انضم إلينا
اغلاق
دعه يشعر بالملل.. كيف يمكن للفراغ أن يجعل طفلك ذكيا؟

دعه يشعر بالملل.. كيف يمكن للفراغ أن يجعل طفلك ذكيا؟

آية ممدوح

محررة
  • ض
  • ض
اضغط لاستماع

   

"سأبوح لكِ بسر صغير عن الحياة. هل تعتقدين أنها مملة الآن؟ حسنا إنها ستصبح أكثر مللا، وكلما تعلمتِ أن جعل حياتك مثيرة هو دوركِ أنتِ ستصبحين أفضل"

(رواية أين تذهبين يا برناديت؟، ماريا سيمبل(1))

 

عادة ما يبذل كثير من الآباء والأمهات اليوم جهدا كبيرا -فضلا عن المال- في اختيار أنشطة متنوعة لأطفالهم بهدف ألا يشعروا بالملل من ناحية وألا يضيعوا أوقاتهم دون تعلم مهارات جديدة من ناحية أخرى، كما أن البعض يفعل هذا سعيا للتخلص من إزعاج الطفل. وعلى هذا الحال، يقضي الطفل إجازته في التنقل بين الأنشطة. لكن "باسكالين بوبينيل"، عالم النفس السريري الفرنسي، يفاجئنا بأن ما نقوم به من تعبئة برامج الأطفال بالأنشطة ليس مفيدا بالضرورة، وأن الملل ليس خصما للعطلة الصيفية. (2)

  

في هذا السياق، تقول "ميليسا بيرنشتاين"، وهي أم لستة أطفال، إننا نعيش في مجتمع الرضا الفوري، حيث تنتاب الأطفال حالة من الذعر إذا لم يكن لديهم ما يفعلونه. لقد تسببت التكنولوجيا والاستهلاكية والكم الهائل من الأنشطة اللا منهجية في أن يكون عالم الأطفال منظما للغاية. فضلا عن أن اطلاعنا على حياة الآخرين عبر وسائل التواصل يدفعنا لمجاراتهم، فنُلحق أطفالنا -مثل أطفالهم- بالمزيد والمزيد من الأنشطة، ونشعر أحيانا بالتقصير إذا لم تكن حياة أطفالنا مزدحمة بها. تقول الدكتورة "تيريزا بيلتون"، الزميلة الزائرة في كلية التعليم والتعلم مدى الحياة في جامعة شرق أنجليا، إن انهماك الآباء في العمل أيضا جعل الأنشطة التي يراقبها الكبار في المؤسسات أو دور الحضانة هي الاختيار الأكثر أمنا للأطفال. (3)

   

التعامل مع الملل

  

اعتاد الناس قبول الملل باعتباره سمة من سمات الحياة في الماضي، وامتلأت مذكرات الكُتّاب فيما قبل القرن الحادي والعشرين بالحديث عن شعورهم بالملل وكيف تغلّبوا عليه بعادات مثل المشي لمسافات طويلة وتأمل الطبيعة. وبمرور الزمن قلّت فترات الملل من الناحية النظرية، لكنه ظل باقيا في الغالب في فترة ما بعد الظهيرة حين يخلد الآباء إلى القيلولة ويبقى الأطفال بلا خطط، أما اليوم، فالآباء يحرصون على ملء أوقات الأطفال، أو إشغالها بالأحرى. فما إن يشعر الطفل ببعض الفراغ حتى يبدأ الملل في التسلل إليه، وهكذا يبدأ الطفل في الإلحاح لامتلاك هاتف ذكي، أو دعوة أحد الأصدقاء إلى المنزل، ويشعر الوالدان بأن واجبهما يتمثل في إزالة  هذا الشعور لدى الطفل، لكن "باسكالين" يقول إن هذا ليس واجبنا أبدا؛ إذ إن جزءا من التوازن العقلي الذي يحتاج إليه الطفل، هو أن يعرف كيف يتعامل مع الملل. (4)

  

إن الرتابة التي نشعر بها في لحظات الملل هي التي تدفعنا للاكتشاف، إذ يبدأ حينها النظر للأمور بشكل أكثر اختلافا وربما عمقا عمّا هو مألوف. بالتأكيد لا نقصد أن الشعور بالملل في حد ذاته مفيد، ولكن في الكيفية التي نبتكر بها أساليب مقاومة الملل، حيث نتجه بالعادة إلى الانكفاء على الذات مما يزيد من معدلات التركيز والتخيل، وهو تماما الأمر الذي توقفنا منذ سنوات عن فعله في ظل الاتصال التقني المستمر الذي يُزيح أي مساحة تأمل. في المدارس مثلا،  نميل لإبعاد أي شعور بالفراغ لدى الطفل، فنلجأ للطرق المثيرة لإيصال المعلومة عبر الصور المرئية و"التعلم التفاعلي" المصمم وفقا لمثيلات "Candy Crushed"، فلن يستمع أطفالنا إلى محاضرات طويلة ويتبادلون النقاش حولها، إننا نعتمد أساليب تعلم "سهلة البلع".(5)

  

تؤكد إيتي بوزين، المتخصصة في علم النفس والتحليل النفسي، في كتابها (Daddy, Mommy, give me some time to dream) المنشور باللغة الفرنسية أننا في مجتمع استهلاكي متأثر بفكرة "المزيد والمزيد"، وهذه المنافسة تدفعنا لتزويد أطفالنا بالأدوات والمعارف الفنية حتى يتمكّنوا من التعامل مع الامتحانات والتعليم العالي والمهن الصعبة في المستقبل، وهكذا نُطالَب -أطفالا وآباء- بالانتقال من شاشة إلى أخرى: من أجهزة الحاسوب المحمولة إلى الهواتف الذكية، ومن أجهزة التلفاز إلى الحاسوب اللوحي. ما إن نربط أحزمة الأمان في رحلة سفر طويلة حتى نفكر في فيلم أو لعبة ليقطع أطفالنا الساعات في هدوء وأعينهم مثبتة على الشاشة، وهذا ما يؤكد بوبينيل أنه عين الخطأ؛ إننا نُفقدهم القدرة على أن يوجهوا اهتمامهم لشيء آخر، وأن يختاروا ما يودون فعله. (6)

    

إن ترك طفلك وحده أمام وقت طويل لا يجد ما يقطعه به، مثل ترك صفحة بيضاء أمام رسام ليرسم لوحة من إبداعه، الملل فن يجب أن يتعلمه

مواقع التواصل
   

إن ما نفعله في الحقيقة حين نخطط لكل أوقات الطفل ونصطحب ألعابه حتى لا يشعر بالملل هو أننا لا نترك أي مساحة للإبداع لديه، إذ من الضروري أن يشعر الأطفال بالملل حتى يسعى جاهدا للبحث عن الطريقة المناسبة للقضاء عليه، وبالتالي يبتكرون أنشطة جديدة. تقول كريستينا دي لا روزا تينو الطبيبة النفسية: "إذا كان كل شيء متاحا، فلماذا سيتضايقون؟ لن تكون هناك حاجة". لقد ابتُكرت الأفكار والاختراعات العظيمة خلال اللحظات التأملية، حين يشعرون بالملل تكون الفرصة سانحة لتعزيز الإبداع، ومنحهم فرصة ليلتقوا بأنفسهم ويلمسوا مشاعرهم، وهو أمر سيُفيدهم تعلّمه منذ الصغر. (7)

   

إن ترك طفلك وحده أمام وقت طويل لا يجد ما يقطعه به، مثل ترك صفحة بيضاء أمام رسام ليرسم لوحة من إبداعه، الملل فن يجب أن يتعلمه الأطفال؛ أن يديروا وقت فراغ معين، وحدهم وبإرادتهم، تؤكد تيريزا أن الطفل يجب أن يتعلم أن يأخذ زمام المبادرة فيما يتعلق بتسلية نفسه، لا أن يقوم بذلك شخص آخر، إذ سيواجه الأطفال شعور الملل في المدرسة، ثم في العمل، ومن المؤكد أن تعليمهم التعامل معه منذ الصغر بدلا من رفع مستوى الترفيه يجعلهم أكثر استعدادا لمستقبل أكثر واقعية، دون توقعات زائفة حول العمل والحياة، حتى إن أسعدهم الحظ بالوظيفة التي يحبونها، فقد يضطرون لقضاء يوم كامل في الرد على البريد الإلكتروني أو التحقق من جداول البيانات. (8)

    

فوائد الشعور بالملل

بشكل أكثر تحديدا فإن ترك ساعات فارغة من شأنه أن يفيد الطفل فيما يلي:

القدرة على الإبداع: حين نُبعد الأطفال عن الأجهزة التقنية، فإنهم يكونون مجبرين على أن يكونوا أكثر إبداعا في إيجاد طرق للتسلية. إننا نمنحهم بهذا فرصة لتجربة الأشياء، وننمي لديهم حب الاكتشاف والفضول، وقد توصلت أبحاث(9) إلى أن الأشخاص الذين يقومون بمهام مملة يُظهرون خيالا أوسع وتكون لديهم أفكار مبتكرة حين يشاركون في نشاط تفكير إبداعي.

       

   

  

يزيد تقدير الذات: نجاح الطفل في مواجهة الملل وتجربة ألعاب وأفكار مختلفة وإدارة وقت الفراغ وحده تزيد من تقديره لذاته، يتعلم الطفل أن يقضي الوقت وحده، ويتعرف على ما يجلب له السعادة بمفرده، وهذه القدرة على اللعب أو النوم وحده، تعد إحدى علامات الأمان العاطفي.(10) - (11)

 

- القدرة على الحلم: حين يفتقد الطفل شيئا في الواقع سيلجأ إلى خلقه في الخيال، إنها لحظة ثمينة وضرورية ندع خلالها عقول الصغار تتطلع وتخلق وتتخيل وتجرب ونترك العنان لأفكارهم للاكتشاف. هذا الفراغ يتيح لهم فرصة للاسترخاء أيضا بعد يوم مدرسي وعديد من الأنشطة، وهو فرصة للتواصل الحميم المهم لبناء شخصيتهم، الحلم يعني قدرتهم على الإبداع وابتكار حلول للمشكلات والتفكير خارج الصندوق، وهي قدرات يحتاج إليها الطفل في المستقبل.

 

- القدرة على إثارة الرغبات والدوافع: إن بعض الفراغ والشعور بالملل يطوّران لدى طفلك رغباته ودوافعه، ويسهِمان في أن يكون واعيا بها، شعوره بانتظار شيء ما يجعل رضاه عن حدوثه أكبر من حصوله عليه بشكل فوري وآلي، انتظار يوم عيد ميلاده والتفكير في رغباته في هذا اليوم، شعوره بالإثارة والتوق يسهمان في تطور ونضج شخصيته.(12)

 

حل المشكلات وبناء العلاقات: تزيد قدرة الطفل على حل المشكلات حين يعتاد مواجهة شعور الملل وحده ويسعى للتغلب عليه، وتقول الدكتورة تيريزا بيلتون: "إذا منحنا الأطفال الوقت في مكان لا يصرف انتباههم أي شيء فهذا يساعدهم على التفاوض والتعاون مع بعضهم بعضا وتطوير أنشطة مشتركة، إنهم يتعلمون التواصل والتواصل البصري وقراءة لغة الجسد، وهي أمور لا يمكن تعلمها إلا من خلال التجربة".(13)

  

كيف نساعدهم في لحظات الملل؟

  

تقول "ميليسا بيرنشتاين" إن الأمر سيكون صعبا في البداية إذا كان الطفل قد اعتاد على تنظيم كل أوقاته؛ سيكون ترك بعض الوقت له ليقوم هو بشغله أمرا صعبا، ولكن يمكن مساعدة الطفل على التفكير بإتاحة بدائل بسيطة أمامه، تتركه يمشي في الريف/الحدائق لمراقبة الطبيعة واكتشاف التفاصيل، أو تتيح له أدوات مثل الكرة أو الحجلة أو الصفحات البيضاء والصلصال أو حتى الجوارب التي يمكنه أن يحولها إلى أشياء ممتعة، مثل دمية أو صندوق من الورق المقوى الذي يمكن أن يحوله إلى بيت. يمكن السماح له مثلا بإبعاد أثاث المنزل وتكوين مساحة فارغة للعب، ومن ثم أن يساعد في إعادتها كما كانت، فالهدف هنا أن توقظ قدرات الإبداع بداخله، وأن تدعه يتعلم الاستمتاع بالأشياء الصغيرة.

  

كما يجب على الطفل ألّا يراك دائما أمام الشاشات خلال هذا الوقت الذي سيقضيه الطفل دون وسائل تسلية، فأنت القدوة. وكما تقول عالمة النفس كارلا فالفيردي: "الأمر يتعلق بالوجود في العالم دون الدوران في عجلة الركض والتحفيز بشكل مستمر". أخيرا، عليك أن تشعر بالسعادة حين يستلقي طفلك أمامك على الأريكة بملل وهو لا يعرف ما الذي سيفعله، فقد تحقق الهدف، وهنا عليك ألا تدع الشعور بالملل يمر سريعا، فهو شعور مفيد. (14) -(15)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار