انضم إلينا
اغلاق
"أبناء المطلقين".. هل ينجحون في علاقاتهم الزوجية؟

"أبناء المطلقين".. هل ينجحون في علاقاتهم الزوجية؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

لم ينعم جاستين لانغ بالاستقرار الأسري في نشأته، ولم يشهد أمثلة جيدة على الشراكات الطويلة المتينة، فبعد طلاق والديه تزوج كلٌّ منهما ثانية أكثر من مرة؛ تزوجت والدته مرتين أخريين، وتزوج والده ثلاث مرات. أخبرني لانغ أن أحد الدروس التي استفادها خلال نشأته هي أن "الأفعال أبلغ من الأقوال، فالناس يسارعون إلى "التعهد" بالتزام يستمر مدى الحياة، لكنهم غير مستعدين للوفاء به". كان لانغ واثقا من أنه لن يُقدم على خطوة الزواج أو إنجاب أطفال، حتى التحق بالبحرية وقابل زميلته التي أصبحت فيما بعد زوجته.

 

والآن أصبح لانغ ذو الـ 37 عاما رجلا متزوجا يعيش في ناشفيل مع زوجته وطفليهما، ويعزو جزءا من سعادته الحالية إلى الرفض بأن يحذو حذو والديه، وقال: "اطّلعت على أوجه القصور في زيجاتهم. وأدركت في وقت مبكر من حياتي أنه لا يجب عليّ تكرار أخطائهم نفسها". يبدو أن لانغ يتجنب تكرار تجربة والديه وتاريخهما المليء بالعلاقات الفاشلة. لكن الطلاق، كما أثبتت مجموعة مستفيضة من الأبحاث، غالبا ما يتسرب من جيل لآخر، ويصبح "أبناء المُطلقين أو أطفال الطلاق"، كما يُطلق عليهم، عرضة للطلاق أكثر من الأشخاص المنحدرين من "أُسر مُستقرة متماسكة". تبيّن أيضا أن طلاق الأبوين يمكن أن يُشكّل مسار حياة أبنائهما منذ الطفولة.

    

توريث الطلاق

   

ليست العلاقة بين طلاق الوالدين واحتمالية طلاق أبنائهم بالجديدة، فقد لاحظها الباحثون منذ عقد تقريبا، وذلك حسبما يقول نيكولاس والفينغر، عالم الاجتماع بجامعة يوتا، الذي وجد أيضا بعد دراسة في الموضوع كان قد بدأها في التسعينيات أن من المرجح بأن يتزوج أبناء المطلقين من أبناء مطلقين مثلهم، وأنه إذا كان كلا الزوجين من أبناء المطلقين، فإن احتمالات طلاقهما سترتفع عمّا لو كان أحدهما فقط لأبوين مطلقين.

  

يقول والفنغر إن لدى الباحثين نظريات تُفسّر توارث الطلاق عبر الأجيال. إحدى النظريات هي أن العديد من أبناء المطلقين لا يتلقّون دروسا مهمة عن الالتزام، مضيفا: "من المعروف أن جميع الأزواج يتشاجرون، لكن إذا ظل أبواك معا رغم شجارهما الدائم، فإنك ستدرك أن تلك الأمور عادية وأنها ليست مدعاة للطلاق. لكن إن كنت تنتمي إلى أسرة مفككة، فإنك لن تتلقى هذا الدرس، وبعد المشاجرات ستبدو الأمور غير قابلة للاحتمال بالنسبة لك. ما سيدفعك للانسحاب".

  

أحد العوامل الأخرى (وإن كان ثانويا) هو الجينات. لكي يوضح والفينغر ذلك، شرح سلسلة افتراضية من الأنماط السلوكية الممتدة عبر الأجيال، كالحماقة على سبيل مثال، قائلا: "بعض الأشخاص حمقى ببساطة، وهناك عنصر جيني صرف في كون المرء أحمقَ. لذا فما يحدث هو الآتي: هناك شخص أحمق، هذا الأحمق تزوج وأنجب أطفالا، ثم لم يعد متزوجا، لأنه أحمق، فيرث أطفاله بعض الميل الجيني للحماقة. وبالتالي فإنهم يتطلقون من أزواجهم أيضا".

   

  

بينما وجدت ليندا نيلسن، وهي أستاذة تدرس العلاقة بين الأب وابنته في جامعة ويك فورست، أن غياب الأب أو قلة حضوره في حياة الفتيات يمكن أن يُلحق أضرارا بمُستقبلهن التعليمي وصحتهنَّ البدنية، كما تمتد هذه الأضرار لتنال من زيجاتهن التي تزيد احتمالات انتهائها بالطلاق. تقول نيلسن إن الآباء يساعدون الفتيات في تعزيز ثقتهن بأنفسهن، وأن هذه الثقة تُفيدهن عند اختيار شُركائهن، مضيفة أن الفتيات اللاتي يترعرعن وهن "في أمس الحاجة إلى علاقة جيدة وقوية مع آبائهن" غالبا ما يحاولن إشباع هذه الحاجة الملحة "بمنتهى السرعة مع أول رجل يدخل حياتهن".

  

في حين وجدت دراسات أخرى أن الأبناء الذكور يصبحون عرضة للانخراط في علاقات مليئة بالصراعات الجسيمة خلال سن المراهقة عندما تتولى مهمة تربيتهم أمهات عازبات (وبالتأكيد يمكن أن يعاني الطفل من أوقات عصيبة عند غياب الأم أيضا). رغم هذه التحديات، فإن احتمالية أن يصبح أبناء المُطلقين هم أنفسهم مُطلقين مستقبلا قد تضاءلت بمرور الوقت. وبحسب والفينغر، كان احتمال طلاق الأشخاص المنحدرين من أُسر مفككة ضِعف احتمال طلاق الأشخاص الناشئين في أُسر مستقرة خلال فترة أوائل السبعينيات. لكن هذه الاحتمالات قلّت حاليا لتصبح أكثر بـ 1,2 مرة فقط.

   

الشعور بالذنب

في بحث نُشر عام 1999، أسس والفينغر نظرية حول سبب حدوث ذلك الانخفاض. أحد الاحتمالات هو أنه عندما زادت معدلات الطلاق وأصبح شائعا بدأت وصمة العار المرتبطة به في التلاشي. قد يصح هذا بشأن أبناء المُطلقين الذين كانوا يشعرون بالذنب في العقود السابقة من أنهم ربما كانوا السبب في تدمير علاقات أقرانهم وأسرهم، وهو ما حرمهم من المهارات الاجتماعية بطريقة ربما زادت من احتمالية طلاقهم في مرحلة لاحقة من حياتهم. أما حاليا بوجه عام، لم يعد أطفال المُطلقين منبوذين، وبالتالي أصبحوا أقدر اجتماعيا على الخروج من هذه الدوامة وكسر هذه القاعدة المتوارثة.

    

  

ثمة احتمال ثانٍ، وهو أن الأسباب التي تدفع البعض للطلاق قد تطورت بمرور الوقت. فقد تغيرت الفكرة السائدة حول إنهاء الزواج، وأصبحت لا تنطوي على القدر نفسه من الشعور بالخزي والعار الاجتماعي كما كانت عليه من قبل، وعلى ذلك، تقلّص تدريجيا الحد الأدنى الذي قد يلجأ بعده الأشخاص للانفصال بقدر كبير، أي إن الكثير من الأزواج في الوقت الحاضر ربما يُفضّلون الطلاق بسبب بعض المسائل التي كان الأزواج من الأجيال السابقة ليختاروا العيش معها. وكان أبناء المطلقين في الماضي عرضة لنوع من التخطيء الاجتماعي المتواصل، الذي قد يكون له تأثير على علاقاتهم المستقبلية، في حين نشأت الأجيال اللاحقة غالبا في منازل أقل اضطرابا، الأمر الذي قد يستفيدون منه في زواجهم.

  

بطبيعة الحال، لا يُبدي العديد من أبناء المُطلقين اهتماما بالزواج على الإطلاق. فقد أحس جاستين لانغ، على سبيل المثال، بهذا الشعور في وقت متأخر من سن البلوغ. ولكن المثير للاهتمام أن أشقاءه أبدوا منذ مرحلة الطفولة طموحات مختلفة بشأن الزواج. فقد أخبرني أن "لديه ثلاثة إخوة، ولكلٍّ منهم وجهة نظر مختلفة"، إذ لا يزال أحدهم متزوجا من حبيبته من المدرسة الثانوية، وآخر تزوج ثم طلّق، أما الثالث لم يتزوج أبدا، واعتقد لانغ أنه أيضا لن يتزوج أبدا.

  

يوضح سلوك إخوة لانغ سمة مركزية في الأبحاث المتعلقة بالعلاقات الأسرية، إذ يصعب عادة التنبؤ بالطريقة التي تؤثر بها الديناميات الأسرية المعينة على مختلف أفراد الأسرة. فقد بَيَّنَ تقرير نُشر عام 2013 بعنوان "المشكلة مع المتوسطات" أعدّه "مجلس الأسر المعاصرة"، وهو منظمة بحثية غير ربحية تعمل على جمع الأبحاث حول العائلات الأميركية، أن "الناس يستجيبون بطرق متنوعة للغاية إلى مجموعة واسعة من أحداث الحياة والضغوط الحادة".

    

الأشخاص الذين لا يزال آباؤهم يتمتعون بعلاقات زوجية مستقرة لا يحتاجون عادة إلى المرور بتجربة الطلاق في حياتهم مباشرة لكي يحذروا منها، نظرا لشيوع الطلاق اليوم

الجزيرة
   

وآثار طلاق الوالدين على قناعات أطفالهما بشأن الزواج لا تشذ كثيرا عن هذه القاعدة. فبعض هؤلاء الأطفال يرفض في مراحل متقدمة من الحياة الانخراط في أي شيء له علاقة بالزواج، بينما يسعى إليه آخرون بحماس، مفترضين أنهم أكثر حكمة من آبائهم، في حين يقف الكثير منهم في مكان ما بين الحالتين. ومع ذلك، فثمة أنماط متكررة. فقد وجدت بعض الدراسات أن أبناء المُطلقين يُبدون حماسا أقل إزاء فكرة الزواج، وأنهم لا يترددون كثيرا في إنهاء الزواج أيضا، بينما تُشير بعض الدراسات الأخرى إلى أن بإمكانهم الحصول على تصور أكثر صدقا لما قد يُفسد العلاقة الرومانسية، وهو ما يُمكّنهم من إدراك أهمية اختيار شريك حياتهم.

    

الطلاق ليس حتميا..

قد تلعب الطبقة الاجتماعية دورا بارزا في هذا الشأن، وفقا لما قالته شارون ساسلر، الأستاذة في جامعة كورنيل والمتخصصة في دراسة مواقف الناس تجاه الزواج، في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "في الطبقات الأكثر فقرا قد لا يكون هناك العديد من الأمثلة التي يُحتذى بها للزيجات الناجحة، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار الآراء المستهجنة حول العلاقات. في المقابل، كانت استجابات الأشخاص الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة ممن أجريت معهم مقابلات مؤكدة لهذه النتيجة… فقد كان لديهم الكثير من الأمثلة الحسنة للزيجات الناجحة، إن لم يكن آباؤهم، فثمة آخرون في محيطهم الاجتماعي (مثل الأصدقاء أو المعلمين أو زملاء العمل أو الرؤساء) يتمتعون بعلاقات أسرية مستقرة".

  

أشارت ساسلر أيضا إلى أن حياة الوالدين الرومانسية بعد الطلاق تبعث كذلك برسائل مختلفة إلى الأطفال، وتقول: "ما وجدته في بحثي هو أن الأمر لا يقتصر فقط على ما إذا كان الوالدان مطلقين، بل ما إذا كانوا يدخلون في علاقات جديدة أم لا، وما مدى نجاح تلك العلاقات". ذكرت ساسلر أمرا بالغ الأهمية، وهو أن الأشخاص الذين لا يزال آباؤهم يتمتعون بعلاقات زوجية مستقرة لا يحتاجون عادة إلى المرور بتجربة الطلاق في حياتهم مباشرة لكي يحذروا منها، نظرا لشيوع الطلاق اليوم. وقالت: "في تصوري، يلوح شبح الطلاق في أفق الجميع". ينتاب نيكولاس والفينغر ذلك الشعور نفسه أيضا. فقد ذكر أنه عندما يذهب إلى حفلات الزفاف، غالبا ما يطلب منه الحضور تقييم العروسين، وقال: "بمجرد أن يعرف الناس مجال بحثي، سيقولون: "ما فرصهم؟"، في هذه الحالة، دائما ما أختار أفضل الأبحاث التي تدعم النهايات السعيدة". 

   

   

عندما سألته عما إذا كان هناك أي شيء يمكن أن يفعله أبناء المُطلقين لتحسين فرصهم في الحصول على علاقات زوجية ناجحة، قال إن نصيحته لن تكون مختلفة عن النصيحة التي يقدمها لأي زوجين. فقد تحدث بإيجابية عن أساليب حل النزاعات التي يُوصي بها خبراء العلاقات مثل أولئك في معهد غوتمان، والتي تُساعد الأزواج وفقا لموقع المعهد الإلكتروني، واقترح والفينغر في إشارة إلى الطريقة التي يتبعها معهد غوتمان قائلا: "البدء في تعلم كيفية استبدال التفاعلات الإيجابية وإصلاح الأضرار التي حدثت في الماضي بأنماط الصراع السلبية".

 

يقول الأستاذ المختص في علم النفس بجامعة ميامي، برايان دوس، الذي يدرس العلاقات الرومانسية، إن الاستشارات النفسية للأزواج قد تساعد أيضا. ومرة أخرى، هذا العلاج لا يقتصر فقط على أبناء المُطلقين، إذ تشير الأبحاث إلى أنه "فعال بالدرجة نفسها للأشخاص الذين لديهم آباء مطلقون، وكذلك لأولئك الذين لم ينفصل آباؤهم"، حسبما قال دوس.

 

لدى جاستين لانغ وجهة نظره الخاصة حول كيفية الحفاظ على الزواج، فقد قال: "قد تكون مستاء حول أيٍّ من الأمور الدنيوية التي تواجهها اليوم، ولكن هل سيهم الأمر في وقت لاحق؟ لا تدع الأمر يزعجك وركز على الأشياء المهمة". واختتم كلامه قائلا: "يُمكن أن تكتب أنت وشريكك ملاحظات لطيفة لبعضكما بعضا باستخدام قلم حبر جاف قابل للمسح على مرآة الحمام. قد لا يكلف فعل ذلك شيئا على الإطلاق، ولكنه قد يُحدِث فارقا كبيرا".

------------------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار