انضم إلينا
اغلاق
أنت لستَ بطلا خارقا.. لا بأس من طلب المساعدة!

أنت لستَ بطلا خارقا.. لا بأس من طلب المساعدة!

  • ض
  • ض

"من وحي ما رأيت، ليس طلبَ المُساعدة هو ما يُزعجنا، إنما ما يستلقي تحت السؤال، الخوف من أن يُنظر لنا بأننا أطراف مشلولة بالمُجتمع بدل أن تكون مُنتجة، الخوف من نظرة الشفقة، والخوف من أن يُحكَم علينا بالضعف. وهذه علامة واضحة على تفككنا وابتعادنا عن بعضنا بعضا"

(أماندا بالمر، فن السُؤال)

    

في كتابها "فن السؤال" (1)، تقول أماندا بالمر، الفنانة ومؤلفة الأغاني، إن طلب المُساعدة أمر صعب، وشاق، طلب المُساعدة بأي شيء، مال، فُرصة، إذن، موعد، أو حتى مُساعدة معنوية. تروي "بالمر" قصة نجاحها، وهي القصة التي أدت لتغير نظرتها للروابط الاجتماعية من حولها، فبعد أن وَصَلت لتلك النُقطة التي ينهار بها كل شيء، بادرت بطلب المُساعدة وكان أثرها كتعويذة سحرية أُلقيَت على كومة من القش فصارت ذهبا. وتُشير في كتابها أيضا إلى أن وجودنا هُنا كبشر يستدعي التواصل، وأن طلب المُساعدة ليس عيبا، بل يُعد رافدا من روافد التواصل بين البشر. (2)

    

  

وفي بحث (3) قامت به الباحثة برين براون، وصلت إلى نتيجة مفادها أن النساء يمِلن إلى الشعور بالخجل من فكرة "عدم الكفاية" في المنزل، في العمل، مع الأبناء. وعلى الجانب الآخر؛ يميل الرجال إلى الشعور بالعار خوفا من أن يُنظر إليهم على أنهم ضعفاء، فيتورط كِلا الجنسين في الدائرة المغلقة وقتها لأسباب مختلفة.


لا عجب أن الكثير منا لا يُكلّف نفسه عناء السؤال، ففي مقابلة (4) لبرين براون في حلقة من برنامج أوبرا وينفري "أون" (OWN) طلبت من الحضور رفع أيديهم إن كانوا مُستعدين لتقديم مساعدة لأحدهم، فكانت الأيدي بعدد لا بأس به. ولكنها عندما طلبت منهم أن يرفعوا أيديهم إن كانوا على استعداد أن يطلبوا المساعدة لأنفسهم، كان فضاء الأستوديو خاليا من أي يد!، الأمر الذي وصفته "بالمُحبط"(5). حتى إنها باتت نصيحة تُوَرَّث من جيل لجيل، فإذا أقبلت الفتاة على الزواج، يُلقى على مسامعها نصائح تصب في بئر واحد، أنها هي وَحدها القادرة على حل مشكلاتها التي يجب أن تُؤسر داخل جُدران بيتها. في هذا الشأن تقول (م.ع) لـ "ميدان" إنها من بعد زواجها وانتقالها لتغترب في بلد بعيد، كانت الخلافات تتراكم بينها وبين زوجها، إلا أنها لم تكن قادرة على إشراك أحد من أهلها خوفا من توبيخها واتهامها بإفشاء "أسرار" خاصة تواجه الجميع، فلا داعي لتكبيرها، وحرصا منها أيضا على طمأنة من يبعدون عنها مسافة جغرافيا وزمن!

  

  
وكانت أيضا تخجل من فكرة أن تطلب مساعدة من استشاري، اعتقادا منها أن من يلجأن للاستشارة الخارجية هن من يواجهن الخطر لا أقل، وخوفا من أن تُتّهم أيضا "بالسخافة وقلة الحيلة" على حد وصفها. فظلت أسيرة مشكلات أكبر من قُدرتها على حلها، وأضعف من أن تُكابر وأن تعتبرها غير موجودة، وظنّت أن الحل في ردمها، الأمر الذي تطور شيئا فشيئا ليُنهي العلاقة. وما إن انتهت، باغتها سؤال من أهلها: "لماذا لم تطلبي منا أن نُساعدك منذ بداية الخلاف؟".

    
هذه المتاهة هي ذاتها التي قد يهرول داخلها أي شخص يُواجه مشكلة معينة، وقد نكون نحن هذا الشخص، مرة في العمر على الأقل. فمتى نواصل التيه في المتاهة وحدنا؟ ومتى علينا أن نقف ونطلب المُساعدة لننهي رحلة شاقة من التخلي عن فكرة "من يقف خلف بابنا لن يكترث بنا"؟

     

وحدك تحت المظلة

"كان هذا الشعور العنيد بالاستقلال هو التحدي الأكبر الذي أواجهه في بناء منزلي الصغير. كنت عنيدا بالطريقة التي أكرهها، أرفض طلب المساعدة أو حتى استقبالها"

(دي وليامز)

    

تختلف طبيعة الأشخاص بشكل عام، هناك من يجد راحته الكبرى في تقديم المساعدة والمنح أكثر من راحته في السؤال عن شيء له، أو يحتاج إليه. فإذا كنت أحد هؤلاء الأشخاص فهنالك عدة أسباب تقف وراء هذا الامتناع المبالغ به في طلب المساعدة وأحيانا رفضها إن قُدّمت: (6)

* تعتقد أن مُعاناتك أسهل وأقل من غيرك: "تجاوز الأمر"، "هذه مشكلات حياتية طبيعية تواجه الجميع"، لا شك أنك استمعت لإجابة كهذه، أو على ذات نغمتها، حين شاركت أحدهم مشكلة تواجهك أو تؤرقك. إن سماع هذا النوع من الأشياء من شخص آخر يمكن أن يعزز شيئا ما لدى الكثير منا بالفعل داخل أنفسنا، وهو أننا نعاني من الضعف ونحتاج فقط إلى "التشدد". فترى حينها أنه من السهل إقناع نفسك بأن مشكلاتك هي مشكلاتك وحدك، وتحتاج فقط إلى التغلب على نفسك وعدم مُشاركة المشكلة مع أحد خارج أسوار نفسك.

   

* الخوف من الرفض: إذا كنت على الطرف المتلقي لعبارات تشبه تلك التي وردت في النقطة الأولى، فقد تخشى ببساطة سماعها مرة أخرى. هناك مسحة كبيرة من الرفض في تلك الكلمات وهذا ما يجعلك أكثر ترددا في نقل مشكلاتك لشخص آخر. وقد يكون هناك أيضا خوف من إطلاق الأحكام عليك، خاصة إذا كنت بحاجة إلى مساعدة بشأن شيء تشعر بالحرج أو بالذنب تجاهه. الحُكم في حد ذاته شكل حقيقي من أشكال الرفض.

      

* لا تُريد أن تُثقل على أحدهم: عدم الرغبة في الشعور بأنك قد جلبت عبئا غير مستحق إلى حياة شخص آخر. كثير من الانطوائيين والأشخاص ذوي الحساسية العالية يكافحون من أجل ألّا يكونوا محور الاهتمام، ويمكن أن يجتاح البعض شعور غريب -غير مُريح- بالوعي الذاتي في الحديث عن أنفسهم وأي مشكلات يواجهونها لشخص آخر.

  

     

* المُعاملة بالمثل: لدينا نظرة اقتصادية متأصلة فينا منذ سن مبكرة، إذ يعتمد الكثير من التفاعل الإنساني على مفهوم "رد الجميل" الخاص بالتبادل في المعاملات -أيًّا كان شكلها-، أي "أنت تفعل هذا من أجلي وسأفعل ذلك من أجلك". لذلك عندما يتعلق الأمر بطلب المساعدة، فقد نخاف من المُنتظر منا في المقابل، خاصة إذا كنا في نقطة منخفضة حيث لا نشعر بأن لدينا أي شيء نعطيه. أو أن الشخص الآخر لا يريد أي شيء منك. وهذا قد يُشعرك بالإهانة، وقد تشعر أنك بين قُضبان دَين لا يوجد لديك خيار لسداده.

    

مفهوم "الاعتماد على الذات": ربما تمت تربيتك على أن الكبرياء قد يُجرح في حال طلبت المُساعدة من أحدهم، وأنك ضعيف إذا لم تُساعد نفسك بنفسك مهما كان حجم ما تمر به.

    

* استنزاف الطاقة: ربما هذه هي المظلة الكُبرى التي يستظل تحتها كافة الأسباب السابقة، فبعض الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة، يخشون من الضغط الذي سيكون بسبب إدخال أشخاص آخرين داخل محيط معاناتهم، الضغط الذي يتمثّل في الإجابة عن قائمة من الأسئلة والإجابات، فيرون في ذلك استنزافا لطاقاتهم.

    

     

كيف تبدأ في طلب المُساعدة؟

"لم يتعلم معظم الناس أبدا كيفية السؤال بشكل صحيح. لذلك نحن نسأل بشكل سيئ، وأحيانا باستخدام الذنب والإكراه والابتزاز. نطلب الشفقة عندما نريد المساعدة، أو نسأل الشخص الخطأ. ربما قمنا بفعل ذلك بالماضي وشعرنا بالإهانة؛ لذلك نخشى أن نُكرره في المستقبل"

(نورا كلافر، طلب المساعدة وقت الحاجة)

   

في كتابها "طلب المساعدة وقت الحاجةتُقدم الكاتبة والمدربة نورا كلافر بعض الاقتراحات المُفيدة للأشخاص الذين يُواجهون عوائق تمنعهم من طلب المساعدة، منها:

  

- كُن صريحا، واضحا، مُحددا طبيعة حاجتك، لكن لا تُصغّرها.

- قلل من اعتمادك على الأشخاص العاديين لحل مشكلات كبيرة، إن كنت بحاجة إلى استشارة متخصص، اذهب إلى متخصص ولا تعتمد على رأي عادي!

- ابتعد عن طلب المُساعدة عن طريق البريد الإلكتروني أو الهاتف -إن أمكن-، حاول أن تُخصص وقتا شخصيا للتعامل مع المشكلة بكامل الانتباه والاهتمام. ومع ذلك؛ إن كان إخفاء الهوية مُريحا أكثر في التعامل مع مشكلتك -لو كانت مالية على سبيل المثال- فافعل ذلك.

- عندما ترى الشخص الذي ساعدك لاحقا، اشكره، مرارا وتكرارا.

  

        

  

تتفق الباحثة هايدي جرانت مع الاقتراحات السابقة، وتوضح من وجهة نظرها أن الوضوح مهم جدا، فالإفصاح عن المشكلة بوضوح أمر جيد، فحتى لو كان من حولك يشعرون بحاجتك إلى المساعدة دون أن تُفصح، فكيف سيقدمونها لك؟ أو كيف سيعلمون بأنك تريدها من الأساس؟ وتُشير أيضا إلى أن نتائج الأبحاث تقول إن 90% من المساعدات التي يمنحها زملاء العمل لبعضهم بعضا تكون عن طريق الطلب الواضح: "مرحبا، أنا بحاجة إلى بعض المساعدة". وتُضيف إلى ذلك: "لا أحد يُريد أن يُقدم مساعدة سيئة، لذلك عليك أن تكون واضحا؛ لمنح الآخر فرصة أن يعلم إن كان بإمكانه أن يُقدم المساعدة أم لا". وتُقدم نصيحة أخرى أنه لا مانع من تقديم المال للغرباء جرّاء مُساعدتك، لكن احرص على ألّا تفعل ذلك مع أصدقائك، بل قدّم هدية بالمقابل بدل عرض المال.

      

كتاب "طلب المساعدة وقت الحاجة"، للكاتبة والمدربة نورا كلافر (مواقع التواصل)

           

أنت لستَ بطلا خارقا!

"في الحقيقة، لا توجد أي ميزة في إثبات أنك بإمكانك تحمل كل الأعباء وحدك وأن تحمل على كتفيك كل المشقات وحيدا!"

(أماندا بالمر، فن السؤال)

   

على منصة "تيد" (TED) تقف الباحثة هايدي جرانت (7)، التي تبحث في علوم الدوافع والتأثير واتخاذ القرارات، تقول إنها في صغرها وفي وقت إجازتها السنوية، قررت العائلة أن تُنظم رحلة برية، وبينما يقود والدها السيارة، أضاع الوجهة والطريق، جرانت تصف والدها بأنه من الأشخاص الذين لا يُمكن تحت قوة أي ظرف أو سبب أن يسأل أحدهم أو يطلب منه المساعدة، حتى بعد توسل أمها بأن يسأل أي شخص من المنطقة على الوجهة الصحيحة، لم يُؤثّر هذا به، وأضاعوا الوقت والطريق وهو يُردد: "نحن لسنا ضائعين، كل ما في الأمر أنني أريد استكشاف المكان هُنا!". تُضيف جرانت على ذلك أنه ليس عيبا أن تطلب المُساعدة، فنحن بحاجة إلى المساعدة كل يوم، من جار، صديق، زميل في العمل، أو فرد من العائلة.

         

     

الطبيب الأسري والمدير الطبي في "One Medical" مايكل ريتشاردسون، الذي كان والده يُعاني من السرطان الذي أجلسه في فراشه بعد أن كان نشيطا في الستين من عمره، يقول ريتشاردسون إن والده كان مُكتئبا يُعاني من الداخل ولكنه لم يُخبر أحدا، وكان دائم التظاهر بالابتسام والراحة فلم يعلم أحد بأنه بحاجة إلى أي نوع من المساعدة أو الدعم. فالرجال عادة لا يُحبّون أن يظهروا بمظهر الضعف، وفي السؤال وجه من أوجه الضعف لذا يتجنّبونه قدر الإمكان (8). في هذا تتفق سيندي بوب الحاصلة على شهادة في علم النفس، مُجيبة عن سؤال طُرح في منصة "كورا" (Quora) لماذا يخاف بعض الناس من طلب المُساعدة؟ (9) في رأيها أن البعض يخشى من طلب المُساعدة بسبب تنشئتهم التي نشأوا عليها والتي تتمحور حول الاكتفاء الذاتي، وبأنهم مانحو الرعاية وليسوا مُستقبليها، حيث إن أدوارهم تُقتصر في إطار البذل للآخر دون أن يكون لهم احتياجات أو رغبات! وهذا أمر خاطئ كما تقول، فالطبيعي أن تَرغب وتُريد وتَحتاج جنبا إلى جنب البذل والمنح!

   

الموسيقي ورجل الأعمال الألماني بيتر هيملمان يروي قصته التي يستنكر هو نفسه تصرفه بها، فيقول إنه كان وزوجته في إجازة في مكان قُرب المُحيط، على دراجته الهوائية يستمتع بالتلال الخضراء والطرق المُتمايلة المُطلة على الزرقة، فلم ينتبه للمنحدر الذي سمح له بالرؤية من زاوية أعلى، قبل أن يستقبل الرصيف وجهه! سقط على وجهه ليغرق في دماء من رأسه وذقنه ويده، حاول أن يختبر نفسه بأول عملية حسابية يُجريها لعقله "10-6=4" فاطمأن على نفسه، وشعر بالنعاس الذي لم يسمح له أن يزحف ويبتعد من منتصف الشارع، فقرر أن ينام! هرع أحدهم إليه سائلا إياه: "هل تحتاج إلى أي مُساعدة"، ليرد هيملمان عليه: "لا، شكرا لك." يُعلق هيملمان على نفسه قائلا: "أنت لست بطلا خارقا! تظن أنه من القوة أن ترفض المُساعدة رغم أن الحاجة واضحة تماما، هذه ليست قوة، بل ذروة الضعف!". (10) 

   

في النهاية، يتفق الجميع على أن طلب المُساعدة يكون عندما يتضّح لك أنك بحاجة إليها، فمن الخطأ الانتظار حتى تتفاقم المشكلة أكثر فأكثر. يقول الكاتب إدموند مبيكا: "جميعنا تمّت مُساعدتنا في مرحلة من حياتنا، فلا تدع الأنا تعترض طريقك في طلب المساعدة عندما تكون في أمسّ الحاجة إليها". جميعنا نحتاج إلى غيرنا، ولكن البعض منا في منتصف حياته يقع في خطأ الأسطورة القائلة إن الأشخاص الناجحين هم أولئك الذين يساعدون وليسوا بحاجة إلى المساعدة، وأن الأشخاص المنكسرين يحتاجون إلى المساعدة بدلا من تقديمها. والصحيح أن جميعنا يحتاج إلى جميعنا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار