس مجرد متعة.. بدونه لن يكبر طفلك أبدا

اللعب الحر ليس مجرد متعة.. بدونه لن يكبر طفلك أبدا

آية ممدوح

محررة
  • ض
  • ض

"حين كنت طفلا -في خمسينيات القرن الماضي- كان لدي مصدران للتعلم، أولها المدرسة، والتي لم تكن بالأهمية الكبيرة كما هي اليوم، وكان لدينا أيضا ما أسميه بتعليم "جمع الثمار" كمصدر ثانٍ للتعلم. لعبنا مع الجيران في مجموعات من أعمار مختلفة، كل يوم تقريبا بعد المدرسة وحتى حلول الليل، لعبنا في عطلات نهاية الأسبوع والعطلات الصيفية بأكلمها. كان لدينا وقت لاستكشاف كل شيء، وكان لدينا أيضا وقت لكي نشعر بالملل ونكتشف كيف نتغلب عليه، ووقت لكي تواجهنا المشكلات ونجد طريقنا للخروج منها، ووقت لأحلام اليقظة، وآخر لننغمس في الهوايات، ووقت لقراءة القصص المصورة وأي كتب أخرى أردنا قراءتها بعيدا عن الكتب المدرسية. إن ما تعلمته في "تعليم جمع الثمار" كان أكثر قيمة بكثير مما تعلمته في المدرسة، وأعتقد أن الآخرين في عمري نفسه سيقولون الشيء نفسه إذا أخذوا وقتهم للتفكير في الأمر"، هذا ما كتبه الأخصائي النفسي والباحث في كلية بوسطن "بيتر جراي" في مقاله عن اللعب. (1)

  

أما اليوم، فإن الآباء يتبارون في إلحاق أطفالهم بمدارس عالمية، والتخطيط لكل دقيقة في يومهم لأنشطة وبطولات رياضية وموسيقى ولغات، حتى أصبح وقت الأطفال مزدحما جدا، وفي سن مبكرة جدا، واشتدت المنافسة الاجتماعية بين الآباء في إكسابهم مزيد من المهارات، ووسط كل هذا لم يعد هناك مجال "للعب الحر" مع أقرانهم بعيدا عن سلطة الكبار وتدخلاتهم، فهل هذا حقا هو الاختيار الأمثل لتنمية مهارات الطفل؟

    

   

هكذا يفيدهم اللعب

قبل الانتقال لفوائد اللعب، فإنه علينا توضيح أن اللعب يُقصد به هنا، أي نشاط تلقائي أو منظم يوفر المتعة أو التسلية. ويعتبر اللعب مصدرا أساسيا للنمو المعرفي والوجداني والجسماني والاجتماعي للطفل، إذ يساعد الطفل في استكشاف العالم، والسيطرة على مخاوفه، كما يعتبر مطلبا حيويا لحياة نفسية سوية في مراحل النمو المختلفة. (2)

 

في ساحات اللعب، يتسلق الأطفال ويقفزون بحرية، يتسابقون بالدراجات وربما يطاردون الوحوش، يختلقون مواقف تبدو خطيرة ويستمتعون بالإثارة التي يصنعها إقدامهم على المجازفة، ويختبرون مشاعر خوف في حدود قدراتهم، إذ يمكنهم إنهاء اللعبة في أي وقت، وتحدث بينهم مشاحنات يواجهون فيها شعور الغضب ويتعلمون معه التعامل بطريقة مناسبة أو أنهم يتعلمون حتى من الطرق الخاطئة التي يُمارسونها. وهكذا، تصقل تجربة مثل هذه المشاعر المهارات العاطفية لدى الطفل، ليتعلم معها كيفية التعاطي مع مشاعر الخوف، وحماية نفسه، وحل الخلافات، وإدارة مشاعر الغضب.(3)

  

إحدى إسهامات اللعب الأساسية، أنها تساعد على تعزيز ثقة الطفل في النفس، حيث تعد مساحة ينطلق معها الطفل بكامل جوارحه ومشاعره دونما قيد يحدُّه، فهو الآن يمتلك ذاته، ويوظفها للتفاعل مع أقرانه من الأطفال. كما يعزز اللعب بالتأكيد مهارات الطفل اللغوية والتواصلية، والقدرة على التعلم وتطوير المهارات البدنية، وتنمية الروابط بين أجزاء الدماغ. ويمكن من خلاله -اللعب- اكتشاف الاضطرابات العقلية التي قد تظهر لدى الطفل، فعدم قدرته على الاندماج في اللعب مع أقرانه أو المشاركة في ألعاب التظاهر أو التمثيل، وقلة اهتمامه بالألعاب، قد يشير إلى وجود بعض اضطرابات النمو التي تستدعي الاستعانة بطبيب متخصص. (4)

    

    

اللعب يعلم الطفل ما لا يمكن تعلمه في المدرسة

يؤكد براون أن اللعب ليس مقابلا للتعلم، كما هو شائع، ولا يعتبر استراحة لطيفة من التعلم، لكنه هو التعلم نفسه، وهو يعلم الطفل دروس الحياة التي لا يمكنه تعلمها في المدرسة.(5) لكي نفوز بزواج سعيد، أو نكتسب أصدقاء حميمين، أو شركاء عمل جيدين، نحتاج إلى معرفة كيفية التواصل مع الآخرين، إنها أهم المهارات التي يجب على جميع الأطفال تعلمها من أجل حياة سعيدة. ويعتبر اللعب أكاديمية لتعلم المهارات الاجتماعية بالتفاعل مع الأطفال الآخرين.

    

وتكمن قوة اللعب في ترسيخ المهارات الاجتماعية لدى الطفل في كونه طوعيا؛ لدى اللاعبين دائما حرية التوقف، ويكون هدف كل لاعب من الاستمرار هو تلبية احتياجاته ورغباته الخاصة وتلبية احتياجات الآخرين أيضا لكي يواصلوا اللعب، وبالتالي فهو ينطوي على الكثير من التفاوض والحلول الوسط. كما يكون لدى الأطفال حافز قوي لدفع المزيد من الاهتمام لهم ببعضهم، فكل طفل فيهم لا يريد أن يتركه الآخرون وحيدا. يتعلم الطفل كيف يتحكم في الغضب خلال اللعب ويتخذ قراراته في مجتمع يمارس فيه حياته كطرف قوي مثل البالغين.(6)

  

الإبداع والخيال

يرتبط اللعب كذلك ارتباطا وثيقا بالإبداع والتعليم والتحليل النفسي والعلاج النفسي، فخلال اللعب يواجه الطفل مختلف مشاعر الضعف والقلق والعجز. في اللعب يكون الأطفال أبطالا خارقين أو رعاة بقر أو أي شخصية يختارونها، والخيال هنا هو أحد الطرق التي يتبعها الأطفال للسيطرة على التوتر وتجربة العالم الحقيقي.(7) يوضح سيرجيو بيليس، أستاذ علم الأعصاب بجامعة ليثبريدج الكندية، كيف يُشكّل التواصل مع الأقران الروابط بين الخلايا العصبية في قشرة الفص الجبهي المسؤولة عن العمليات الحركية والإدراكية والعاطفية. ويؤكد أن اللعب مع الأقران مسؤول عن تنمية هذه المهارات بشكل كبير بخلاف اللعب غير الاجتماعي على الشاشات، أو اللعب المنظم كالرياضة مثلا.

   

يقول باتريك بيتسون، أستاذ علم الأخلاق بجامعة كامبريدج، إن إتاحة فرص أكبر للأطفال في اللعب تجعلهم أكثر إبداعا، وعلى العكس، يرتبط قلة الفرص في اللعب بسبب الخوف على سلامتهم وضغوط المناهج الدراسية بتراجع القدرة على ابتكار أفكار جديدة. (8) ويشير إلى أن الدرجات التي حققتها الولايات المتحدة في اختبارات تورانس للتفكير الإبداعي قد انخفضت منذ الثمانينيات من القرن الماضي وأن ذلك ارتبط بجعل التدريس أكثر إلزامية تزامنا مع تقليص وقت اللعب. وعدم وجود وقت كافٍ للأنشطة التي يفضلها الأطفال كما لاحظ علماء الاجتماع بجامعة ميشيغان.

   

ماذا لو لم يلعب الطفل بحرية؟

  

يرى البعض أن الحرمان من اللعب والترفيه يرتبط بالإجرام والسمنة وتراجع الإبداع، وهو ما يحتم التعامل معه بجدية أكبر. يحكي هوارد شودكوف في كتابه "الأطفال في اللعب: تاريخ أميركي" (2007) كيف كان النصف الأول من القرن العشرين يعتبر "العصر الذهبي" للعب الأطفال المجاني، ثم جرى تقليل فرص الأطفال في اللعب تدريجيا منذ أكثر من 50 عاما في الولايات المتحدة وفي العديد من الدول الأخرى.

   

يقول "شودكوف" إن الحاجة إلى عمالة الأطفال انخفضت إلى حدٍّ كبير بحلول عام 1900 وصار بإمكانهم قضاء وقت ممتع، ثم بدأ البالغون في عام 1960 تقريبا في تخفيف هذه الحرية عن طريق زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال في المدرسة، والحد من حرية الأطفال في اللعب بمفردهم -وهو الأمر الأهم-، وبدأت الرياضة تحل محل الألعاب التي يختلقها الأطفال، وأدّت مخاوف الآباء إلى منع الأطفال من الخروج للعب مع أطفال آخرين بعيدا عن المنزل دون مراقبتهم. وعلى مر العقود تضافرت عوامل مختلفة لتتسبّب في النهاية في الانخفاض المستمر والمذهل في فرص الأطفال في اللعب والاستكشاف بطرقهم المفضلة.(9)

  

قلق ونرجسية

تزايدت في ذلك الوقت المشكلات النفسية التي يعاني منها الأطفال، مثل التوتر والقلق والاكتئاب على مدار عقود، وارتفع معدل الانتحار لدى الأطفال في الولايات المتحدة دون سن الخامسة عشرة. ومع انخفاض فرص اللعب انخفضت قدرات الأطفال على التعاطف مع الآخرين وازدادت النرجسية، إذ افتقد الأطفال مهارات التعاطف والقيم الاجتماعية الأخرى التي كانوا يكتسبونها في مجموعات اللعب، وهي مهارات لا يمكن لهم تعلمها في المدرسة، فهي بيئة سلطوية ليست ديمقراطية، تعزز المنافسة أكثر مما تعزز التعاون، فضلا عن أن الأطفال فيها لا يمتلكون حرية المغادرة حين يفتقدون تقدير الآخرين لاحتياجاتهم ورغباتهم.

   

  

في كتابه "مجاني للتعلم" (2013) يتتبع بيتر أو جراي هذه التغييرات، ويقول إن ارتفاع معدل الاضطرابات العقلية بين الأطفال يرجع إلى حدٍّ كبير إلى انخفاض حرية الأطفال، ولذا ينصح بمنحهم مزيدا من الوقت والفرصة للعب، رغم استمرار صانعي السياسات والخبراء في دفعنا للاتجاه المعاكس نحو تقليل فرص اللعب الحر ومزيد من التعلم بمراقبة وتوجيه الكبار.(10)

 

مستقبل مليء بالعنف

قام "ستيوارت براون"، مؤسس ورئيس المعهد القومي الأميركي للعب ومؤلف كتاب "اللعب: كيف يُشكّل الدماغ، ويفتح الخيال، وينشط الروح" (2009)، بدراسة تتبع فيها حياة الطفولة لعدد من الشباب الذين ارتكبوا جرائم قتل مثل تشارلز ويتمان طالب الهندسة المعمارية الذي قتل زوجته ووالدته في سن 25 عاما وقتل بالرصاص نحو 17 شخصا آخرين في أوستن قبل أن يقتل نفسه.

  

في حالة مثل ويتمان -وغيره-، توقع براون وزملاؤه أن يجدوا تاريخا من الإيذاء الجسدي في ماضيهم، لكنهم اكتشفوا أيضا أن "الحرمان من اللعب" كان عاملا مشتركا في معظم الحالات، وأكدوا أنه كان سببا رئيسيا في لجوئهم للقتل بهذا العنف. كشفت دراسة براون أن الأطفال المحرومين من اللعب يعانون من أمراض نفسية متعددة، تتراوح بين شعورهم بالتعاسة وتصل إلى ميول عدوانية. وفي المقابل فإن تاريخ الناجحين والمبدعين يكشف دورا حيويا للعب في التنمية والكفاءة الاجتماعية والمرونة الشخصية.(11)

    

  

في مواجهة الشاشات

نتيجة للتغيرات الاجتماعية وتأثير التكنولوجيا الحديثة فقد تأثرت بشكل كبير طريقة لعب الأطفال وقدر الوقت المتاح لهم، واختلفت الأنشطة التي يقومون بها في ساحات اللعب، وفي مواجهة سيطرة التكنولوجيا على الوقت المتاح للطفل في اللعب، تُوصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بما يلي:

* منح الأطفال ساعة من اللعب المجاني غير المنظم يوميا.

* تقليل ال​​وقت الذي يقضيه الطفل مع الشاشات الإلكترونية إلى أقل من ساعة إلى ساعتين في اليوم.

* عدم السماح باستخدام الشاشات الإلكترونية للأطفال دون العامين.

* عمل "مناطق خالية من الشاشات" في المنزل، يُمنع فيها وجود أجهزة التلفاز أو الحاسوب وألعاب الفيديو من الخروج من غرف نوم الأطفال.

* الحد من استخدام شاشات التلفاز أو الحاسوب كخلفية أثناء اللعب أو تناول الطعام والقيام بالأنشطة الأخرى لأنه يشتت انتباه الأطفال والكبار.

* وضع خطة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، تتضمن متى وأين يمكن للطفل استخدامها.(12)

     

    

اللعب الحر يعني حياة أكثر سعادة

اللعب أول عمل إبداعي للإنسان منذ طفولته، إذ ينشأ من خلاله الاتصال بالواقع الخارجي والأحلام والاحتياجات والرغبات التي يسعى لتحقيقها دون التقيد بالبيئة من حوله؛ عبر الخيال، (13) إنه قناة للتعبير عن المشاعر وتحقيق التوازن العاطفي. ويؤكد "بيتر جراي"، الباحث في كلية بوسطن، أن إطلاق العنان للأطفال في اللعب يجعلهم أكثر سعادة واعتمادا على الذات، ويصف ما حدث في العقود الأخيرة بأنه "التأثير الأكثر دراماتيكية لنقص اللعب؛ زيادة في اكتئاب وقلق الأطفال وتراجع قدرتهم في ضبط النفس"، ويحذر أخيرا من أن الإفراط في الإشراف على وقت الأطفال ومحاصرتهم بالكثير من الاختبارات في المدرسة يمكن أن "يخلق عالما مليئا بالنرجسيين.. عالما حزينا بالفعل".(14)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار