انضم إلينا
اغلاق
نقطة ومن أول السطر.. كيف يمكن للنهاية أن تلهمك بداية جديدة؟

نقطة ومن أول السطر.. كيف يمكن للنهاية أن تلهمك بداية جديدة؟

  • ض
  • ض

"يتعيّن عليك في بعض الأحيان السماح لشخص ما بالرحيل ألف مرة مختلفة، وبألف طريقة مختلفة، وهذا ليس مثيرا للشفقة أو غير طبيعي. في النهاية أنت إنسان"

(هايدي برايب، هذه أنا بينما أتخلّى عنك)

    

البدايات في الغالب مُبهجة، وواعدة، ومليئة بالاحتمالات والفُرص، غالبا ما يتفق الأغلبية على هذا. إلا أن النهايات تُرى بعين متوجّسة، وأحيانا بنفسٍ مكسورة، وكما أن كل ثانية يزداد معها عدد المواليد الجدد في هذا العالم، فهو في الوقت ذاته يُودِّع عددا لا بأس به من الأرواح. بدايةٌ تُلازمها النهاية، تلك النهاية التي تتخذ أشكالا يومية غير ثابتة. ففي كل يوم نمر به، ينتهي شيء، ويمكن لهذه النهاية أن تكون خسارة وظيفة، وطن، فرصة، هدف، علاقة، أو موت.

  

ليست كل نهاية هي بالضرورة خسارة، فبعض النهايات ضرورية وتحفيزية، بل تُعلن بصوت عالٍ عن انتهاء مرحلة وبداية مرحلة تحمل احتمالات أن تكون جيدة. هل يجب أن نقف في مواجهة النهايات، أم أننا على إعادة تعريف تلك النهاية وتوجيهها، أو على الأقل، تغيير تلك الأبعاد التي تتخذ قالبا واحدا (الخسارة)، والبدء بالتفكير بنهاياتنا على أنها ليست كومة من الخسارات؟

   

الاقتراب من النهاية..

"التخلّي عن الشيء لا يعني أنك لا تهتم به، إنه مُجرد إدراك أن الشخص الوحيد الذي تستطيع أن تتحكم أو تُسيطر عليه حقا هو نفسك"

(ديبورا ريبر)

    

  

من المفارقات الغريبة، أن النهاية ترتبط بزيادة التركيز، كيف ذلك؟ كشفت عدّة دراسات أن الاقتراب من النهاية يُساعد فعلا على التركيز ويستدعي من المرء كل طاقته، وتركيزه للقيام بالدَّفعة الأخيرة المُوَجَّهة للنهاية. وجدت دراسة (1) أُجريت على أكثر من 3000 مباراة كرة قدم احترافية أن 56% من الأهداف سُجِّلت في الشوط الثاني، وجاء ما يقرب من 23% في آخر 15 دقيقة من مباراة مدتها الإجمالية 90 دقيقة. (لا يعود الفضل للنهايات فقط، فإرهاق ساقَيْ المدافعين يؤخذ بعين الاعتبار، الإرهاق والنهايات يمشيان جنبا إلى جنب). كذلك الأمر في الصفقات، فقد لوحظ في تحليل (2) أُجري في عام 1988 على العديد من تجارب المفاوضات أن 41% من الصفقات أُبرمت في آخر 30 ثانية من الوقت المُخصَّص للتفاوض.

 

ويُنظر للحِداد أيضا على أنه نهج آخر من النهايات، لا يقتصر الموضوع على الحياة أو الموت، بل كشفت دراسة (3) أُجريت على بعض عشاق المُسلسلات الذين يُمارسون نوعا من الحِداد على انتهاء مسلسلهم المفضل بالطريقة نفسها التي يفجعون بها لموت أحد أحبائهم. في دراسة تحليلية أخرى (4) لتدوينات المُصابين بأمراض قاتلة، أو السجناء المحكوم عليهم بالإعدام الذين طُلب منهم كتابة كلماتهم الأخيرة، كانت لغة كِلتا الفئتين إيجابية أكثر من الأصحاء الذين طُلب منهم "تخيل الموت" والكتابة عن مواجهته. هذا ما يتعلّق بالنهاية الحتمية التي سنواجهها جميعا، ولكنها تنطبق أيضا على النهايات الأصغر، في العلاقات التي تُفقدنا شُركاءنا بانفصال، بانتهاء زواج، وغيره. وجدت هذه الدراسة (5) أنه بالوقت الذي يُولّد أقصى مراحل التوتر بسبب الانفصال، فإنه أيضا يؤدي إلى شعور بالنضج والنمو الذاتي، لا سيما بين النساء. (6)

     

"الصفر" أخو النهاية!

"عليك أن تتعلّم كيف ترى النُقطة وتقلب الصفحة"

(توري آموس)

    

لعل أغلبنا سمع قصة نجاح واحدة -على الأقل- بدأت من الصفر، قصصا لرجال الأعمال، لعظماء، لفلاسفة، بدؤوا مسيرتهم انطلاقا من نهايات مروا بها. رجل الأعمال الدكتور طلال أبو غزالة يُعَدُّ مثالا يُحتذى به، -رغم عدد من التصريحات التي أثارت الجدل على مواقع التواصل- هذا اللاجئ الفلسطيني الذي ينحدر من عائلة غنية جدا في يافا، ليصبح من عائلة فقيرة جدا تلجأ لجنوب لبنان. كان والده يمتلك أول فندق في فلسطين، أول مصنع للثلوج، وصاحب وكالات النفط جميعها آنذاك. طُردوا -كباقي الفلسطينيين- تاركين خلفهم كل ما بنوه وجمعوه، ليعيش على مساعدات الأونروا، من هُنا بدأ الصفر، ومن هنا جاءت النهاية كما يبدو. خسارة للوطن، للبيت، للعلاقات، للجيران، للمال، ولكل شيء تقريبا، وأصبح المجهول سيد الخُطط. كان الدكتور طلال مُتفوقا في دراسته، وخاف من الفقر أن يمنع عنه هذه الميزة الأخيرة التي بقيت في جيبه المُغترب، فكان يمشي يوميا ساعتين ذهابا ومثلها إيابا من وإلى المدرسة، إذ لا يملك فلسا يُدفع لأي وسيلة مواصلات.

    

 

ويقول إن حياته الدراسية كانت كلها بالمجان من الأونروا، ويُضيف: "كُنت مضطرا أن أكون الأول"، لأنه إذا فقد المركز الأول، فقد المنحة، ودون منحة لا يُمكنه أن يُكمل. كان يجمع حبات الفواكه التي تُقدِّمها الأونروا يوميا مع الوجبات، بمجموع ثلاث حبات، ويرجع بها في نهاية الأسبوع لمنزله، ليجتمع مع عائلته على طبق مليء بالفواكه. واستمر هذا الحال حتى المرحلة الجامعية، عندما قدَّمت الأونروا منحة واحدة فقط، شرط أن يكون الفائز "الأول" على لبنان. مرة أخرى، "مُضطر أن يكون الأول"، وكان. اليوم، إمبراطورية أبو غزالة غنية عن التعريف، ولولا النهاية لما وصل إلى ما وصل إليه الآن، فبعد شهرين من أحداث 11 سبتمبر/أيلول، اجتمع فريق الأمم المتحدة لتقنية المعلومات والاتصالات، وتم انتخابه من ضمن 6 أشخاص كلجنة استشارية يضعون إستراتيجية إدارة التكنولوجيا في العالم! يقول أبو غزالة إن الفقر الذي أوصله إلى ما دون الصفر لم يكُن نقمة كما يراه البعض، ولكنه دفعه وأجبره أن يحوّله إلى نعمة غيّرت مجرى حياته.

     

نحن لا نتجاوز النهايات

"لا أحد يتجاوز ولا أحد يتخطّى، كل ما نمرُّ به نبتلعه ونحمله معنا أينما ذهبنا"

(فيكل)

   

في كتابها  "لا بأس بالضحك، ولكن البكاء جيد أيضا" (it's ok to laugh: crying is cool too). أشارت نورا ماكنيرني  أن هذا الكتاب مُوجَّه لأولئك الذين لم يعودوا متأكدين من أنهم يقولون أو يفعلون الشيء الصحيح، ولأولئك الذين انقلبت حياتهم رأسا على عقب وتأقلموا على العيش معها دون تعديلها وإرجاعها لوضعها الطبيعي، لأولئك الذين جعلوا من ظروف "مؤقتة" نمط حياة "دائم"، ومُخصص لأولئك الذين باغتتهم الضحكات في الجنازة، بينما بكوا في محل بقالة، ومُوجَّه لأولئك الذين يتساءلون عمّا يجب فعله بحياتهم بقطبيها الثمين والوحشي.

    

هذا الكتاب جاء بعد تجربة قاسية خاضتها نورا، حيث تقف على منصة "تيد" مُقدِّمة مُحاضرة بعنوان "نحن لا نتجاوز الحزن، نحن نمضي مُتقدِّمين مع الحزن"، وتُوضِّح أن لكل واحد منا سنة، شهرا، موقفا، أو فترة من حياته، يستطيع تظليلها بالأصفر، أو باعتباره خط الاستواء الفاصل، الذي يفصل القَبل عن البَعد، الفترة التي ستتذكّرها طوال حياتك قائلا: "قبل كذا…" أو "بعد كذا…". هذا بالضبط ما حدث مع نورا في فترة ستة أشهر من سنة واحدة، أجهضت طفلها الثاني، فقدت زوجها المصاب بالسرطان، وفقدت والدها أيضا، ثلاث خسارات لا يُمكن الاستهانة بحجم ألم أيٍّ منها. بعيدا عن حُزنها، تقول إن الناس في هذه الفترات يهرعون لتقديم النصائح والمواساة، وما لا يعرفونه أن أسوأ نصيحة يُمكن أن تُثير غضب الحزين هي: "لا عليك، تجاوز"، ونحن نملك في معجمنا الاجتماعي ما يُرادف هذه العبارة "مَعلش".

   

 

تقول نورا إنها منذ عام 2014، أي عام الخسارات المُظلل بالأصفر، تزوجت مرة ثانية، وتحظى بأربعة أطفال، وتعيش في منزل جميل، وحققت العديد من النجاحات، ولكنها لم تتجاوز، وأن كلمة التجاوز مكروهة بالنسبة لها، وتتفهّم لِمَ قد يكرهها مَن مثلها، تُعلِّل بأن كلمة "تجاوز" تُخفي معاني تتمحور حول النسيان، أن حياتها مع والدها وزوجها وحملها لم تكن سوى لحظات "يجب" عليها رميها وراء ظهرها والمُضي، وهذا غير منطقي البتة. تُعطي الفضل للخسارات كلها لأنها السبب فيما تحظى به الآن، فزوجها الحالي -على سبيل المثال- أحبَّها لأنها الشخص الذي أصبحت عليه بعد أن فقدت كل ما فقدت، والأبناء من زوجها الحالي حظيت بهم وبحبهم وبتربيتهم لأنها خسرت زوجها السابق، فتقول: "لم أتجاوز خساراتي لأمضي، بل مشيت أنا وخساراتي جنبا إلى جنب". 

  

لتقول لنا إن كل نقاط النهاية التي زيّنت تلك السنة المُظللة بالأصفر أعطتها كل الطاقة للتقدُّم، للكتابة، لنشر أفكارها، وهذا ما جعلها صاحبة الكتاب الأكثر مبيعا، والبودكاست الأشهر "سيئ جدا، شكرا على سؤالك" (Terrible, Thanks for Asking)، ومُؤسِّسَة المُؤسَّسَة غير الربحية "Still Kickin"، وتُساهم بمقالاتها في العديد من المنصات التي تُسلِّط الضوء على المشاهد العاطفية التي يصعب الحديث أو التعبير عنها، كل هذا جاء بعد سنة مليئة بالنهايات.

   

الإنسان كائن قادر على التمازج مع الظروف المحيطة به مهما كانت صعبة وباستطاعته تجاوزها أو السير بجانبها إن أراد ذلك

مواقع التواصل
          

سيناريوهات الخسارات تختلف بين تجربة وأخرى، ربما تكمن النهاية في تجربة أحدهم في انفصال، وفي تجربة آخر في خسارة وظيفة أو مال، وهكذا. فقد نرى في تجربة طبيب الأمراض العصبية والنفسية في السجون النازية فيكتور فرانكل، والتي كتبها في ظروف صعبة، مُستعرضا حال المساجين في هذه السجون، المساجين الذين خسروا "الحرية"، وما السبب الذي يدفع البعض للاستمرار، بينما ينتهي البعض الآخر عند النهاية، وهو ما أسماه "العلاج بالمعنى".

  

أغلب مَن انهاروا في السجون، أو فقدوا عقولهم، أو وصلت بهم النهاية واليأس إلى الموت الحقيقي، هم أولئك الذين لا يملكون المعنى، لا يملكون سببا يدفعهم للاستمرار. الفكرة التي أراد فيكتور فرانكل توضيحها هي أن الإنسان كائن قادر على التمازج مع الظروف المحيطة به مهما كانت صعبة وباستطاعته تجاوزها أو السير بجانبها إن أراد ذلك. فالدكتور فرانكل نفسه لم يكن طبيبا معروفا قبل أن يُسجن، وسُجن كغيره في السجون النازية القاسية، إلا أنه قرّر أن يصمد ويخرج من السجون ليُحقِّق شهرته، وكانت له هذه البداية. وكما قال السياسي الأميركي ليندون جونسون:

   

"ليس من واجبنا التعافي بالأمس، ولكن أمامنا الغد، وهو الذي سيُحدِّد الفوز أو الخسارة".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار