انضم إلينا
اغلاق
للصبر حدود.. كيف تتعامل مع أسئلة طفلك التي لا تنتهي؟

للصبر حدود.. كيف تتعامل مع أسئلة طفلك التي لا تنتهي؟

هالة أبو لبدة

محررة تعليم وجامعات
  • ض
  • ض

"المستقبل للفضوليين، أولئك الذين لا يخشون تجربته واستكشافه، الذين لا يخافون نكزه والتساؤل عنه وقلبه رأسا على عقب"(1)

  

هل تشعر الأفاعي بألم في معدتها عندما تزحف؟ لماذا تحرك العصافير أجنحتها عندما تطير ولا تفعل الطائرة ذلك؟ إذا كانت كريمات التفتيح تستطيع تحويل الأشخاص السود إلى بيض، فلماذا يحتفظ الكثير منهم بلونه؟ ألأنهم لا يملكون المال لشراء الكريمات؟ هل يمكن أن يتحول طفل واحد في بطنك إلى اثنين وأن يحدث العكس في بطن أم صديقتي؟ لماذا ترمش عيوننا؟ جاءت هذه الأسئلة ضمن مجموعة من الإجابات التي تشاركها أعضاء منصة "كورا" (Qoura) عندما سُئلوا عن أغرب الأسئلة التي وجّهها أطفالهم إليهم.

     

يبدو معظم هذه الأسئلة مألوفا لدى الكثير من الأهالي، لكن أسئلة الأطفال لا تتوقف عند هذا الحد، بل تنهال على ذويهم بشكل يومي، حتى يصعب عدّها، ومنها ما يحمل مفاجآت كبيرة يعجز الأهل أحيانا عن إجابتها مثل: ما الإله؟ لماذا يموت الناس؟ كيف صُنعت؟ أين سأعيش عندما تموت؟ لماذا علينا أن نذهب إلى المدرسة؟ ماذا تعني بقولك "لا تستطيع تحمل تكلفة ذلك"؟ فكيف يمكن التعامل مع هذه المواقف؟ وما السبب وراءها؟

   

سيل من الأسئلة

بدءا من ساعات الصباح الأولى وحتى اللحظة الأخيرة قبل النوم يستقبل الأبوان ومن يرعى الطفل سيلا من الأسئلة حول كل ما يحيط به، إنه يسأل ماذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن؟ وأين؟ وتتفاوت ردات فعل الأهالي على أسئلة أطفالهم بين الغضب أو توبيخ الطفل أو محاولة إسكاته أو عدم الاكتراث لأسئلته، التي يسبب بعضها الإحباط لهم، ورغم ذلك فإنه لن يتوقف عن طرح الأسئلة. حاول باحثون في بريطانيا دراسة سلوك الأطفال هذا، وفهم ما يحدث، ومعدل تكرارية حدوثه، وشملت دراستهم عينة مكونة من 1,500 أب وأم، وكانت النتائج كالتالي:

     

       

إنه الفضول

منذ الأسابيع الأولى في عمره تتبّع عينا الطفل الأصوات والوجوه وكل الأشياء اللافتة من حوله، وفي عمر الثمانية أشهر تلفته الأصوات الغريبة أو ما يُعرف بالخشخشة الصادرة من بعض الألعاب، فيحاول تحريكها بقوة لإصدار المزيد من الصوت أو وضعها في فمه لاكتشاف ما يمكن أن يحدث، وبمرور الوقت يبدأ بمحاولة إمساك الهاتف ويصبح لعبته المفضلة، ثم يبدأ في محاولة محاكاة تصرفات الكبار حوله(2)، و"من الطبيعي أن يكون الطفل فضوليا حول العالم من حوله كلما كبر، إننا كآباء ننسى بسهولة أن كمًّا كبيرا من المعرفة لدى أطفالنا يحصلون عليها مما نخبرهم به، لكن قد يكون من الصعب علينا الخوض في المواضيع الأكثر تعقيدا كالمال ومواعيد النوم"(3).

  

أجرى باحثون من جامعة ميشيغان (University of Michigan) دراستين على عينة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات، مع التركيز على ما يطرحون من أسئلة "لماذا؟" و"كيف؟"، وتتبع سلوكهم عند طلب المعلومات والتدقيق في ردات فعل هؤلاء الأطفال على الإجابات التي يتلقونها بواسطة الكبار من حولهم. اعتمدت الدراسة الأولى على تحليل ستة نصوص لمحادثات يومية جرت في منازل الأطفال في عمر 2-5 سنوات بينهم وبين أهاليهم أو أقاربهم أو الضيوف في منازلهم، بينما ركزت الدراسة الثانية على المحادثات التي جرت مع 42 طفلا في المختبرات باستخدام الألعاب والقصص ومقاطع الفيديو لتحفيز هؤلاء الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 3-5 سنوات على طرح الأسئلة.

   

وتبيّن من كلتا الدراستين أن الفضول هو ما يدفع الأطفال للبحث عن الإجابات، إنهم يشعرون برضا أكبر عندما يحصلون على إجابات توضيحية لأسئلتهم بدلا من عدم الحصول عليها، وهو ما أشير إليه بإبدائهم الموافقة على هذه الإجابات أو طرح سؤال جديد ذي صلة، بينما يلجأون إلى إظهار عدم الرضا وتزيد احتمالية طرحهم للسؤال مرة أخرى أو طرح تفسير بديل في حال لم يحصلوا على إجابات توضيحية، فهم "يستخدمون إستراتيجيات خاصة في المحادثات للحصول على المعلومة، وعندما يسألون الأسئلة من نوع "لماذا؟" فهم لا يحاولون إطالة المحادثة، بل الوصول إلى عمق الأشياء"، وبسبب حجم العينة فلا يمكن تعميم نتائجها، إلا أن البحث أوضح أن الطفل يشارك في عملية التعلم عن العالم المحيط به بمجرد بلوغ السنة الثانية من عمره، لكن كيف يمكن التعامل مع أسئلة الطفل؟ وهل تأتي كلها بدافع الفضول؟

   

    

رحِّب بالأسئلة

"إن الفضول هو إحدى السمات الدائمة لذي العقل القوي"

(صمويل جونسون)(4)

  

يتأثر الأطفال بهذا الدافع الذي يوجّههم دوما نحو معرفة المزيد حول العالم من حولهم، إنه لا يمدهم بالمعرفة فحسب، بل يحفز أدمغتهم، ويعزز مهاراتهم في بناء العلاقات مع من حولهم، ويزيد قدرتهم على تعلم الأشياء الجديدة، وينمي فيهم حب القراءة والاستطلاع، بل ويساعدهم أيضا على التغلب على القلق5، لذا يتطلب التعامل مع هذا الفضول وعيا لدى الآباء بطبيعته، وكيفية التعامل معه، والتيقظ لانحرافه عن الطبيعي.

  

يشمل التعامل مع أسئلة الأطفال جانبين رئيسيين، الأول هو قدرة الأهل على إدارة مشاعرهم الناتجة عن تعرضهم لأسئلة الطفل، والثاني تحديد طبيعة هذه الأسئلة وكيفية إجابتها، ولتوضيح الجانب الأول يناقش مختصون على موقع "بيرنت سيركل" (ParentCircle)، أحد المواقع المهتمة بنشر آراء الأكاديميين والخبراء لمساعدة الأهالي في تربية أبنائهم، يناقشون مشاعر الانزعاج التي يمكن أن تنتاب الأهل بسبب أسئلة أطفالهم وكيفية التعامل معها.

  

ترجع مشاعر الانزعاج لدى الأهل بداية إلى عدة أسباب يؤدي تنوعها إلى اختلاف طريقة إدارتها، فمثلا: قد يشعر الأب أو الأم بالانزعاج لأن الطفل يقاطعه خلال أداء عمل ما، وهنا يتعين عليهم الإجابة عن الأسئلة، وفي حال عدم قدرتهم على إجابة الأسئلة فورا فعليهم إعلام الطفل بانشغالهم في هذا الوقت تحديدا، وبأنهم سيجيبون عن أسئلته بمجرد الانتهاء من عملهم.

   

يعتقد بعض الأهالي أن أطفالهم يطرحون أسئلة تتصادم مع معتقداتهم أو أفكارهم الدينية أو حتى التعليمات التي يُملونها عليهم، وهنا يظهر سبب انزعاج الأهل أو ارتباكهم

مواقع التواصل
  

سبب آخر خلف انزعاج الأهل هو عدم معرفتهم بإجابة سؤال الطفل وعدم رغبتهم بالظهور كأغبياء أمام أطفالهم، ويُنصحون في هذه الحالة بتقبّل هذا الوضع والاعتراف بذلك لطفلهم، ففي هذا السلوك توضيح لطبيعة البشر، ويمكنهم إشراك أبنائهم في البحث عن الإجابة عبر تصفح الإنترنت أو قراءة الكتب أو سؤال شخص آخر، ويُكسِب هذا التصرف الطفل وعيا بطرق التعلم المختلفة ويقوي صلته بوالده أو والدته، كما يمكنهم تأجيل الإجابة عن ذلك، مع العلم بأن الطفل سيكرر السؤال لاحقا إذا لم يحصل على إجابة.

  

يعتقد بعض الأهالي أن أطفالهم يطرحون أسئلة تتصادم مع معتقداتهم أو أفكارهم الدينية أو حتى التعليمات التي يُملونها عليهم، كاستفسار الطفل عن سبب عدم رؤية الله أو سماعه وما إذا كان موجودا، وهنا يظهر سبب آخر لانزعاج الأهل أو ارتباكهم، وبرغم أن هذه الأسئلة تُشكّل تحديا لهم فإنها قد تكون دليلا على فضول طفل عبقري يسعى لفهم الأشياء بصورة واضحة، لذا عليهم تنحية الغضب جانبا، ولديهم الحق في الحصول على الوقت اللازم لإيجاد الإجابة المناسبة والعودة للطفل وإخباره بها.

  

وليست كل الأوقات مناسبة لطرح الأسئلة، فقد يكون الأب أو الأم بمزاج سيئ وهذا يكفي لشعورهم بالانزعاج من أسئلة طفلهم، وعليهم في هذه الحالة أن يوضحوا له ذلك، فهذا السلوك يساعده على إدراك فكرة أن الكبار يمرون بأوقات عصيبة ويختبرون مشاعر سلبية، ويمكنهم إجابة أسئلة طفلهم لاحقا.

  

كيف تجيب؟

  

يمكن تعميم بعض الخطوات للتعامل مع كثير من الأسئلة التي يطرحها الأطفال، من بينها الإجابة بسؤال آخر مثل "لماذا تعتقد ذلك؟"، لتشجيعه على التفكير وإيجاد الإجابة، ويُنصح الأهل بعدم تجنب أطفالهم، أو تقديم إجابات خاطئة أو مبهمة، بل عليهم إجابة أسئلتهم كافة، وتقديم إجابات بسيطة ودقيقة عندما يتعلق السؤال بأمور البالغين، واستخدام مفردات يسهل على الطفل فهمها، قد لا تنتهي هذه الأسئلة، لكنها مؤشر جيد على نمو مهاراته التحليلية، ويُنصح الأهل أيضا بتشجيع الطفل على طرح الأسئلة عبر ممارسة بعض الأنشطة، كعرض الصور والألعاب ومقاطع الفيديو على الطفل ومناقشته فيها، أو طرح الأسئلة المفتوحة عليه وهي الأسئلة التي لا تشمل إجابة بنعم أو لا، كالسؤال عما حدث مع الطفل خلال يومه الدراسي، وكذلك إتاحة الفرصة للطفل لممارسة الأنشطة التفاعلية وتعريضه لمواد كالماء والرمل والأطباق وأدوات الرسم.

  

يحتاج الأهل في هذه المرحلة التربوية إلى الاطلاع على كثير من المصادر التي تساعدهم على فهم المحفزات وراء تكوّن دافع الفضول لدى أطفالهم فيما يخص كل سؤال، بل وإدراك علامة الخطر في أسئلتهم إن وُجدت، وفي هذا السياق يستعرض مختصون على موقع "بيرنتس" (Parents) أمثلة على ذلك، فقد يطرح الطفل سؤالا حول سبب وجود الكثير من اللغات في هذا العالم، ستتضمن الإجابة هنا توضيحا لفكرة وجود البشر منذ آلاف السنين في مجتمعات منتشرة حول العالم واختراع كل مجتمع لكلماته الخاصة التي يستخدمها أفراده للتواصل فيما بينهم ووصف حياتهم، وأن هناك لغات لم تستمر كما هي بل شهدت تغيرات أدّت إلى حدوث اختلاف في اللغة نفسها بين ما كانت عليه منذ مئات السنين وما هي عليه الآن.

  

ما يجب أن يعرفه الأهل من أسباب تقف خلف فضول الطفل تجاه اللغات هو أن سماع شخص يتحدث لغة أجنبية سيُشعر الطفل بالغرابة، وقد يشوش أفكاره، "لكن كلما بادرنا مبكرا في مساعدة الأطفال على فهم ما يُمكنهم تعلمه عن الثقافات الأخرى، زادت لديهم احتمالية السعي للتعرف على أشخاص جدد"(6).

        

   

سؤال آخر أكثر صعوبة وتعقيدا، ويتعلق بسبب عدم رغبتنا في السماح للآخرين برؤية عورة الجسد، ستركز الإجابة هنا على أن السبب هو استخدامها في أشياء لا يمكن فعلها أمام الجميع كالذهاب للمرحاض، وهذا سبب تسميتها عورة، وسبب تغطيتها أيضا خلال السباحة مثلا، فالأجزاء الخاصة لا يمكن كشفها إلا للأم أو الأب أو لشخص موثوق في حالات خاصة كالطبيب وفي غرفته فقط وبوجود الأم أو الأب، وفي حال محاولة أحد آخر لمسها فعليه إخبار الأب أو الأم، ويعد مثل هذا السؤال "فرصة عظيمة لبناء موقف سويّ حول الجسد"(7)، ووضع حدود لضمان أمان الطفل.

    

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة انتباه الأهل للأسئلة التي يمكن أن تشير إلى وقوع إساءة للطفل، أو تعرضه لمحتوى غير لائق قد يشوّه تفكيره، كالأسئلة من نوع: من هو المُغتصِب؟ ما البيدوفيليا؟ وهناك سببان لحدوث مثل هذه الأسئلة، تلقّي الطفل لهذه الكلمات عبر التلفاز أو قراءتها على الإنترنت، أو سماعها من صديق أو شخص آخر، وقد تحمل بعض الأسئلة مؤشرا على وجود مشكلة نفسية لدى الطفل كمشكلة الوسواس القهري، وهذه الحالات تستدعي أن يستشير الأهل المختصين للتعامل مع هذه الأسئلة، والذي سيختلف بحسب مرحلة الطفل العمرية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار