انضم إلينا
اغلاق
تأثير "بيبي شارك".. لماذا تلتصق الأغنية برؤوسنا؟

تأثير "بيبي شارك".. لماذا تلتصق الأغنية برؤوسنا؟

كاميليا حسين

كاتبة مهتمة بشؤون الأسرة والعلاقات وأساليب الحياة الحديثة
  • ض
  • ض

إذا كان لديك أطفال في أسرتك أو كنت أبًا أو أمًّا، فغالبا ستكون قد مررت بأغنية "بيبي شارك" (baby shark)، وربما وجدت نفسك مثل ملايين الأشخاص الذين التصقت الأغنية برؤوسهم ووجدوا أنفسهم يرددونها طوال الوقت. وإذا لم تكن قد استمعت لها من قبل فها هو الفيديو، وهذا تحذير قبل أن تستمع لها؛ فقد تعلق هذه الأغنية برأسك ولا تتمكن من التخلص منها.

   

   

ظهرت الأغنية التي لا يعرف أحد كاتب كلماتها بين الأطفال كأغنية تُؤدّى في معسكرات الكشافة ورياض الأطفال، وعلى يوتيوب ظهرت عدة نسخ من الأغنية. في 2007 ظهرت نسخة ألمانية بعنوان "Kleiner Hai" أي "القرش الصغير"، ونسخة أخرى نشرها مؤدٍّ كندي في 2011 وتخطت حاجز المئة ألف مشاهدة بقليل، حتى أتت النسخة التي نعرفها جميعا في عام 2016، وظهرت على قناة يوتيوب كورية موجهة للأطفال الصغار تُدعى "Pinkfong"، حينها تحولت الأغنية إلى ظاهرة عالمية حيث تجاوز عدد مشاهداتها 2.2 مليار مشاهدة، وعلى الرغم من أنها موجهة للصغار في المقام الأول فإنها علقت برؤوس آبائهم وأمهاتهم المساكين أيضا.(1)

 

وساهم أداء الكثير من المشاهير للأغنية وعلى رأسهم مقدمة البرامج الشهيرة "ألين دي جينيريس" (Ellen Degeneres) لرقصة "بيبي شارك" وغيرها في برامجهم إلى ذيوع الأغنية أكثر. ومثل الكثير من الأغاني الشهيرة ظهر على الإنترنت تحدٍّ خاص بالأغنية، فظهرت مقاطع عديدة تُعيد تأدية رقصة "بيبي شارك" مع وسم "baby shark challenge"، حيث يمكنك مشاهدة أكثر من 150 ألف منشور تحت هذا الوسم على تطبيق إنستغرام. (2) (3)

     

  

لماذا تلتصق "بيبي شارك" برؤوسنا؟

يعتقد البعض أن التصاق "بيبي شارك" برؤوس سامعيها يعود لكون الآباء يتعرضون لها بشكل شبه يومي أثناء استماع أطفالهم إليها، إلا أن الواقع يُبيّن أن هناك العديد من الأشخاص الذين التصقت تلك الأغنية برؤوسهم رغم استماعهم لها لمرة وحيدة. قد يحدث أن تستمع لأغنية بمحض المصادفة أو حتى لمقطع منها، ربما تكون أغنية عابرة استمعت إليها في الراديو، أو حتى لحنا إعلانيا، لتجدها قد التصقت برأسك. ربما لا تعجبك كثيرا، لكنها تلتصق برأسك وتجدها تتكرر لديك. لست وحدك، فهذه ظاهرة عالمية تصيب نحو 98% من سكان العالم.

   

يُطلق على هذه الظاهرة "earworm" أو "دودة الأذن"، وهي محاولة لترجمة اللفظ الألماني "ohrwurm". ظهر اللفظ للمرة الأولى في رواية "Flyaway" عام 1978 لديزموند باجلي:

  

"سقطت في إيقاع طائش أعمى، وفي رأسي بدأ ما يطلق عليه الألمان (دودة الأذن)، تدور وتدور داخل رأسك، ولا يمكنك التخلص منها، خطوات دامية متتالية خلف بعضها البعض"

(Flyaway: ديزموند باجلي)

   

تخترق الدودة أذنيك ورأسك وتلتصق بها ربما لعدة ساعات أو لعدة أيام، ويطلق على هذه الظاهرة عدة أسماء من بينها: تكرار التصوير الموسيقي، والصور الموسيقية اللا إرادية، والحكة المعرفية، ومتلازمة الأغنية العالقة. لقد حظيت هذه الظاهرة بمكانة مثيرة للاهتمام في الأبحاث العصبية مؤخرا، حيث حاول الباحثون فهم أسباب حدوثها وتحديد الركائز العصبية المتورطة في حدوثها، وإيجاد طرق فعالة للتخلص منها. (4) (5)

     

     

لماذا علقت "بيبي شارك" بأذهان الجميع؟

على الرغم من كونها موجهة بالأساس للأطفال الصغار، فإن أغلب البالغين الذين استمعوا للأغنية ولو لمرة أو مرات قليلة يقولون إنها علقت بأذهانهم. تمتلك بيبي شارك سمات "دودة الأذن" (earworm) المثالية، فعندما تستمع لهذا النوع من الأغاني فإنها تحفز القشرة السمعية في المخ، وفي دراسة أُجريت عام 2016 وُجد أن لهذه الأغنيات سمات رئيسية:

   

لها إيقاع (tempo) متسارع ومبهج، فكلما تسارع إيقاع الأغنية علقت بذهنك أكثر، حيث تجدها تتردد داخل ذهنك أثناء الأنشطة الحركية مثل المشي أو غسيل الأسنان حيث تتوافق وتيرتها مع وتيرة ما تفعل.

تشابه نمطها اللحني مع ألحان أخرى رائجة، واحتوائها على فواصل مميزة، لها بنية موسيقية مألوفة وبسيطة.

* تحتوي على انتقالات مفاجئة في نوتاتها الموسيقية سواء للأعلى أو للأسفل.(6) (7)

* ارتباطها بالذاكرة السمعية، فبالإضافة إلى ذكرياتك عن الأغنية نفسها يسجل عقلك ذكريات تربط بين سماع الأغنية وبين حالتك العاطفية وقت سماعها والروائح المحيطة بك وموقعك والأشخاص المحيطين بك.(8) (9)

  

   

وتظهر هذه السمات كلها بوضوح في أغنية "بيبي شارك":

الإيقاع المتسارع المبهج

تساهم ديناميكيات اللحن وإيقاعه المتصاعد في خلق شعور بالحركة، إذ يتسارع إيقاع الأغنية في الجزء الذي تهرب فيه الأسماك الصغيرة، ليهدأ مرة أخرى عندما تصبح آمنة، ويلاحظ تفاعل الأطفال مع هذا الجزء بالذات واستجابتهم الراقصة. تستهدف إيقاعات الألحان السريعة جذع المخ، كما تحفز إفراز الدوبامين المرتبط بالحركة، كما أن الرقص على موسيقى مألوفة ومتكررة يتضمن نوعا من التنبؤ والذي يؤدي إلى التوافق بين الحركة والإيقاع ويزيد الشعور بالبهجة.(10)

   

  

النمط اللحني المتكرر والبسيط

تقول البروفيسورة بياتريس إيلاري بمدرسة ثورنتون للموسيقى بجامعة كاليفورنيا الجنوبية إن لحن هذه الأغنية بسيط يجعل من السهل تذكرها وترديدها، وبينما يسهل هذا التكرار حفظ الأغنية على الصغار الذين يمتلكون حصيلة لغوية محدودة، فإنه أيضا مفتاح رئيسي في جعلها تعلق برؤوس الكبار.(11)

  

ارتباطها بالذاكرة السمعية

أظهرت دراسات فالوري ساليمبور، استشارية علم الأعصاب، والتي أجرت بحثا في معهد مونتريال لطب الأعصاب حول كيفية وأسباب استيعاب الدماغ للموسيقى، أن النغمات الجذابة للأطفال يمكن أن تُثير مشاعر السعادة في نظام الدوبامين بالمخ حيث تتجذر مشاعر السعادة والرضا والثواب. يعتمد هذا النظام على تقييم العواقب والتنبؤات، فعندما تجد شيئا أجمل مما كنت تتوقعه يفرز هرمون الدوبامين ويؤدي إلى الشعور بالسعادة العارمة.

  

ويعمل نظام الدوبامين بالتنسيق مع التلفيف الصدغي العلوي، وهو الجزء المسؤول عن تخزين المعلومات حول جميع العلاقات الصوتية التي تعرض لها الشخص، سواء الموسيقى التي استمعوا لها أثناء نموّهم، والموسيقى التي استمع إليها آباؤهم وأمهاتهم، والموسيقى التي استمع إليها أقرانهم في المدرسة. وهذه العلاقات الصوتية تقدم لنظام الدوبامين تنبؤات بما سيجده الشخص ممتعا ويؤدي إلى طلاق الدوبامين.

  

العنصر الآخر في تكوين أغنية "بيبي شارك" هو أنها تقدم نماذج مألوفة من الشخصيات للطفل، فهي تقدم سمكة القرش الرضيعة، والأم والأب والجد والجدة، ويتكرر ذكر كل فرد منهم في مقطعه 4 مرات مع تكرار اللحن نفسه مع وجود تغيرات طفيفة. وهذه المفردات (الرضيع والأم والأب والجد والجدة) كلها مفردات مألوفة في حياة الطفل وغالبا لديه علاقة إيجابية معهم، وهو ما يستهدف مراكز العاطفة والمكافأة في الدماغ.(12)

  

الجانب البصري في الأغنية

  

لا تكتفي هذه النسخة من الأغنية بتقديم الرسوم المتحركة المبهجة، بل تدمج معها الحركات الراقصة للطفلين كجزء من الأغنية، وهو ما يجعل الأطفال راغبين في تقليد الحركات التي يشاهدونها بينما يشاهدون أطفالا صغارا مثلهم يندمجون داخل عالم الرسوم المتحركة الساحر.(13)

  

كيف تتخلص من "بيبي شارك"؟

إذا كان الأمر مزعجا بدرجة لا يمكنك تحملها فربما عليك أن تحاول استخدام إحدى التقنيات التي ينصح بها الخبراء، ومنها:

امضغ قطعة من العلكة: في سلسلة من التجارب التي أجراها الباحثون بيمان وبويل ورابلي عام 2015 في جامعة ريدنج بالمملكة المتحدة بتوظيف 89 متطوعا لدراسة كيفية حدوث هذه الظاهرة وكيفية التخلص منها، وأُجريت عدة تجارب لدراسة تأثير المهارات الحركية المرتبطة بالكلام/الأصوات على الأفكار الموسيقية الإرادية وغير الإرادية أثناء مضغ العلكة، توصلت نتائج الأبحاث إلى أن عملية مضغ العلكة قد تساعد في تغيير استدعاء الصور الموسيقية. ومن المفيد معرفة أن بإمكانك الاستفادة من نتائج هذه التجربة في نواحٍ أخرى، يفترض بعض الباحثين أن مضغ العلكة يساعد على تخفيف الهلاوس والأفكار الدخيلة التي تصيب المصابين باضطرابات نفسية عصبية مثل انفصام الشخصية والوسواس القهري.

  

قم بحل الألغاز اللغوية أو الحسابية: أثبتت التجارب أن الانشغال بالألعاب العقلية مثل الكلمات المتقاطعة أو السودوكو أو الحروف المختلطة تشغل العقل والذاكرة وتساعد على كسر الحلقة وإيقاف تكرار الأغنية.

* الاستماع إلى مقطوعة موسيقية أخرى: هذه الطريقة أيضا من الطرق المجربة، نظرا لعدم التطابق بين المقطوعة العالقة برأسك والمقطوعة الجديدة، فالمقطوعة الجديدة ستتطلّب انتباه العقل أثناء الاستماع إليها.(14) (15)

 

ماذا عنك؟ هل وقعت ضحية لـ "بيبي شارك"؟ أم أن أغنية أخرى تحتل رأسك الآن ولا تريد الخروج؟

آخر الأخبار