انضم إلينا
اغلاق
الكاريزما.. هالة مغناطيسية جاذبة فطرية أم مُكتسبة؟

الكاريزما.. هالة مغناطيسية جاذبة فطرية أم مُكتسبة؟

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"شئنا أم أبينا، فإن الكاريزما مهمة عندما يتعلّق الأمر بالقيادة"

(يوشين مينجز، باحث وأستاذ العلوم في كلية إدارة الأعمال)

  

بالأبيض والأسود أحببنا الكثير من الوجوه، وما زالت حاضرة في قوائم حُبنا حتى يومنا هذا رغم اختلاف كل معايير الجمال والجاذبية، وجوه احتفظت بسحر حضورها رغم عدم وضوح ألوان الطيف في ملامحها السينمائية. ولا يقتصر هذا على الشاشة العربية، بل حتى الوجوه الغربية ما زالت مُسيطرة على الإرث الثقافي والفني. إذا حاولنا التفكير في الأسباب التي تُكسب الواحد منهم سرّ سحره وسيطرته على شريحة واسعة من الجمهور، فسنجد تارة خفة الظل، وتارة الثقافة والموهبة، ومرة تجد الشكل البسيط أو الحاد، أدوار الحب والخير أو أدوار القوة والشر. لا توجد أي مُعادلة تُفسر لِمَ النجوم نجوم، شيء تستطيع أن ترصده لا أن تشرحه. وبالابتعاد عن الكاميرا وما خلف ستارها، نجد في حياتنا زملاء في العمل يحظون بشعبية واسعة، قبول سريع من المُحيط، وهذا بالطبع يعود عليهم بالنفع والفائدة. ونجد أيضا بعض الأطفال -رغم براءة جميع الأطفال- يجذبون القبول والأُلفة والبسمة أكثر من غيرهم.

   

  

في محاضرة على منصة "تيد"، يُلقيها أستاذ السلوك التنظيمي جون أنتوناكيس تحت عنوان "لنواجه الحقيقة، الكاريزما مهمة"، استعرض بها عدة تجارب أجراها على فئات عمرية متعددة والتي تشابهت إجاباتهم بالحكم على الشخص المناسب ليتناسب مع منصب معين، قبطان سفينة، أو سياسي مثلا، فيقول: "شكلك، ملامحك، طولك، قصة شعرك، كلها شئت أم أبيت تُحدّد مَن أنت في عين الناس"، ويُشبِّه الموضوع بأننا سلع، يقوم الآخرون بالحكم علينا ووضع سعر المنتج، إما أن تُساوي مليون دولار، وإما ألّا تساوي أي شيء على الإطلاق، فقط من خلال شكلك الخارجي. فهل للكاريزما أو الشخصية الكاريزمية مُعادلة مُعينة، أم أنها موهبة فطرية لا يُمكن للشخص تدريب نفسه عليها؟ العلم يبسط جناحيه هُنا ليقول: ليس بالضرورة أن تكون الكاريزما موهبة فطرية، يُمكنك في أي مرحلة من عمرك أن تكون شخصية كاريزمية، ولكن كيف؟

  

أسطورة المثالية

"لكن الكاريزما لا تفعل شيئا إلّا أن تحظى بانتباه الناس، بمُجرد انتباههم، يجب أن يكون لديك شيء آخر لتعطيهم إياه"

(دانيال كوين، مغامرة العقل والروح)

   

في حكم شائع وخاطئ كالكثير من الأحكام المُعمَّمة دون أساس، يُفسّر أن الحضور الساحر يلزمه طبقات من المثالية، وقدرات متفوقة أكثر من المستوى الطبيعي، والحقيقة ألّا شأن للمثالية بالكاريزما. فقد قام ريتشارد وايزمان، البروفيسور وعالم النفس البريطاني، بإجراء دراسة (1) تضمّنت مُمثلتين تُحاول كلٌّ منهما تقديم عرض لرواد متجر تجاري لبيع خلاط؛ الأولى، قدَّمت عرضا مثاليا لا تشوبه شائبة، أما الثانية، فنسيت -بالخطأ- إحكام إغلاق غطاء الخلاط، الأمر الذي جعل الخليط يتناثر عليها مما دفع الناس للضحك بشكل هستيري. يتساءل وايزمان: "مَن برأيكم التي استطاعت إقناع عدد أكبر من الجمهور بشراء الخلاط؟ المفاجأة، أن الفوضوية التي نسيت إغلاق غطاء الخلاط أحبها الجمهور أكثر، وقامت ببيع عدد أكبر من الخلاطات، فما السبب؟". (2)

  

يُفسِّر وايزمان أن "الضعف" أنسَن الممثلة الثانية، وهذا عكس الشائع عن أن المثالية هي التي تجذب تعاطف وحُب الناس. الضعف جعلها تؤثر أكثر على الجمهور، وجعل الجمهور أيضا يتعاطف معها، فعندما نعترف بالضعف فنحن نسمح للآخر بالتفاعل معنا واستنباط أننا أقرب إليهم ومحبوبون بصورتنا المُبسطة. ورُبما الدرس المُستفاد هُنا هو ألّا نُحاول إخفاء ضعفنا في سبيل كسب حُب الغير، بل على العكس، قد يكون إبراز الحقيقة كما هي هو أول سبب يجعلك محبوبا كما أنت، حتى ولو كانت أوجه القصور التي تراها في نفسك سخيفة، أو عيوبا كارثية، أو حتى مُحرجة. الطرف الآخر -حتما- سيراها صادقة وأقرب للحقيقة، فمَن قال أن الحقيقة يجب أن تكون مثالية؟

   

    

المُحاكاة المُعدية

"يُمكنك تعلُّمها، لكن لا يُمكنك تزييفها"

(جيريمي ميلنيس، مُتحدث ومُدرب إذاعي)

  

في دراسة أخرى قادها البروفيسور ريتشارد وايزمان (3)، أُجريت على 200 شخص، غرض هذه الدراسة هو الإجابة عن سؤال مُعين: هل المشاعر مُعدية؟ تقدَّم المشاركون لإقناع لجنة التحكيم بمشاعرهم، ونقل هذه المشاعر وتأثيرها عليهم باستخدام شخصياتهم، ويُعلّق البروفيسور وايزمان: "الشخصية الكاريزمية قوية في نقل المشاعر، فالشخص الكاريزمي يُعدي الآخر دون أن يُدرك. على سبيل المثال، إذا ابتسم لك شخص فأنت تُقابله بابتسامة أخرى، هو منحك شعور السعادة دون أن يُدرك، وأنت سعيد أيضا رغم أنك لا تُدرك أنك تُحاكي الشخص أو تنسخ مشاعره". ويُلخِّص البروفيسور وايزمان هذه التجربة بثلاث صفات يتمتع بها الشخص الكاريزمي:

* قدرته القوية على استشعار عواطفه.

* يُؤثّر بها على الآخرين.

* بالإضافة إلى أنه منيع لتأثيرات الشخصيات الكاريزمية الأخرى.

   

وهذا يتوافق مع رأي الدكتور رونالد ريجيو (4)، أستاذ القيادة وعلم النفس التنظيمي في كلية كليرمونت ماكينا، إذ يرى أن "وصفة الكاريزما" تحتاج إلى ثلاثة مكونات أساسية، وهي: (5)

* أن تكون تعبيرية: القدرة على توجيه المحادثات ونقل المشاعر بسهولة.

* السيطرة: القدرة على ضبط الشخصية لتتناسب مع المزاج والتركيب الاجتماعي لكل مجموعة.

* الحساسية: تتمثّل في التمتع بموهبة الاستماع للآخرين.

   

حيثُ يرى د. ريجيو أن الكاريزما في جوهرها هي مدى قدرتك على التواصل مع الآخرين، والتقاط مشاعرهم إلى جانب التعبير عن مشاعرك. على الرغم من أنه أمر يبدو ذاتيا للغاية، ولكن ماذا لو لم تكن تتمتع بهذه الصفات؟ لا تُعتَبر هذه مشكلة، بإمكانك تعلُّمها وتدريب نفسك عليها، حيث يُقدِّر البروفيسور وايزمان الكاريزما بأنها 50% فطرية و50% مُدرّبة.

  

وهذا ما يتفق عليه المتحدث والمدرب الإذاعي جيريمي ميلنيس، فهو يؤكد أن التدرُّب على تقنيات معينة تُحدِث تغيرا هائلا في الشخصية، تتمثّل بعض هذه التقنيات في الاستماع الجيد، وطرح الأسئلة، وعدم المحاولة -بقوة- جعل نفسك محور الاهتمام، ويُعلّق: "هُناك بعض الأشخاص المحظوظين الذين يتمتعون بجاذبية شخصيتهم، مثل جوني ديب، ومارلين مونرو. ولكني أعتقد -بصدق- أن هذه المهارات والتقنيات يُمكنك تعلُّمها وممارستها ويُمكنها أن تُصبح جزءا من سلوكك الخاص". ولا يُنكر المُدرب جيريمي أن هناك سحرا خاصا وفطريا، ولكنه أمر ليس بعيد المنال، قد لا يهمك إتقان جميع التقنيات، ولكنك حتما سترتاح للبعض منها. (6)

  

  

ليس القيل والقال!

"السحر لا يتطلّب أي جرعات أو أرواح مألوفة، اللغة على اللسان تمنح السحر ما يكفيه"

(سلمان رشدي، ساحرة فلورنسا)

  

جزء من التنشئة الاجتماعية يشمل الحديث عن أشخاص آخرين، في دراسة (7) لظاهرة علمية تُسمى "انتقال السمة العفوية"، تؤكد أن هناك آثارا مُترتبة على التواصل مع الآخرين عبر الحديث عن الغير، وأن المُتلقي يربط الصفات التي تتحدث بها عن الغير وينسبها لك، وقد يبقى هذا الانطباع لفترة طويلة كانطباع أُخذ عنك، لا عن الذي تتحدّث عنه. وتؤكد الدراسة أيضا عدم وجود قواعد منطقية لصُنع هذه الاستدلالات عنك، أو ربط صفات الغير بك، ولكنها ظاهرة تؤثر بشكل غير معترف به على التفاعل الاجتماعي. على سبيل المثال تصف فلانا بالغيرة، المستمع لا شعوريا سيعتبرك شخصا غيورا. رُبما يُفسِّر هذا حرص أمهاتنا على تعليمنا عدم القيل والقال منذ الصغر، فالنصيحة هُنا ألّا تتحدث عن الآخرين في سبيل كسب إعجابهم، وإن أردت التحدث عن أحدهم فحاول أن تتدفق بشخصيتك، دع كاريزمتك تظهر، اختر الحديث عن شخص تحبه، تحترمه، وستتحدث عنه بروعة وبصدق وبصفات تنعكس عليك. (8)

   

وفيما يخص الكلام أيضا، أظهرت دراسة (9) أُجريت في عام 2005 أن الذين يتكلمون بسرعة صُنِّفوا على أنهم أكثر جاذبية من الذين يأخذون وقتهم ببطء في الحديث، حيث يُعَدُّ أسلوب الكلام السريع والسلس والهادئ الخالي من التوقف غير المبرر أو غير المنتظم أكثر جاذبية، لأنه أسلوب يعكس ثقة الشخص في نفسه وفي أفكاره، إلى جانب تألق الكاريزما في إيماءات رأس الشخص أثناء حديثه، والتواصل البصري، والابتسام المتكرر، فهذا دليل على أنك تستمع وتولي اهتماما، فالأمر ليس بالذي تقوله، بل بالطريقة التي تتحدث بها أيضا.

   

هل يكفي سحرك الطبيعي؟


  

"إذا كنت تفتقر للثقة في شيء ما، فما عليك سوى الاستمرار في المحاولة وعدم الاستسلام"

(سوزان يونغ، فن الوجود)

   

يقول مايكل مالوز، مؤلف ومُدرب تطوير الشخصية، إن العديد من الذين يعمل معهم ويُدرّبهم هم أولئك الذين قدموا مقابلات عمل رائعة ولكنهم لم ينالوا الوظيفة. قد تربطك أيضا علاقة جيدة بأحدهم، ولكن في العمل معهم تشعر بأن أسلوبك لا يُعجبهم، وتتساءل: لماذا لم يَعُد سحرك الطبيعي كصديق يكفي في العمل؟ ولكن، يتفق مستشارو التوظيف أن الكاريزما والسحر الطبيعي لا يكفيان في ساحة العمل، فتقديم مقابلة جيدة وكأنك تبيع نفسك لا يكفي، فهذا السطح ليس إلا، والخوض في التفاصيل هو ما سيمنحك فرصة قبولك في العمل. وتُعلّق على هذا أليسون بورغن، المدير التنفيذي في بادنوك آند كلارك: "بدون التدرُّب على جاذبية الشخصية يُمكنك -كشخص جيد- تفويت فرصة ما، ولكن هذا لا يمنح الشخص السيئ فرصة من الأساس". (10)

  

يُعلّق الدكتور جوزيف روش، أستاذ في علم المسرح واللغة الإنجليزية في جامعة ييل، أن الكاريزما هي قوس من تقابل الحاجة، وأن ما يجعل مفارقة الكاريزما قوية للغاية هو قدرتك على رصد الحاجة التي تلتقي معك، ويستذكر في هذا الشأن الأميرة ديانا التي كانت تُلقب بـ "دي الخجولة"، خجولة مثل معظمنا، والتي احتاجت إلى أن تحفر بعمق لتعثر على الكاريزما المتلألئة والتي كانت تحملها داخلها طول الوقت لتُلقّب في النهاية بـ "أميرة الشعب" (11). كل هذه الاقتراحات يمكن وضعها موضع التنفيذ بسرعة كبيرة، ومع ذلك، من المهم التقدم ببطء وبالنظر لظروفك الفردية، مما يسمح لك بالتدرُّب على الكاريزما الخاصة بك أو التي تُناسب حياتك واختيار التقنيات التي ستكون بالفعل مهمة وإيجابية وقيمة مُضافة لشخصيتك وتساعدك بالفعل على اقتناص الفرص المناسبة لك. مع التدرُّب، شيئا فشيئا ستصبح العملية أقل صعوبة، وتُصبح أيضا جزءا متكاملا من سلوكك اليومي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار