انضم إلينا
اغلاق
متلازمة المحتال.. كيف تجنب طفلك معاناة الشعور بعدم الاستحقاق؟

متلازمة المحتال.. كيف تجنب طفلك معاناة الشعور بعدم الاستحقاق؟

آية ممدوح

محررة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

بينما تكشف مواقع التواصل الاجتماعي عن الوجه الأكثر بريقا للمشاهير، فإنها تكشف أحيانا عن جوانب ضعفهم، تماما مثلما حدث مع المغنية البريطانية إيلي جولدنج التي كشفت عن معاناتها منذ سنوات من الشعور بأنها لا تستحق النجاح، رغم ملايين المتابعين والمعجبين بها فقد تحدثت عن اختلاط مشاعرها بين النشوة والفرح، والارتباك والحزن العميق لشعورها بأنها تخدع الناس، وأنها ليست موهوبة إلى هذا الحد، وأكدت أنها تشعر أحيانا بكل هذه المشاعر في أيام قليلة. اعترفت ميشيل أوباما كذلك أنها ضحية لهذا الشعور أيضا، وحكت الممثلة الأميركية كيت وينسلت عن مرورها بالشعور نفسه خلال تصوير فيلم تايتانيك، وكيف أنها كانت تشعر أحيانا قبل الذهاب للعمل بأنها لا يمكن أن تستمر لأنها "محتالة".(1)

    

يعاني كثير من الموهوبين وذوي القدرات الإبداعية من متلازمة المحتال، وهي الشعور بأنهم ربما خدعوا الناس بما يظنونه موهبة لديهم، وبأن أمرهم سينكشف يوما وأنهم ليسوا موهوبين بالدرجة التي يعتقدونها، وطفلك الموهوب أو المتفوق ليس بعيدا عن هذا الشعور الذي يبدأ لدى الكثيرين من مرحلة الطفولة، فكيف يمكن التعامل معه وحماية الطفل منه؟

  

موهوب أم محتال؟

   

إنها المعاناة السرية لنحو 25-30% من الفنانين والمبدعين؛ الشعور بأن موهبتهم التي تُثير الإعجاب إنما هي محض مصادفة، وسريعا ما سيكتشف الناس زيفها، إنها شكل من أشكال تدني تقدير الذات، ويخشى الآباء المصابون بها من أن تنتقل إلى الأبناء. كانت بولين روز كلانس أول مَن تحدث عن الظاهرة في الثمانينيات من القرن الماضي، كاشفة عن معاناة شديدة لبعض المبدعين الذين حققوا نجاحا كبيرا لكنهم يُخفون شعورا بأن نجاحهم كان ضربة حظ، وأنهم لا يمتلكون بالفعل موهبة تستحق الإعجاب، وأمام كلمات الإطراء من المعجبين بهم يقول صوت ما بداخلهم: "إنني لا أستحق، وسيرى هؤلاء أنني لست بهذا الذكاء".(2)

  

أغلب مَن يعانون من هذه المتلازمة لا يُمكنهم وصف حقيقة شعورهم، لكنهم حين يسمعون عن المتلازمة يهتفون وكأنهم وجدوا ضالتهم أخيرا: "نعم، هذا بالفعل ما أشعر به أيضا"، يُخفي هؤلاء شعورهم بالخوف أيضا كما أوضحت بولين كلانس حين صاغت المصطلح لأول مرة: "في كل مرة كنت أقوم فيها بإجراء اختبار مهم، كان خوف شديد ينتابني وكان أصدقائي يسأمون من قلقي المستمر، لذلك قررت أن أُبقي مخاوفي سرا". متلازمة المحتال ليست ضارة دائما، فهي آلية دماغية تساعدنا في اتخاذ قرارات أكثر ذكاء وأقرب للحكمة. ومع ذلك، فحين لا تتم إدارة هذا الشعور بشكل جيد فيمكنه هنا إعاقتنا بالفعل عن تحقيق النجاح.

  

وفقا لآيدا بيدا جيل، مؤلفة كتاب "كيفية التغلب على متلازمة المحتال"، تؤثر المتلازمة في مستقبل المصابين بها، فبسبب شعورهم بالخوف من أن يكتشف الآخرون "احتيالهم" وأنهم لا يستحقون النجاح، فهم يتجنّبون المواقف التنافسية ولا يخاطرون أو يجرؤون على طلب ترقية لأنهم يخشون ألّا يفوا بمتطلبات الوظيفة الجديدة، أو أن تكشفهم، وهكذا يعملون بأقل من إمكاناتهم، وتزيد مستويات التوتر لديهم وتؤثر في إنتاجيتهم، لأنهم غالبا ما يؤجلون المهام أو يبذلون جهدا كبيرا ليكون المبرر أن نجاحهم يعود إلى العمل الجاد وليس إلى الموهبة.(3)(4)

   

البداية في الطفولة

  

تصيب المتلازمة ما يقرب من 70٪ من الأشخاص في وقت ما من حياتهم، ووفقا لبحث أجرته جامعة سينسيناتي بالولايات المتحدة الأميركية، فالرجال أقل عُرضة بنسبة 18٪ لمتلازمة المحتال، بينما تتعرّض امرأتان من كل 3 نساء للمتلازمة في وقت ما من حياتهن، كما تصيب نحو 86٪ من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة، وتقل لدى من تتراوح أعمارهم بين 45 و54 سنة، وغالبا ما يكون للأمر أساس من الطفولة، يعاني الأطفال المتفوقون أحيانا من المتلازمة بسبب طريقة الأسرة -وأحيانا المدرسة- في التعامل معه، ويعتبر النقد أحد أكثر الأسباب الرئيسية لهذا الاضطراب.(5)(6)

   

تقول بولين إن سبب هذا الشعور يعود إلى الرسائل التي يبثّها الوالدان تحديدا لأبنائهم، وتفرّق بين نوعين، الأول هو الرسائل التي تحمل الكثير من الانتقاد للطفل، إذ يكتشف الوالدان كل جوانب النقص في أعمال الطفل ويوسعونه نقدا، سعيا نحو الكمال الذي لا يصل إليه الطفل بالطبع، وهكذا يجد الوالدان دائما ما يستحق الانتقاد ويشعر الطفل دائما بأنه لم يحقق شيئا.

  

أما النوع الثاني فيبدو أكثر لطفا، يُثني الوالدان على الطفل بشكل عام دون تفاصيل تُشعره بتميّزه الحقيقي مثل "أنت أذكى طفل في العالم" أو "أنت أكثر الفنانين موهبة على الإطلاق"، مع تكرّر هذه الجمل يشعر الطفل بضغوط لأنه لا يمكنه أن يكون بالفعل أذكى طفل في العالم، ويبدأ في إخفاء الإخفاقات عن والديه ويُطلعهم فقط على ما يحققه من نجاح، وهكذا يولد داخله شعور بأنه محتال يخدع والديه ولا يستحق الإطراء. كما يشعر الطفل بهذا أحيانا بسبب مدح أعماله بكثير من المبالغة، فيفقد الطفل الثقة في هذا المدح، وفي حقيقة تميّز عمله.(7) تقول نادين فان دير ليندن، المتخصصة في علم النفس، إن أحد مؤشرات تدني تقدير الذات الذي قد يتطور إلى متلازمة المحتال هو "الحديث السلبي عن النفس"، كأن يكرر الطفل كلمات مثل "أنا غبي" أو "أنا فاشل"، إلى جانب سلوكيات مثل عدم الرغبة في تجربة أشياء جديدة أو التردد في التواصل مع أشخاص جدد.(8)

   

مساعدة الطفل في تكوين صورة أكثر واقعية لما يمكنه وما لا يمكنه فعله، والتأكيد أن الأمر قابل للتطوير بشكل مستمر وليس نتيجة نهائية، يسهم في تقليل شعوره بالقلق

مواقع التواصل
  

وفي لقائها مع "ميدان"، تُخبرنا "آنا سانشيث أنيجون"، المعالج والمدرب والرئيس التنفيذي لشركة "El Animal Emocional" للتدريب والاستشارات العاطفية، أن أحد أسباب تسلل هذا الشعور للطفل هو الآمال الكبيرة التي ينتظرها منه البالغون، وتؤكد أن هناك دلالات على إصابة الطفل بهذه المتلازمة، من بينها مثلا: أن يتوقف عن ممارسة الأنشطة التي كان يحبها ويستمتع بها، أو حين يخشى القيام بنشاط جديد لأسباب مثل "لا أفعل أي شيء جيد" أو "لا أريد أن يضحك عليّ الناس"، ورغم أنها عبارات يكررها أطفالنا فإنها مؤشر على شعور الطفل بعدم الأمان، وهنا يكون الوقت المناسب للاستماع إليه، إنه الوقت الأمثل لا لأن نقول له "لتقم بالأمر"، ولكن لأن نستمع إليه ونشجعه ونشاركه ما يشعر به.

  

كيف تُجنِّب طفلك هذا الشعور؟

أنسب ما يمكن للوالدين فعله إزاء إنجازات الطفل -كما تقول بولين- هو تأملها جيدا بحيث يمكنهم التعرف على ما يمكن للطفل القيام به بسهولة وما يصعب عليه عمله، وتشجيع الطفل على القيام بالمهام الصعبة ومساعدته فيها، وتقديم ملاحظات دقيقة وصادقة حول كيفية تحسين أدائه، مع تأكيد قدراته الأخرى مما يساعده في إدراك ما يمكنه فعله بشكل جيد، وما يُمثِّل له مشكلة، وهكذا يستطيع التفكير فيما يمكنه القيام به لتطوير قدراته وحل مشكلاته.

   

إن مساعدة الطفل في تكوين صورة أكثر واقعية لما يمكنه وما لا يمكنه فعله، والتأكيد أن الأمر قابل للتطوير بشكل مستمر وليس نتيجة نهائية، يسهم في تقليل شعوره بالقلق، ويدعم قدراته ويمنحه الثقة في أنه متميز بالفعل وليس في الأمر خدعة، وهذا يستدعي منحه الوقت الكافي لتحليل ما يفعله والاستماع إليه ومناقشة كيفية تطوير قدراته. من المهم أيضا الثناء على التفاصيل، كأن تقول مثلا: "لاحظت أنك قمت بغسل الصحن بعد العشاء دون أن أطلب منك، كان هذا رائعا"، وتجنّب المدح العام، فبدلا من أن تقول له: "أنت أخ رائع" يمكنك أن تقول: "كان رائعا ما فعلته لمساعدة أخيك اليوم".

     

كل طفل هو عالم مختلف وعلينا أن نحترم قدراته وتفرّده واختلافه

 
مواقع التواصل
    

كما أن الثناء على الجهد الذي قام به بصرف النظر عن النتيجة طريقة رائعة لبناء ثقة الطفل، كأن تقول له مثلا: "لاحظت أنك أمضيت كثيرا من الوقت والجهد في هذا الرسم. لقد استخدمت الكثير من الألوان، أخبرني عن ذلك من فضلك؟". كما يمكنك أن تساعد طفلك في كتابة ما نجح في تحقيقه، جنبا إلى جنب مع التعرف على جوانب النقص والقدرات التي لا يزال في حاجة إلى صقلها وتعلّمها، ومساعدته في مواجهة الأخطاء والفشل، وبشكل عام فإن الكثير من الاستماع للطفل يُمكّنك من مساعدته في التخلّص من الشعور بأنه يخدع الآخرين بشأن قدراته.(9)

  

وأخيرا، في حديثها مع "ميدان"، تنصح آنا سانشيث بأن نستمع إلى الطفل جيدا ونخصص للتحدث معه وقتا أطول بحيث يعتاد التعبير عن شعوره بحرية، وأن يثق في أنه سيجد لدينا الدعم متى ما فتح لنا قلبه وأخبرنا عن مشكلاته؛ هذا سيكشف -كما تخبرنا آنا- ما إذا كان الطفل يشعر بالفعل بعدم القدرة على القيام بعمل ما أم أن لديه نظرة سلبية تجاه نفسه، الخطوة الأولى إذن هي منحه الأمان. أما الخطوة الثانية فهي الحد من محاصرة الطفل بالمطالب وعدم مقارنته بالآخرين، والتحلي بالصبر في التعامل معه، فكل طفل هو عالم مختلف وعلينا أن نحترم قدراته وتفرّده واختلافه.

  

لقد تحدثت ميشيل أوباما عن هذا الشعور أمام فتيات في مدرسة إليزابيث غاريت أندرسون في لندن، مؤكدة أنه شعور لا يمكن لأحد أن يهرب منه دوما، لكنها أخبرتهن في الوقت نفسه عن تجربتها ونصيحتها لتجاوز هذا الشعور ببساطة:

   

"سأقول لكنّ سرا، لقد جلست في الاجتماعات الخاصة بالسلطة، وزرت المنظمات غير الحكومية، وحضرت مؤتمرات القمة واجتماعات الأمم المتحدة، الأشخاص الذين قابلتهم في كل هذه الأماكن لم يكونوا فائقي الذكاء".(10)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار