انضم إلينا
اغلاق
تكرار مقولة "لا أملك الوقت" لا تعني أنك ناجح أبدا!

تكرار مقولة "لا أملك الوقت" لا تعني أنك ناجح أبدا!

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"ليس كافيا أن تكون مشغولا، فكذلك النمل، السؤال هو: بماذا أنت مشغول؟"

(هنري ديفيد ثورو، شاعر وفيلسوف أميركي)

      

كثيرة هي قصص النجاح لشخصيات بدأت من الصفر، أو تحتِه، وقاموا بكتابة سير ذاتية لامعة رُبما ستُلهمك قراءتها في وضع حجر الزاوية في طريقك الذي تُحاول أن تُصمم شكله. ستجد في سطر من سيرة أحدهم: "عملتُ لما يُقارب مئة ساعة أسبوعيا"، أو ما يُشابهها في الكثير من القصص المُلهمة التي تُحفزك على عدم الراحة، فتظُن بأن النجاح لا يُمكن أن يُعزل عن الانشغال، وبأنك كلما أعطيت لعملك الوقت الأكثر والانشغال الأكبر، اقتربت من أعتاب النجاح. يُعلق رجل الأعمال الماليزي والكاتب والمُتحدث في حقل تطوير الذات فيشن لاخيني على هذه الجُمل وغيرها من النصائح التي تُحفز مُستكشفها على البذل المُبالغ به في سبيل الوصول لأبواب النجاح: "هذا هُراء!". ولكن على الجانب الآخر والواقعي من العالم، مُعظم الوظائف تشترك بمجموع 40 ساعة أسبوعيا. من الذي حدد هذا الرقم؟ وهل هذا الرقم كافٍ للحصول على إنتاجية مُرضية في سياق طريق النجاح؟

   

التاريخ هُنا يُخبرنا قليلا عن ذلك (1)(2)، فمع بداية القرن التاسع عشر وفي أوج الثورة الصناعية، تعرض العمال من الطبقة الكادحة للاستغلال من قِبل أصحاب الأملاك، وكان العامل يعمل لمدة تتراوح بين عشر ساعات إلى ست عشرة ساعة يوميا! ونتيجة لهذا الرفض، بدأت بالفعل جميع الاتحادات العُمالية بالثبات على مبدأ يوم عمل مدته ثماني ساعات، وبدأت هذه المطالب تنتشر في المدن الأميركية وما بعدها. وصاغ بهذا الشأن الناشط في مجال حقوق العمال آنذاك روبرت أوين في عام 1817: "ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات من الترفيه، ثماني ساعات من الراحة". فإن كانت هذه الساعات هي الساعات المُثلى للعطاء دون استنزاف، وبمجموع إنتاجية مُرضٍ للطرفين، فلماذا يُصر البعض على أن النجاح يعني "عدم التفرغ"؟

     

    

الأولويات في خطر!

"جميعنا مشغولون للغاية، في الغالب نحن ننشغل مع أكثر الأشياء تفاهة!"

(محمد مراد ايلدان، كاتب مسرحي تركي)

 

في كتابه "الطريق لعادات أفضل" (The Road To Better Habits) يُشارك الكاتب ورجل الأعمال داريوس فوروكس لحظات من حياته الشخصية، والتي اقتطف بعضا منها في مقال شاركه على منصة ميديوم للتدوين، تحت عنوان "أن تكون مُنشغلا لا يعني أنك ناجح" (3)، ويقول إنه في فترة من فترات حياته كانت حجته الدائمة لأي تقصير من طرفه بأنه "منشغل لا وقت لديه"، كما يُعرب عن أسفه في كل مرة يُصادف أشخاصا يستخدمون الحجة نفسها. ينسون ذكرى زواجهم ويكون على لسانهم "تعرف كم أنا منشغل"، يغتربون أو يسكنون بعيدا عن عائلتهم وتمضي أشهرٌ دون مكالمة هاتفية، وحجتهم: "أمي، تعرفين كم أنا مُنشغل"، يُعانون من وزن زائد أو صحتهم البدنية بشكل عام تحتاج إلى ارتياد النوادي الرياضية والمواظبة على التمارين ولكنهم منشغلون لا وقت لديهم، والأسوأ: "أنا مُنشغل جدا، لدرجة أن انشغالي لا يمنحني فراغا للاستمتاع بالأمور التي أحب". ويُعلق: "لقد استخدمت كل هذه الأعذار، ولكني في مرحلة ما فكرت وقُلت لنفسي: كيف يُمكنني أن أنشغل لدرجة تمنعني من إجراء مكالمة هاتفية لشخص مهم في حياتي، هذا هُراء!".

    

كتاب "الطريق لعادات أفضل" للكاتب داريوس فوروكس (مواقع التواصل)

       

ويُعلق على ذلك بقوله: "في كل مرة تقول فيها إنك "مشغول"، فأنت فعليا تُصرح بفُقدان السيطرة على أولويات حياتك". وبرأيه أن الانشغال المُستمر الذي يمنعك من الاستمتاع بأجمل لحظات حياتك، والذي يمنعك من الراحة أو من تقديم واجباتك على أكمل وجه تجاه من تُحبهم ويحبونك، هو إهدار كبير للوقت، وأنك "لست على قيد الحياة، أنت موجود فقط!". وبامتداد الخط بالاستقامة نفسها على هذا الرأي، تقف ديبي هايس، المُلقبة بملكة الوضوح، على منصة "تيد" لإلقاء مُحاضرة بعنوان (4) "الثمن الحقيقي للانشغال، هل أنت مُستعد لدفعه؟". تقول ديبي إن التكنولوجيا التي لا يُمكن لأحدنا إنكار فوائدها العديدة في الوقت ذاته لا يُمكن إنكار جوانبها السلبية التي أثّرت على علاقاتنا وتواصلنا كبشر. وتستشهد بالأبحاث (5) التي تؤكد أن الرضيع حديث الولادة يستطيع الرؤية لمسافة 30 سم، وهي مسافة كافية للتواصل مع الوجه. وبأنهم أيضا يُفضلون النظر للوجوه الباسمة أكثر من أي شكل أو جسم آخر. (6)

   

   

ترى ديبي أننا نُنشئ عوالم تستند إلى التكنولوجيا، تجعلنا مُدمنين على الانشغال المُستمر، فبات التواصل أسهل وأسرع مع أولئك الذين يَبْعُدُون عنا آلاف الكيلومترات وتفصل بيننا البحار والقارات. ولكننا في الوقت ذاته نفقد أي مهارة تواصل مع من حولنا، وأطفالنا لن يكتسبوا أي خبرة اجتماعية إذا استمررنا في وضع نصف رأسنا في شاشاتنا، وتتساءل: "كيف سيتعلم طفلك أن يبدأ محادثة غير مكتوبة؟ متى آخر مرة مَشَيْتَ ببطء وشممت رائحة الزهور؟ متى كانت آخر مرة ابتسمت بلُطف للبائع الذي يملأ الكيس البلاستيكي المليء بمشترياتك التي ابتعتها على عجل؟".

 

نحن مُدمنون على التواصل والانشغال المُستمر، ونستيقظ كل يوم وفي رأسنا جدول للمهام التي تترتب تباعا، ولكن هل نعي ثمن كل هذا الانشغال؟ تؤكد ديبي أننا نجهل ثمن كل هذا، فنحن لا نملك الوقت أساسا للتفكير في عواقب هذا الأمر على المدى البعيد، من إجهاد، وقلة تركيز، وضعف في الإنتاجية، وأن العزلة والوحدة من الأمراض المتوقع تصنيفها مُستقبلا بين الأمراض النفسية التي سيُعاني منها الجيل الجديد. وتختم مُحاضرتها: "النجاح ليس أن تنشغل طوال الوقت، النجاح هو التركيز على ما يُهم".

 

فخ الفضيلة!

"نحن بحاجة إلى منع أنفسنا من الانشغال بالحياة للدرجة التي تمنعنا من العيش فيها"

(دانيال ويلي، رجل أعمال وكاتب أميركي)

    

لهجة التفاخر الممزوجة بالاستياء التي يحرص المُنشغلون على تكرارها هي مضيعة للوقت أيضا، وهي كما ذكرنا سابقا لا تُفضي إلا إلى أن الشخص يعيش فوضى في الأولويات التي يحتاج إلى تنظيمها (7). في كتاب "اعمل وأحِبّ والعب عندما لا تملك الوقت" (Overwhelmed: Work, Love, and Play When No One Has the Time)، تلفت الكاتبة بريدجيت شولت النظر إلى ما يُسميه العُلماء بـ"الوقت المُلوث"، وهو المُصطلح الذي صاغه عُلماء النفس لوصف الوقت الذي تختلط به التكنولوجيا مع وقت العمل، وقت العائلة، وقت اللعب، وقت الحب، وغيره. ويبدو أن النساء أكثر عرضة له من الرجال، لأنهن يواجهن صعوبة أكبر في إغلاق الشريط الذي يجري في رؤوسهن حول ما يجب القيام به في ذلك اليوم. وتُعلق بريدجيت: "إنه وقت مُضطرب، فلماذا يتفاخر البعض بوقت مُضطرب؟". (8)

 

في كتابها، تقابل شولت آن بورنيت، الذي يدرس إسهام اللغة التي نستخدمها في خلق واقعنا. كان بورنيت يجمع مئات رسائل الأعياد منذ الستينيات من القرن الماضي، والتي تُعد بمنزلة سجل أنثروبولوجي ممتاز تُبين كيف تختار العائلة تقديم نفسها للغير. يُؤرخ بورنيت ظهور بعض الكلمات والعبارات مثل: "عصيب"، "الزوبعة"، "المستهلكة"، "المجنونة"، "من الصعب تحمله"، "بسرعة كبيرة". ويلاحظ دخولها على كل البطاقات، واصفا إياها بأن "البطاقات دخلت -مُؤخرا- مرحلة الانشغال، حيث يُؤثر الانشغال على طابع البطاقة بشكل عام". وبينما يرى البعض أن النجاح والتقدم يقترن بالانشغال، فهُم أيضا يرونه فضيلة لا يُمكن التخلي عنها والاستمتاعُ بوقت فراغ دون الإحساس بالذنب. وهذه وجهة نظر تيم كرايدر في مقاله "فخ الانشغال" (9) فيقول: "أن تقول إنك لست مشغولا، أو إنك تحظى بوقت فراغ، فإنك كمن يقول إنه زائد، أو عفا عليه الزمن!".

    

كتاب "اعمل وأحِب والعب عندما لا تملك الوقت" (overwhelmed: work, love, and play when no one has the time)، بريدجيت شولت (مواقع التواصل)

    

الفرق بين الانشغال والإنتاج

"لا يُمكنك إثبات قيمتك من خلال انشغالك"

(كاتلين آيرونز، مُدونة)

    

حسنا، يُمكنك أن تكون مُنشغلا طوال الوقت، ومع ذلك في نهاية اليوم ستشعر بأنك مُتأخر لم تمشِ خُطوة في طريق الواجبات التي كان ينبغي لك أن تُنجزَها أو تُنهِيَها. لعلك في خضم الانشغال لم تُلق بالا لبعض من الأمور، أهمها: (10)(11)

 

  • دوّن هدفا واضحا لِمُهِمَّةٍ واحدة فقط: المنشغلون عادة يملكون عدة أهداف يتنقلون بينها، يقفزون بين خطوات المهام في محاولة منهم لإنهائها وكسب الوقت، ولكن النتيجة تكون: لا وقت، لا إنجاز.

 

  • مسألة أولويات: إن كانت قائمة أولوياتك قصيرة ومحددة، فستجد الوقت لجميعها. بمعنى، إن كانت لديك ثلاث أولويات، فأنت تملك أولويات. وإن كنت تملك 25 أولوية، فأنت تملك فوضى!

   

    

  • نعم بسُرعة! الشخص المُنشغل يُجيب بنعم بشكل سريع، ويوافق على المهام مهما بلغ عددها، فيُضَيّق على نفسه الوقت أكثر. أما المنتج فيميل لقول نعم ببطء، ويقول لا إن لزم الأمر.

 

  • تخلَّ قليلا: يميل الشباب عادة لفتح الأبواب لكل الفرص والاحتمالات. ولكن على سبيل المثال، إن كنت تنوي تعلم الإسبانية في عام، ولكنك تأخذ "دروسا في الإسبانية، وتنوي السفر، تنوي السكن في بلد آخر، تُريد أن تحصل على جسم مثالي، تنوي تعلم لغات أخرى، تحاول البحث عن وظيفة ثانية تكسبك 10% أقل على الأقل، تُريد الزواج"، فسينتهي العام ولن تفعل أيًّا مما سبق!

 

  • تتحدث كثيرا عن انشغالك: الفرق بين المنتج والمشغول هو أن المشغول لا يكف عن تأكيد معلومة أنه مشغول، أما المنتج فيكتفي بنتائج عمله للتحدث نيابةً عنه.

 

  • الشكوى من قلة الوقت: الشخص المنتج "يصنع" الوقت ويُخصصه لما يراه مهما وأولويا، أما المنشغل فيرى دوما أنه لا وقت مُتاح لفعل ما يهم. المُنتج لا يستخدم الوقت كذريعة.

    

    

بالرغم من أن اختيار "أين مكانك؟" في الانشغال أو ادعاء الانشغال أمر صعب، فإن الفُرص في تصحيح موقعك ما زالت مُمكنة. فمن الطبيعي بين فترة وأخرى أن ننزلق في دوامة المهام المُزدحمة التي تلتهمنا رغما عنّا مُتجاهلة إرادتنا. ولكن في اللحظة التي تكتشف بها أنك لا تُنجز رغم انشغالك، وأن قائمة أولوياتك تطول أكثر، وأن أهدافك تزداد وتزداد، رُبما حينها ستُقرر أن تُطفئ هاتفك قليلا، والنظر لوجه من تُحب، والتظاهر بأنك تعيش في عام 1984 دون إنترنت، مواقع تواصل، إشعارات، بريد إلكتروني، لتلعب في الرمل قليلا، وتتمشى ببطء يسمح لك بشم رائحة الشجر والأرض والألوان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار